ميلو-دراما رخيصة.

+ 18

Archive for the ‘أيامُ اشتراكية.’ Category

- الفن: الماركسية وعلم الجمال.

with 2 comments


  • هذه اطروحات تتناول مختلف الاشكاليات وكتبتها لدحض اطروحات بعض النقّاد المثاليين الذين يدّعون بأن الفن والجمال ليس لهما علاقة بالماركسية. إننا هنا نعرض طرحاً جدلياً بين الاختزالية للفنون في السياسة الثورية وبين محاولات خلع الفنون من العالم الذي يحكمه الاقتصاد السياسي، واتمنى ان تكون هذه الاطروحات  مفيدة لك أيها الرفيق / الرفيقة.
  •   
  • إن اهتمام الماركسيين بالفن هو ليس بالأمر الغريب، فالمنفستو - البيان الشيوعي – كُتب على يد فريدرك انجلز ، كما ورد في الرسائل المتبادلة بينهما. ولم يضع ماركس إلا اللمسات الأدبية في المانفستو. كانت الصور الفنيّة الشبحيّة من التراث الرومانسي في تلك الحقبة ، التي لها أثر كبير في الإنتاج الراديكالي الفني. و عندما نرجع إلى كتاب امبيرتو ايكو “عن الأديب” ، سنجد بأنه لا يعتبر المنفستو الشيوعي عبارة عن نصاً سياسياً خالصاً ، بل هو فناً جمالياً يستدعي الدراسة و التأمّل: ” أشباحٌ تغزو أوروبا ” كما ورد في مطلع المنفستو .. هذا التعبير مُخيف ومرعب وليس مجرد طرح أسطوري .. كما يحاول أن يتخيّله أحد منا اليوم ، فالخيالات ازدهرت في الحقبة الرومانسية وكانت عبارة عن ثورة للمتمردين على النمط الكلاسيكي في القرن التاسع عشر – الذي تملئوه الثورات على الحقبة الإقطاعية وسيطرة النبلاء والملكيّة المُطلقة. ويطالب ايكو بأن يتم تدريس المنفستو الشيوعي في المدارس مع الروايات والمسرحيات الكلاسيكية لمَ فيه من جماليّات أدبية تحرّض على الخيال والنقد والفهم للإشكاليات المختلفة في المجتمعات الحديثة. ولا يمكن اختزال الصور الفنية المليئة بالطرح الجمالي لدى ماركس في المانفيستو وحسب، بل في اطروحات نقد هيغل، هنالك العديد من الصور الأدبية الرائعة، على سبيل المثال في نقد الدين عندما قال: ” انه زفرة الإنسان المضطهد . . و روح في عالم بلا روح . . عالم منزوع الرحمة .. إنه أفيون الشعوب ” ، وطوّر الماركسي جلبير الأشقر تلك الصور عبر تحليل سياسي دقيق للدين بوصفه: ” كوكايين ” و ” أفيون ” بنفس الوقت – وهذا الجدل بينهما يمكن اكتشافه أكثر عبر قراءة مقال جلبير الاشقر حول الماركسية ونقد السلفية ، عندما حلل جلبير الدين على انه وسيلة لحشد الطاقات وفي نفس الوقت وسيلة لتخديرها.
  • jakoburnian:<br /><br />
<p>Work, buy, consume, die.<br /><br /><br />
” width=”424″ height=”301″ /></li>
<li style=
  • كان الوصف الفني دائماً حاضراً لدى الماركسيين، فلقد سخر ماركس من أحدهم عندما وصفه بـ دون كخيوته ، تلك الرواية الفرنسية المعروفة التي تصوّر اغتراب الفارس الذي يعيش في حقبة ما بعد الفروسية. لقد أصبحت كل التقاليد الكلاسيكية للفرسان بلا معنى في الزمن الحديث. وأيضا نجده يستلهم النقد المادي من بعض الصور الفنية الإغريقية في الأدب، عندما وصف المال بالعاهرة \ القوّاد ، أو في اقتباسه لشكسبير من مقاطع من تاجر البندقية في نقد استغلال الأطفال في المصانع – عندما تحدّث عن العقد التجاري الذي ينتصر على المتطلبات الإنسانية. وتحدّث في الفلسفة عن الانطلاق من الأرض إلى السماء، بدل الفلسفة المقلوبة لدى المثاليين، في التحليل بدأ من السماء هبوطاً إلى الأرض. هذا بحد ذاته وصفاً فنياً وطرحاً واقعيا للفلسفة , من منظومة التفسير لمنظومة التغيير. وعندما كتب بوردون كتابه الشهير: “فلسفة البؤس” ، رد عليه ماركس بكتاب بعنوان: ” بؤس الفلسفة “ ، ولم تنتهي تلك المعارك هنا ، بل ضاق ماركس ذرعاً بالفلسفة الهزيلة لدى بعض الثوريين فرد عليهم رداً لا يخلو من المزج بين الفلسفة والتصوير الساخر بفن مُتقن عندما قال: ” ذات مرة ، قفزت إلى ذهن أحد المغامرين رؤية مفادها: إن الناس يغرقون في الماء فقط لأن فكرة الجاذبية تتملكهم كلياً ، لكن إذا استطاع احد ما أن يطرد هذه الفكرة من رأسه بالقول مثلاً: إنها فكرة سطحية أو وهم ديني فسيصبح حتماً محصناً ضد مخاطر الغرق. وبهذا يقضي المغامر حياته كلها مناضلاً ضد وهم الجاذبية الضار والذي من الناحية الأخرى تثبت كل النتائج العلمية والتجريبية صحته .. مع الأسف ، إن الفلاسفة الألمان هم من طينة هذا المغامر” ، إذن, نحن هنا نجد ماركس يثور على العالم الفكري المحض عبر الدلالة العلمية والفنية بطرح الأمثلة والسخرية اللاذعة من المثالية البائسة التي تختزل تحليل الأشياء في عالم الأفكار، فهم كما وصفهم ماركس: يضعون العربة أمام الحصان ، و ليس العكس – يبحثون في الأفكار ويتناسون عالم الإنسان، ولا يُحللون العالم المادي ولا يُعيرون له اهتماماً، بل يعتقدون انها مجرد أزمة وعي. ومن هنا نجد أن الفن والجمال لدى ماركس ، مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالعالم المادي وليس منفصلا عنه – ولو ان العلاقة اكثر تعقيداً وسيأتي شرحها في الاطروحات القادمة. 
  •   عندما نبحث في نصوص الماركسيين السياسية وأدبيّاتهم الحزبية، دائما سنجد تلك الأوصاف الفنية الحادة التي لا تخلوا من الجمال الفني. فعلى سبيل المثال وصف تروتسكي الحزب الثوري بمقولة رائعة: “ الحراك الثوري مثل محرّك البخار ، فالجماهير هي مثل البخار والحزب مثل المكبس، فالبخار من دون مكبس سيكون غير قابل للعمل بشكل سليم، والمكبس من دون بخار سيكون غير فعّال ولا فائدة منه ” ،  ولو عدنا إلى نصوص الماركسي توني كليف، لوجدنا كماً هائلاً من الأمثلة على ذلك، حيث وصف أحد الببغاوات الذين يكررون العبارات باستمرار، وفجأة كررها وأصاب، فرد عليه كليف قائلاً: “حتى الساعة المعطوبة تُصيب مرتين في اليوم” ، أو عندما نقَد الاصلاحيين الذين لا يؤمنون بالثورة بل بإصلاح المنظومة السياسية من الداخل، فرد عليهم كليف: ” مثل المظلّة من الورق، هي مفيدة، على شرط ان لا تُمطر السماء ” – وسماء الرأسمالية دائما ممطرة بالكوارث. وهناك أيضاً نصوص جميلة في الوصف لدى الماركسي جون مولنيو عندما سأله احد الثوّار عن رأيه في المؤسسات الخيرية ، فأجاب قائلاً: ” حاول ان تواجه نار تجتاح المُدن بأكملها بنصف كأس من الماء – بالطبع سيجيبون عليك: (كل محاولة ولو كانت بسيطة فهي مفيدة وكافية) ، لكن الكوارث والنيران التي تجتاح المدن تحتاج إلى حلول جذرية، لا لكؤوس منازلكم التي توشك على الاحتراق “. وأحد الماركسيين المحلّيين وصف علاقة الماركسية بالستالينية قائلاً: ” مثل علاقة جدّتي برقصة البالية ” ، تلك العلاقة المستحيلة والصياغة الفنيّة الساخرة للدفاع عن الماركسية ضد محاولات التشويه التي تشنها البرجوازية. وفي وصف أليكس كالينيكوس للديالكتيك (الجدل والتناقض) ، قال: “ مثل غليان الماء ، ففي تناقض مكوناته عبر الغليان مع التصاعد الحراري يتحوّل من الكم إلى النوع – من الماء إلى البخار ، وهذا التحوّل والتغيير يحدث مع تصاعد البرودة أيضاً ” ، وكتب الناقد الماركسي الألماني والتر بنجامين في شتاء 39/1940 نصًا متميزًا تحت عنوان “ أطروحات حول فلسفة التاريخ ” هاجم فيه الاعتقاد الشائع وسط اليسار حول حتمية تحقق الاشتراكية نتيجة للتطور التاريخي. وقال “ لم يُفسد الطبقة العاملة الألمانية شيئًا بقدر ما أفسدتها فكرة أنها تتحرك في اتجاه التيار ” الثورة ليست نتيجة معينة لتقدم البشرية عبر زمن فارغ متجانس”. بل هي “ وثبة نمر إلى الماضي ” تحشد ذكريات معاناة الماضي وقهره ضد الطبقة الحاكمة. واختتم بنجامين فكرته بالإشارة إلى التراث اليهودي المسيحي، الذي جاء فيه أن “ كل ثانية من الزمن بمثابة بوابة ضيقة قد يمرق منها المسيح ”. وبعبارة أخرى: ” الثورات ليست نتيجة متوقعة لحركة التاريخ للأمام، بل أنها انفجار مفاجئ غير متوقع، في تاريخ يمثل كارثة واحدة، يتراكم داخلها الحطام فوق بعضه البعض ”. يا للوصف المذهل! “وثبة نمر” – تحليل دقيق لحركة التاريخ بإبداع فني ومنهجية علمية في آن واحد. أما الماركسي مارتن سميث ، فعندما يُلقي محاضرة عن تاريخ العنصرية العرقيّة ، لا يُلقيها في قاعة عاديّة ، بل على مسرحاً وخلفه فرقة موسيقية من العازفين لموسيقى الجاز .. يحملون الساكسفون والكمان والطبل والجيتار، ويتحدّث عن ” المخفيّون ” في صورة فنية تمثّل تهميش الفقراء الذين ينتجون فناً ثوري ومخفي، وأيضا للتعبير عن الطبقة الكادحة التي لا تجد تمثيلاً في وسائل الاعلام وفي الإنتاج الفني. وبعد المحاضرة تعزف الفرقة موسيقى جون كولترين ( آلباما ) التي هي ايقاع لمجاراة خطبة مارتن لوثر كينج التي القاها عندما كان يُعزّي أم قتلت السلطات أطفالها، فكان التعبير فنياً وسياسياً صاخباً للتعبير عن روح التضامن مع ضحايا العنصرية. اما المناضل الراحل كريس هارمان ، فلم يعنون كتابه الاخير بـ الرأسمالية والازمات الدورية، بل كان العنوان: zombie capitalism ، ماذا يعني ذلك؟ انه تطوير للصورة الكلاسيكية التي طرحها كارل ماركس بأن: الرأسمالي مثل مصّاص الدماء، والدم هو الربح ، ولا يستطيعون الرأسماليون الاستمرار في العيش من دون ان يمتصوّا دماء البشر. (الكادحين). هنا طوّر هارمان تلك الصورة ، من الكائن الغريب (VAMPIRE) إلى Zombie ، و هو شرح للإقتصاد العالمي الجديد وعلاقته بالطبقة الكادحة، ليس كائناً غريباً، بل انها الإنسانية مُصابة بفايروس رأس المال، ذلك الفايروس الذي يحوّل جزء من البشرية إلى مصاصي دماء. في عام 2011، ألقى الفيلسوف المجنون جيجيك خطاباً أمام الثوّار في الحركة الاحتجاجية في وول ستريت قائلاً: “ كلنا خاسرون، ولكن الخاسرين الحقيقيين هم هناك في وول ستريت. لقد أُطلق سراحهم بكفالةٍ من مليارات من جيوبنا. وُصِفنا بالاشتراكيين، ولكن هنا دائمًا اشتراكية للأغنياء. يقولون اننا لا نحترم الملكية الخاصة، ولكن في الانهيار المالي لعام 2008، دُمِّرَت الملكية الخاصة المُكتسَبة بشكل أعنف مما لو قمنا جميعًا بتدميرها ليل نهارٍ لأسابيع. سيخبرونكم اننا حالمون. الحالمون الحقيقيون هم هؤلاء من يظن ان الأمور يمكنها ان تستمر إلى أجلٍ غير مسمّى على ذات المنوال. لسنا بحالمين. نحن المستيقظون من حلمٍ يتحوّل إلى كابوس. إننا لا ندمّر شيئًا. نحن فقط نشهد كيف يدمّر النظام نفسه. كلنا يعرف المشهد التقليدي من الرسوم المتحركة. تصل القطة إلى شفير الهاوية ولكنها تستمر في السير، متجاهلةً حقيقة انه لا يوجد شيء تحت سطح الأرض. فقط عندما تنظر إلى الأسفل وتلاحظ الأمر تسقطُ. هذا ما يحصل هنا. اننا نخبر الشباب هناك في وول ستريت “ أنتم، انظروا إلى الأسفل! ” آه . . إنها خطبة رائعة! تعجّ باللغة الفنية والصور الجماليّة المعبّرة.
  • من أهم الثوّار الماركسيين العرب هو المناضل اللبناني العظيم مهدي عامل الذي قال ذات مرة: “ لست مهزوماً ما دمت تقاوم! ” وقال أيضاً: ” إن لم يكن الفكرُ نقدياً ، فهو مخصيا ” – ولهذا القول دلالة عميقة على ضرورة النقد ، بوصف فني حاد وخارق. وقال أيضا: “ فلتتضح كلّ المواقف ولْتتحدّد كلّ المواقع ولْتكن المجابهة في الضّوء ! إن من لا ينتصر للديمقراطية ضد الفاشية ، للحرية ضد الإرهاب ، للعقل والحب والخيال ، وللجمال ضد العدمية وكل ظلامية في أي بلد من عالمنا العربي وعلى امتداد أرض الإنسان . . من لا ينتصر للثورة في كل آن ، مثقف مزيف وثقافته مخادعة مرائية ! ” جماليّة الموقف في الحقبة التي تروّج فيها الأفكار الرجعية بحجة الحياد – الضوء الذي يخترق العتمة ، ” الحرية والحب والخيال ”  ونقض التزييف والخداع ، كلها صور جماليّة طرحها الشهيد مهدي عامل باسلوب متفرّد ومبدع ، أتقن فيها الأدوات اللغوية لإنتاج نصاً سياسياً ثورياً. ولم يكتفي الماركسيون بذلك وحسب ، بل إن الأمثلة لا نهاية لها ، فعندما تأمّلت النقد الليبرالي للماركسية لدى الكتّاب المحليين في أن الماركسية تختزل جميع الإشكاليات العلمية والأدبية في الطبقيّة ، أجبتهم ساخراً: “ بالطبع لا تُختزل الزلازل في الإشكالية العلمية لطبقات الأرض ، بل الموضوع أكبر من ذلك بكثير ، إن السبب الرئيسي هو دار عُهر في الطابق العشرين ، وعقوق الوالدين ، والدراما التركيّة والمسلسلات الكويتية! ” – و لا ينتهي التفاعل لهذا الحد ، فلقد اقتبست بعض المشاهد القبانية في الوصف لإسقاطها على حثالة الكتّاب البليدين وأبواق السلاطين في بلادنا، عندما وصفتهم بالـ ” أرانب خشبية عاجزة عن الحسّ والفهم ، نملة عرجاء لم تستطع أن تقطع سنتيمتراً واحداً باتجاه النقد المنهجي، وإن كان للكلاب خاصية الوفاء ، فأن للنقاد الرسميين في الصحف المحلية خاصيّة الانسياق كالخرفان خلف الحمير، إلى أين؟؟ إلى الهاوية بالتأكيد “
  • عندما سألوا المفكر الشهير غارودي عن حياة الأديب فرانز كافكا ، قال: ” كان ممزقا بين مهنته في النهار التي تحوّله إلى أداة في جهاز ميت ، وبين ميله في الليل إلى عمل واع يؤرّقه ويدوخه ويبدع فيه بالمادة التي حصل عليها من كوابيس الحياة “. كافكا – هو أديب تشيكي, صاحب الرواية المشهورة: ” المحاكمة ”  والتي هي أطروحة بارعة استعرض فيها الكاتب الأدب الوجودي من جهة ، ونقد مباشر للبيروقراطية من جهة أخرى. ومع ذلك .. لا يمكن احتكار إنتاج كافكا الأدبي في موضوع معيّن ، لان أدبه امتداد لحياته العصيبة بكل اشكالياتها ولا يمكن أن نتناسى معاناته على يد السلطات الأوروبية ومشكلته النفسية مع والده . . السافل. الإنتاج الفني لدى كافكا ليست أعمالا مخلوعة عن الإنتاج الاجتماعي للفن ، بل هي إعادة إحياء للإشكاليات والمصاعب اليومية بصورة جماليّة تستدعي التأمل والدراسة ، فكما عبّر عن ذلك قائلا: “ الأحداث اليوميّة في ذاتها أشياء خارقة ومهمتي تقتصر على توصيلها ” ،هذه مسألة حرجة للقراء والكتّاب الذين يعشقون الهروب من الواقع بحجة الفن من أجل الفن أو الكتابة من أجل الكتابة، يرد كافكا عليهم قائلاً: “ إن الأدب هو المسعى الذي يسلك طريقا فوق طاقة البشر. وكل الأدب عبارة عن هجوم على الحدود والحواجز ” وقال أيضا: ” إن الفن هو أن تبهر أنظارنا الحقيقة ، فليس هناك ضوء حقيقي إلا الضوء الساقط على الوجه القبيح المتراجع ، الفن يحوم حول الحقيقة وهو عاقد العزم على أن يحترق بها “. بالرغم من أن نصوص كافكا ليست نصوص مباشرة ، من كان يعتقد بأن ” المحاكمة ” هي رواية نقدية ضد الستالينية؟! هو أدبا وجودياً في الفن ، ويتوغّل في العلاقة المتأزّمة بين الفنان والسلطة ، إلا أن كل ذلك منتج فني غير مباشر ويعبّر عن مختلف الإشكاليات بطريقة جمالية فريدة. وكتب كافكا في اليوميّات أطروحة في انتقاد المجتمع الذي يسيطر عليه رأس المال: ” الرأسمالية نظام لعلاقات التبعيّة التي تتحرّك من الداخل إلى الخارج و من الخارج إلى الداخل ، ومن أعلى إلى أسفل ، ومن أسفل إلى أعلى. فكل شيء هنا يخضع لتدرّج هرمي صارم و يرسف في قيود حديديّة. إن الرأسمالية وضع مادي و معنوي أيضا ” ، و هذا شرح لعلاقة الفرد بالمجتمع المادي و نتاجها المعنوي والنفسي أيضاً.
  • عندما نبحث في الادب ، سنجد نماذج كثيرة لماركسيون عبّروا عن البؤس الاجتماعي بأروع الفنون ، ومنهم الشاعر المناضل سيزار فييخو ، حيث يقول: “ طوبى للبشر البائسين ”. وهذا البيت بداية أحد مقاطع قصيدة عنوانها “ تائه بين نجمين ” يبدأها ببيت من الشعر يقول: “ ثمة بشر بائسون إلى درجة أنه لا جسد لهم ” يبدأ الشاعر بالعديد من مقاطع قصيدته بأبيات هي أقرب إلى اللازمة منها: “ طوبى للإنسان الذي يوجد قمل في فراشه . . الإنسان الذي ينتعل جزمة مثقوبة تحت المطر . . الإنسان الذي لا عيد ميلاد له . . الإنسان الذي فقد ظله وسط النار ” أو “ طوبى للإنسان الذي يعمل كل يوم، كل ليلة، كل ساعة، الإنسان الذي يتعرق من الألم أو العار ” كتبت القصيدة في عشرينات القرن المنصرم، وهي قصيدة تسخر من الانهيار الأخلاقي والاجتماعي في المجتمع الرأسمالي، مصاغة بأسلوب سريالي، وبروح من السخرية الحادة العبقرية. وهناك امثلة عديدة لماركسيين أبدعوا في الإنتاج الفني بعرض مختلف الاعمال الفنية التي لا تخلو من الجمال ، مثل الشاعر الحائز على جائزة نوبل – نيرودا ، الذي كان مؤمناً بالثورة البلشفية طيلة حياته ، وكان لا يكتب إلا بالقلم الأخضر تعبيراً عن الأمل الذي لا ينضب في روحه الثائرة. والموسيقار اللاتيني فيكتور جارا ، و قصائده التي تنتقد البؤس والشقاء البشري في ظل الرأسمالية، ويُعبّر عن ذلك بجمال لا يفنى في إنتاجه الفني المذهل. والشاعر المنتحر مايكوفسكي وقصيدة: ” امر لجيش الفن ” وقصيدة: ” غيمة في سروال ” كلها من روائع الفن العالمي.
  • <br /><br />
<p>” width=”434″ height=”298″ /></li>
</ul>
<ul>
<li style=
  • إن الفن العربي لا يخلو من الإنتاج الفني الثوري، بل هناك صور جماليّة رائعة ، فعلى سبيل المثال، وصف البرغوثي للطفل الفلسطيني وهو يواجه المدرّعات بالحجارة: “ ودار مقلاع الطفل بيده / دورة صوفي مسّه ولعُ ” ، أو في الشعر الشعبي المصري مصطفى إبراهيم، له ديوان بعنوان منفستو ينتقد سيطرة العسكر على الموارد وقيادتهم للثورة المضادة عبر إسقاط رمزي و جمالي رائع – في تصوير روح الإمام الحسين عليه السلام بأنه باقي على قيد الحياة رغم أنوف العساكر. وفي الموسيقى، هناك أيضاً تعبيراً فنيا فريداً ضد القمع والاعتقال التعسفي، عندما غنّت مكادي نحّاس أغنية: ” يا ظلام السجن ” – و الكاتب نجيب الريّس هو الذي كتبها عندما كان في سجون الاستعمار الفرنسي البائس ولكن وجدت القصيدة نفسها عندما غنتها نحّاس بصوتها الشجي والتحوّل الفني من القصيدة إلى الأغنية في هذا الوقت بالذات هو تعبير صارخ عن أزمة الاعتقالات التعسفية تحت رعاية الأنظمة العربية الراهنة التي لا تختلف كثيراً في جوهرها عن أنظمة الاستعمار. ومن أجمل الأغاني التي تحتوي على تعبيراً سياسياً مباشراً هي أغنية المجنون زياد الرحباني: ” شو هالايام ” ، عندما قال: ” كأنّ المصاري قشطت لحالها .. عـ هيدا نتفه وهيدا كتير ” ، يصف فيها الاستبداد الطبقي في المجتمعات الرأسمالية بطريقة فنية مذهلة. أما أغنية “ بلا و لا شي ” الشهيرة – فهي تعبير رومانسي عن الحب والعشق الذي يتناقض تماماً مع النمط السائد ، والحياة المادية التي حوّلت المرأة  والعلاقات الاجتماعية إلى علاقات مادية بحتة – ” بلا ولا شي .. بلا مصاري و لا مجوهرات و لا أراضي و لا عقارات .. بحبّك بلا و لا شي“. أما المصوّر الماركسي ياسر علوان ، فلقد صوّر الفرد الكادح و أبرز طابع التفرّد بصور واقعية وفنية جميلة لطفل مستغلّ في منطقة المحلّة في مصر ، بعكس التصوير الاعتيادي لبعض الثوريين الذين يلغون جماليات التفرّد عبر اختزال التصوير في التقاط وإبراز الحراك الجماهيري – ولو ان الأولى لا تلغي أهمية الثانية، والعكس صحيح.  الرفيق حسام الحملاوي التقط أجمل مشاهد الحراك الجمعي ، ويحمل دلالات القوة النابضة من التفاعل الجماهيري ضد العنف الممنهج ضدها ، فهو لا يُلغي الفردية ، إنما يُبرز ضرورة الوحدة في الحركة ، ويلتقط مشاهد ملغيّة و مشفّرة و يُبرزها كحقائق و يؤرّخ الفعل الناتج عن خبرة الجماهير في النضال وحركتها و طموحاتها نحو التغيير.
  • necspenecmetu:<br /><br />
<p>Giuseppe Cesari (Cavaliere d’Arpino), The Passion of Christ, 17th century<br /><br /><br />
” width=”403″ height=”524″ /></li>
</ul>
<ul>
<li style=
  • إن محاولات الماركسيين لإبراز الفن السياسي المباشر لا تكمن في اختزال الفن في السياسة – بل لكونه مهمشاً ، وكونه أداة مهمة للإلهام و التأثير. فمن المقبول أن تستغل البرجوازية الفن وتهيمن عليه وتسيطر على الإنتاج الفني بكل اشكاله ، أما عندما يتشكّل الاعتراض الثوري في مادة فنية – فهذا يُعتبر غير مقبول وخروج عن النسق وتسييس للفن – وكأنما الفن يُنتج في عالماً ميتافيزيقياً خارج الواقع الراهن. إن هذا المنطق السائد يستوجب النقد الجذري ، فحتى جون مولنيو الذي كان مدركاً أن الفن يستجيب لكل المتطلبات الإنسانية ولا يمكن اختزاله في التعبير السياسي المباشر، كان يرعى معرضاً سنوياً تحت شعار: ” الرؤية اليسارية ” ، و كان مؤمناً وداعماً للفن الثوري – فهو أول الداعمين وأهمهم لياسر علوان ، عبر نشر كتاب يحمل صوره والتكفّل بطباعته في بريطانيا. مفهوم التحرر لدى الماركسيين لا يُختزل في المأكل والمسكن ، بل حرية الاختيار الحقيقية والتي تتناقض مع المعايير البرجوازية المفبركة ، هي حرية أيضا للفنان وللمفكر وللكاتب ، حرية مفقودة في الأسواق الرأسمالية. فعلى سبيل المثال، هنالك العديد من الموسيقيين الذين إذا خرجوا من الموسيقى الشعبية ووصلوا إلى شركات الإنتاج الفني ، يتم تغيير طبيعة إنتاجهم ، ويتم تسييس الموسيقى التي ينتجوها ، كما حدث مع فرقة الروك (Against me )  فتخلّت تماماً عن الإنتاج الراديكالي الأناركي ، وأصبحت كلمات الموسيقى مشوّهه وضعيفة في إنتاجهم الحديث ، مقارنة بماضيها قبل توقيع العقود مع الشركات – من حيث ضعف الطرح و ضعف الأداء الفني. إذن في المجتمع الرأسمالي ، لك مطلق الحرية ، في أن تموت جوعاً وأنت تعزف في الشارع , أو أن تكون فناناً بالمقاييس المطلوبة من قبل السلطة. في المجتمع الرأسمالي أيها الناس: إما أن تستجيب للقيود أو تعود إلى الشارع لتموت جوعاً. بينما التحرر الطبقي ، هو أيضاً تحرر فني و ثٌقافي بالضرورة.
  • إن الإنتاج الفني العربي أيضاً يخضع لهذه النّظم من السيطرة ، حيث يتم عرض العديد من الأعمال الفنيّة الضعيفة ، بحكم أنها مثيرة و مفيدة لتشويه الوعي العام. فعلى سبيل مثال: الأعمال الفنية التاريخية في مسلسلات شهر رمضان ، كلها تدعوا إلى العودة إلى الخلف ، وتقديس رموز تاريخية و تأليهها ، ومحاولات لطمس الحاضر المختلف كلياً عن تلك الحقبة. فالإنسان العربي اليوم ، عندما ينظر إلى الخلف ، يتوقع بأنه سيكون إمبراطورا بعد مشاهدة هذه الأعمال ، ولا يعلم بأن تلك المجتمعات تعجّ بالعبيد والفقراء والمهمشين والمساجين. فيتم تسليط الضوء على القصور ، وعلى الفتوحات ، وعلى أخلاق السلاطين – ولا يتأمل الفرد الحقيقة خلف تلك الدوافع وحقيقة البنية الاجتماعية ونتاج تلك الحقبة من الدمار النفسي والإفقار المادي والقمع السياسي والفكري. عندما ننظر إلى الإنتاج الفني المعاصر للفلم والمسلسل الخليجي ، ننظر إلى تسليط الضوء على الإشكاليات الاجتماعية و كما لو أنها إشكاليات تخرج من العدم ، وليست نتيجة حتمية لمجتمعات تحكمها ظروف تجذّرت فيها هذه الإشكاليات عبر الاستبداد السياسي والاستحواذ الاقتصادي والتمييز ضد المرأة وكل مستويات الهيمنة. فالجريمة لها دوافع ، يُخفيها الفن السائد عبر التشفير المزدوج لحقيقة العلاقات الاجتماعية المتباينة في هذه المجتمعات. إذن هل نُلغي القديم ؟ لا ليس بالضرورة ، أبدا .. لا ندعو لذلك. فلقد كتبت سيناريو صاخب قبل عدة سنوات، و هو عبارة عن تجديد للرواية الإغريقية التي تتحدّث عن القرصان واسكندر المقدوني – تشرح الفارق الكبير بين نتاج النهب لدى القراصنة ، والنهب المنظّم لدى الإمبراطور – فارق كمّي ونوعي ، و لكن الأول شرعي والثاني جريمة ضد القانون. كتبت السيناريو واسقطت المشهد على زمن الخلافة.  لو تأمّلنا ذلك السيناريو لوجدنا العديد من الإسقاطات التي لا علاقة لها بالخلافة ، بل هي تعني اليوم .. تعني الآن .. تعنيننا نحن!
  • يتأوّه أديب مغترب في مجتمعه ، قائلاً: ” أين الشعر؟ أين المسرح؟ أين الفن ؟ أين الموسيقى؟ ” الشعراء يعتاشون من التكسّب عبر المؤسسات الموجودة تحت ادارة الطبقة الحاكمة – أو احيأنا التكسّب المباشر في البلاط ، لأن لا يوجد مهنة للشاعر ، ولا يوجد مهنة للفنان ، ولا يمكن ان نتوقع من الفنان ان يكون فنانا اذا لم يحصل على المتطلبات الاساسية للعيش ، فمنظومة الأفقار المادي هي أيضاً افقار فني للطبقة العاملة التي تُشكّل اغلبية المجتمع اليوم ، ومنظومة الافقار الاقتصادي هي أيضاً منظومة افقار معرفي. اذن أين الفنّانون؟ انهم مخلوعون تماماُ عن الإنتاج الحقيقي والفعلي، وهذا يعود إلى ما شرحه ماركس باسهاب في رأس المال: ” تقسيم العمل “. فالعمل هنا مفكك ومُقسّم ، كي يتم انتاجه بأسرع ايقاع – من دون ان يعرف العامل اي شيء عن نُظم اتخاذ القرارات والادارة للأنتاج. ومع كل هذه العوائق ، نجد بأن الرأسمالي او الادارة التنفيذية تغيب في شركة أو مؤسسة أو حتى جامعة ، بينما العمل لا ينقطع ولا يتوقف ، إلا ان هؤلاء المنتجين لا يملكون ادنى فرصة لانتاج اي شيء أو تقرير أي شيء خارج عن مهامّهم التي اوجدها ربّ العمل. انه لقمع منظّم للقوى الإنسانية المنتجة والمبدعة و إجهاض لكل انماط الابداع الفردي عبر الاستغلال الجمعي وتحويل الإنسان إلى ماكينة. 
  •  ما دام الوضع هكذا : ” أين أنت أيها الديالكتيك ؟! ” اين التناقضات التي تحدّث عنها الماركسيين ؟ بالرغم من ذلك ، إن الإنسان ليس آلة صمّاء بمعنى الكلمة ، ولا هو كائنا خارج التأثيرات الاجتماعية والطبقية. بل هنالك تناقض ، وهنالك حراك ، وهنالك جدل بين نُظم السيطرة وأطيافها المختلفة وبين المضطهدين و المنفيين عن ملكية الإنتاج المادي والفني. و كلمّا احتد الصراع الطبقي ، احتدّ ايضاُ الإنتاج الثوري، لذلك نرى غانم السليطي أبدع في مسرحية أمجاد العرب ، عندما وصف الحالة العربية من قبل الاعداد الكبيرة من البشر التي تتابع قناة الجزيرة ، بينما لا يوجد حرية حقيقية في تلك البلد التي تدّعي الديمقراطية – فوصف حالة شخص تونسي سمع بأن قطر لديها قناة الجزيرة فهي اذن موطن للحرية ، فقال في مطار قطر: ” أريد أن أفتح حزب سياسي” ، فكانت ردة فعل السلطات عنيفة في المسرحية ، بعدها توغّل الفنان في تاريخ الخليج والتحوّل الاجتماعي ما بين الحقبتين – ما قبل النفط وما بعده ، و كيف أن منظومة الإفقار لم تنتهي مع زيادة الثروات الهائلة التي بأمكانها ان تصنع من الفقر لدينا مهزلة علنيّة إلا ان الفقر مستمر و نفوذ العوائل المهينة أيضاً مستمرا عبر الهيمنة على الإنتاج والاحتكار. هناك أعمال كثيرة تم منعها بسبب الرقابة التي لا تسمح الا بأعمال قليلة للعرض ، ولكننا نعرف انه كلما اشتد الصراع ، اهتزّت نُظم الرقابة. ولذلك نجد بأن الفوارق الكبيرة بين الإنتاج العربي والخليجي. ليس مجرد فوارق في الذهنية المجردة للفنان – بل في مكتسبات الحركة الجماهيرية في فرض ارادتها على السلطة ، عبر تاريخ من الاحتجاج والنضال ضد الطبقة الحاكمة. ولذلك لا يحلم الخليجي بمسرحية كمسرحية الزعيم ، بينما تاريخ مصر حافل بالنضال والحراك الميداني والإنتاج الفني. ان هذا الجدل لا يعني بالضرورة جدلاً مباشراً ، بل هنالك نماذج كثيرة لنتائج غير مباشرة ، مثل انهيار منظومة العبودية ، ليست بفضل حدّة الصراع الطبقي محلياً ، انما التأثير العالمي وانتصارات لنضال خارج الأقاليم المحلية ، فالتأثيرات تصل بصور و طرق مختلفة ، مثل تأثير الربيع العربي على الخليج ، و نتاجها هنا ليس مجرد إلهام للحراك الثوري ، بل ايضاُ نتاجا فنياُ و ذعرا طبقيا من قبل الطبقة البرجوازية والطبقة الحاكمة للتنازل بأي وسيلة كي لا تفقد شرعيتها ولا يصلها السيل الجارف.
  •  إن زيادة الثروات الهائلة للبرجوازية السعودية ، وزيادة الفقر في نفس الموطن ، والجدل بين الأولى والتالية أدى أيضاً لإنتاج فني من المقاطع المختلفة عبر اليوتيوب ، عبر فن السخرية ، والافلام القصيرة ، والرسومات على الحيطان (القريفيتي) ، وغيرها من أنماط الإنتاج الفني وإن اختلفت مستويات الجمال ودرجة الإتقان. لكن من الأمثلة الجديرة بالاهتمام: الفلم القصير مونوبولي ، أو لوحات الفنان التشكيلي لـ زمان الجاسم – حيث يُبرز فيها الفن التشكيلي بصور مختلفة تختلط فيها الأبجدية بالرمز وكأنها موسيقى و ليست مجرد لوحات .. والمضمون هنا هو التعبير الصارخ عن وجود شيء آخر ، طائفة أخرى ، هوية أخرى ، بحاجة للخلاص من النظام الطائفي المستبد. لا يرسم الفنان القطيفي زمان الجاسم وحسب ، بل أيضاً يستخدم اللحام ويعمل على مختلف المواد ، ليشكّل فن فريد ومختلف يصل فيه إلى أعلى مراحل الجمال ، و يُبرز فيه الهوية و الاغتراب و الألم الذي يشعره الفرد في هذا العالم. أما الشاعر المعتقل عادل اللباد ، فقد ابدع في قصيدته – قل للطغاة – بطرحاً جريئاً ، يُخلّد فيه الحراك ويساهم بتأجيجه بأسلوب مباشر ، و لا يخلو من الصور الجماليّة الرائعة ، فلقد نشر أيضاً ديوأنا مليء بالصور الساحرة والاوصاف المعبّرة – بعنوان: ” غضب البحر” ، تمتزج فيها العاطفة والطبيعة بالثورة على الطغيان والاستبداد. هنالك نماذج كثيرة ، للفن المغمور ، و الفنانون المقموعون من قبل النظام ، ومن بينهم المصوّر الرائع: حبيب المعاتيق ، الذي مزج بين الشعر و الصورة – واعتقل من قبل السلطات المحليّة. 
  •  قال المسرحي الماركسي بريخت: ” إن الفنان يحتاج إلى وقت أطول من الوقت الذي يقرر فيه الساسة خوض الحروب ، تلك القرارات السريعة بسرعة الضوء ”  و أنا اقول فعلاً ، إن الكتابة الفنية تحتاج إلى وقت آطول بكثير من الوقت الذي احتاجه مقاتل الصحراء المغوار لشنّ  حملة عسكرية مضحكة على حفنة من الحوثيين! والفنان يحتاج إلى وقت أطول بكثير من الوقت الذي يحتاجه درع الجزيرة لعبور جسر البحرين! – و تطوّر الوعي السياسي الثوري ونشوءه عبر الانتصار على النظام الرأسمالي يسبق الوعي الفني ، فالطبقة المنتصرة لن تتكوّن فنونها بشكل تلقائي كما يعتقد ويزعم بعض الاشتراكيين ، بل تحتاج إلى تراكم في الوعي والخبرة الفنية لأنتاج الفن – من قبل طبقة مهمّشة ومسلوخة عن الإنتاج الفني ، وهذا رد تروتسكي على المدرسة المستقبلية بأننا : “ سنحتاج إلى الفن القديم بل وحتى الفن البرجوازي للأستفادة منه في الحقبة الثورية. ”  بمعنى: علاقة الفن بالثورة ليست علاقة ميكانيكية ولحظية ، لأن الإنتاج الفني مختلف عن الإنتاج العلمي – أو الوعي السياسي – و لا يُقيّم الفن طبقياً وحسب ، بل العمل الفني بحاجة إلى تقييم فني ، والادوات الماركسية تؤهّل الناقد لفهم العمل الفني بنظرة شاملة وغير مختزلة ، وبنفس الوقت .. لا يخرج الفن من التحليل الطبقي ، اذ هو منتج من منتجات المجتمع الطبقي. هل هذا تناقض؟  ابداً .. بل هذه دراسة للتناقضات وفهمها ، حيث أن الفنّان احيانا لا تستهويه السياسة ، وبعد تراكم الاكاذيب في كل حملة انتخابية تُخلف بوعودها للجماهير ، يُصبح الخيال المحض هو نتيجة لاغتراب الفنان ، وتصبح الصورة للسياسي هو الدجل والكذب والاستلاب. لكن الاعمال الفنية البعيدة عن الطرح المباشر في السياسة هي ليست أعمال منبوذة ، بل تحتوي احيأنا على معطيات جماليّة بالغة الاهمية ، و من هنا لو عدنا إلى جون مولنيو ، لوجدنا نصوصه التي تتحدّث عن اهمية لوحة عازف الجيتار لبيكاسو ، التي لو لم يرسمها لما استطاع ان يرسم لوحة غرونيكا التي هي عبارة عن تعبير ثوري يعبّر عن أوجاع و الالام الإسبان الذين تعرّضوا للقصف الفاشي في الثلاثينات. احتاج بيكاسو ان يتمكّن من الفن التكعيبي قبل ان يرسم لوحة غرونيكا ، اذن هناك علاقة تراكمية فنية مهمة في الإنتاج ، لا يمكن تدميرها عبر اطروحات ستالينية أو التنظير المستقبلي للمدرسة المستقبلية. ولا يمكن تهميش أي فن لا علاقة له بالسياسة الثورية المباشرة ، بنفس الوقت لا يمكن أن نلغي الفن الثوري المباشر عبر نقد الاختزال. هنالك مدارس خرجت كثورة فنية مباشرة في الطرح السياسي ، ومن أهمها السريالية ، الذين كانوا مجموعة من الفنّانون الثوريون و المعارضون للحرب و الاستغلال – بل أحد رموزها كان ماركسياً.
  • لما الخوف من الفن السياسي المباشر؟ هل بامكاننا ان نُشيد ونتأمل لوحة فنيّة للثوري لينين ، ام أن هذا تشويه للفن؟! بالطبع الموضوع الفني اكثر تعقيدا من ذلك ، حيث لا يجدون النقّاد أي اعتراض في تعليق لوحة فنية لنابليون في فندق فرنسي ، و بامكاننا ان نعلّق لوحة ونتأملها ببهجة للبرجوازي هنري فورد في متحف امريكي ،  قد يكون الامر مثير ومستحسن لدى النقّاد ، أما لينين وتروتسكي فخط احمر ، وهم فعلاً خطاً احمراً جميلاً ولا اعتراض على الموضوع انما الاعتراض على مقاييس الإبداع في العمل وأهمية استخدام الأدوات الفنية باتقان في الإنتاج الفني. لقد رسمت فريدا لوحاتها ببراعة في الفن التشكيلي و اتقنتها وكانت في قمة الجمال في نقد الرأسمالية ، الا انها أيضاً انتجت فناً مختلفاً وطرحت مُختلف المواضيع المعبّرة التي تُعبّر عن الامومة والمرض و الأمل والحياة – فلا يمكن ان نقدّس عملاً فنياً لأن الموضوع يثير اهتمامنا ، بل يجب أيضاً أن نتأمّل الجمال والإبداع الفني في مُختلف الانماط الفنيّة.
  •  إن نزار قبّاني يُمثّل نموذجاً جيداً في الإبداع الفني ، فقصيدة لا غالب الا الحبّ – عنوانها الرومانسي لا يُلغي المضمون الثوري في الأبيات التي تُحرّض على الحب والمقاومة والفكر والنقد ، بلا شك .. إن على كل ماركسي أن يتأمل تلك القصيدة بما فيها من روائع نادرة في المزج بين الحس والعاطفة والنضال والثورة. ولا يقف نزار عند ذلك الحد ، بل يذهب ابعد من ذلك ، في نقد البرجوازية وعلاقتها مع المرأة في قصيدة ” حبلى ” التي تتوغّل في مشاعر امرأة فقيرة ومُعدمة تحمل معها ابنها أمام قصر ، فأمر الرجل باعطائها المال ، فرفضت ذلك – لأن تلك الابوّة المشوّهة لا تنسجم مع نسويّة نزار. وعنما استفسروا منه عن أجمل قصيدة كتبها برأيه اختار قصيدة حبلى. ويصف أيضاً أوصاف حادة ، مثل وصف تجّار النفط في قصيدة ” يا تونس الخضراء ” ، عندما وصفهم: ” ويخزن النفط في خصيتيه وربّك الوهّابُ ” ، وكل ذلك يعبّر عن زفرة الإنسان المضطهد ، في تلك الابيات المليئة بالشاعرية الرومانسية ونبض الثورة الذي لا يمكن تهميشه ولا يمكن اختزاله في روائع الشعر النزاري. إن التغيير الجذري في البنية التحتيّة: (العالم المادي وسُبل العيش) – جعل من الطرح النزاري منهجاً تقدمياً ضد الطبقيّة و القبليّة والانماط الكلاسيكية في الأدب ، فلا نجد مثلاً الصور الكلاسيكية للجمل في التعبير الجنسي مثل التصوير الجاهلي لدى اليشكري ، بل نجد فناً مختلفاً كل الاختلاف ، و انعكاساً واقعياً لمجتمع مختلف. فالجمل ليس موجوداً في الشعر النزاري ، إلا في وصف رجعية الستالينية العربية أو وصف من تركوا اللينينية وعادوا إلى عالم الميتافيزيقيا.
  •  الفن الحقيقي ليس مختزلاً في الفن الثوري ، لكن هنالك العديد من الصور الجماليّة التي تستدعي التأمّل ، ومن الضروري مواجهة النظام الرأسمالي بشتى الوسائل ، فلم نسمع قط بأن ثورة اندلعت بسبب لوحة في الفن التشكيلي أو معزوفة موسيقية ثورية ، إلا أن قصائد محمود درويش و أغاني مارسيل خليفة ألهمت الملايين في الحراك الثوري على المقاومة والنضال ، فالفنّ هنا مكوّن من مكونات عديدة للوعي النقيض للوعي المهيمن. ولا ينتصر الوعي على الوعي في عالم مجرّد تحكمه الأفكار ، بل ان الفن هو من المكونات الفوقية في الفلسفة الماركسية ، والقاعدة هي ليست الاقتصاد المحض ، بل الحياة المادية – الرأسمالية بكل مكوناتها. و لقد تعلّمنا من كارل ماركس ، بأن نواجه الواقع بحس واعي ونقيض لأي حالة من حالات السّكر النخبوي ، لذلك من الضروري أن ننشر الوعي ، وننضال بشتى الوسائل ، ونتأمّل الجمال ، وننتج فنّاً يُلهم الكادحين ويتوغّل في أعماقهم و ينتقد تلك الظروف البائسة من الاستغلال والاغتراب البشري – إلا أن ذلك لن يُغنينا عن ضرورة العمل الميداني والحراك الفعلي عبر الاحتجاج على السلطة ورأس المال – في مراكز العمل و في الشارع ضد آلة القمع التي تسيطر عليها الطبقة الحاكمة كي تُهيمن على البنية الطبقية للمجتمع. 
  • cafeparaacordarosmortos:<br /><br />
<p>October 9th, 2011<br /><br /><br />
If alive, John Lennon would turn 71 years of age today. Exactly 44 years ago, Che Guevara was murdered by the CIA and the Bolivian Army.<br /><br /><br />
” width=”441″ height=”268″ /></li>
<li style=
  • كانت نصيحة تروتسكي للأدباء في كوادر الحزب البلشفي: ” اكتب كل ما يجول في خاطرك ، و كل ما يدور في رأسك ” ، وانتقد لينين الرقابة على الإنتاج الفني ، بل كان دائماً داعماً للتعبير الحر في مجتمع حر من قيود الرجعية واغلال رأس المال. فالصورة النمطية التي اختلقتها الرأسمالية عن الشيوعيّة ، هي صورة مفبركة ، ولا صحة لها ، بل تنطبق على الانظمة الستالينية – التي وصفها توني كليف بـ ” رأسمالية الدولة ” ، وقال تروتسكي: ” ما بين الاشتراكية والستالينية نهر من الدم ” – فهو ليس خللاً تطبيقياً وحسب ، بل اختلافاً منهجياً ، بين مجتمع يحكمه عصابة دمّرت التنظيم الذاتي للطبقة الكادحة ، وانتهت على يدها كل اللجان العماليّة تحت سلطة الحزب القمعي ، وكرّست الطبقيّة لتنافس الامبريالية الغربية. لذلك قال توني كليف : ” الاتحاد السوفيتي تحت حكم ستالين .. لم يكن اتحاداً ولم يكن سوفيتياً ” ، في ظل ذلك النظام ، ازدهرت أسوأ أنماط الفنون  التي تصوّر التزييف الستاليني عبر فنون تحوّل الفقراء المستغلّين إلى أبطال نموذجيين. الاختلاف الجذري بين الماركسية والستالينية – ليست قضة فكرية او اختلافاً ايدلوجياً ، بل هو اختلاف مادي في بنية النظام وعلاقة الحزب بالطبقة والهيكل الاجتماعي – فمن يبحث أكثر عن هذا الموضوع ، سيدرك بأن الصورة الجماليّة التي طرحها تروتسكي لها ابعاد اخرى: ” نهر من الدم ” ، و ليست مجرد اختلافات في الفكر. ماركس كان ينادي بمجتمع يُدير الدولة ، وليس دولة فوق المجتمع – كما هي الستالينية. كان لينين ينادي بمجتمع خال من الطبقيّة ، و متحرر ثقافياً ، وليس مجتمع خاضع لسلطة الطبقة الحاكمة التي مارست أبشع انماط الوحشية ضد العمال والفنانون. عندما اندلعت الثورة البلشفية ، ألقى لينبكخت محاضرة عن الدراما الاغريقية ، والمسرحيات الشيكسبيرية – كان عدد الحضور عشرات الالاف ، إلى درجة أن لا قاعة تستطيع ان تحتويهم ، فكان مكان المحاضرة في الميدان الثوري. وتلك الحقبة كانت حقبة ثورية ، بعد انهيار القيصر ، وقيادة البلاشفة للمجتمع الجديد ، فكان تروتسكي ولينين في اللجنة المركزية ، وكانت الفنون مزدهرة إلى حدٍ كبير ، بعكس ما يشاع من خرافات ضد البلشفية. نحن هنا ندافع بصلابة عن موقفنا ، لأنها ضرورة ، فما حاجتنا للثورة اذا كنا سنخلق انماطاً جديدة من الاستبداد؟ وما فائدة الثورة للجماهير إذا كانت لن تُلغي الطبقية ومنظومة الاستغلال؟ – و هذا تسائل مهم ، فنحن نسعى لمجتمع حر ، يكون فيه الفنان حراً ، وليس خاضع لمعدن أو شكل مختلف من القيود ، فلا تختلف قيود الحديد عن قيود النحاس ما دام المفكر مقيداً ، فلن يًنتج بحرية و لن يُبدع بحرية. 
  • لا وجود لفن حر خارج السياق الطبقي ، ولا ضير من التعبير المباشر عن ذلك والاعتراض المباشر على الطبقيّة برغم القيود الصارمة التي تتحكّم بالإنتاج الفني عالمياً ، فتحرر الفن لن يحدث بدون تحرر المجتمع ، والتعبير الفني المباشر هو مسألة ضرورية على شرط: اتقان العمل الفني بمعاييره ، واستخدام شتى الوسائل للتحايل على الرقابة الصارمة في العالم العربي. « إن الفن الضعيف ليس فناً ، ولا يخدم الجماهير » كما قال تروتسكي ، فلن تُدهشنا قصيدة ثورية مكسورة الوزن ، أو مسرحية ثورية مُفككة ولغتها ضعيفة ، بل الجودة الفنية أمر في غاية الاهمية ، والتعبير الصارخ ضد الظلم هو أمر مفيد و يُثري عالم الفن ولا يُلغيه ، ولا يُضعف الإنتاج الفني الشامل الذي يعكس متطلبّات وآمال و الالام الإنسانية بمختلف أشكالها.
  • أخيرا، لم يعد لدي ما أقوله ، لهذا ، أترككم مع رسالة ماركس لزوجته: يا حبيبة قلبي . . ها أنا اكتب إليكِ ثانية لأنني وحيد ولأنني يخجلني أن أحاوركِ دائماً في الخيال دون أن تعرفي أو تسمعي شيئا مما أحاوركِ لأجله ، ولا تستطيعين الرد عليّ. إنني أراكِ أمامي . .  أحملكِ بيدي وأقبلكِ من الرأس حتى القدمين، وأركع أمامكِ وأتنهد. مدام . . إنني أحبكِ. إنني في الحقيقة أحبكِ أكثر من حب مغربي البندقية. – (يقصد عطيل) – إن الشخص الخبيث والفاسد يعتبر كل الصفات خبيثة وفاسدة. أحد مشوهي سمعتي وأعدائي ذوي لسان الثعابين قد اتهمني مرة أنني مؤهل لان أؤدي دور العاشق الأول في مسرح من الدرجة الثانية! ولكن هذا هو الواقع، ولو كان عند الأوغاد ذرة من النكتة لرسموا ” علاقات الإنتاج والتبادل ” في جانب ، وفي الجانب الآخر رسموني وأنا عند قدميكِ ، وكتبوا في قصاصة: انظروا إلى هذه الصورة ، ثم إلى الصورة الأخرى، غير أنهم أوغاد أغبياء، وسيظلون أغبياء إلى أبد الآبدين. الفراق الآني جيد للتمييز بين الأشياء التي تتشابه أثناء الحضور، حتى الأبراج تبدو قميئة عن قرب، بينما الزهيد واليومي يأخذ بالتنامي لدى مراقبته عن كثب. وهكذا الأمر مع العواطف. فالعواطف الكبيرة التي تأخذ عند قربها شكل عادات صغيرة تنمو وتأخذ حجمها الطبيعي ثانية بتأثير سحر الفراق، وهكذا هو حال حبي . . يكفي أن تبتعدي فقط في المكان فأعلم أن الزمن قد خدمه مثلما تخدم الشمس والمطر النبات، أي للنمو. إن حبي إليكِ يبدو ، حالما تبتعدين ، على حقيقته: عملاقا تركزت فيه كل طاقات فكري ، وكل خواص قلبي ، وإني لأحس ثانية بأنني رجل، لأنني أحس بالعواطف الكبيرة. ستبتسمين يا قلبي الحلو  وتتساءلين من أين لي فجأة كل هذه الفصاحة؟ ولكني لو استطعت ان أضم قلبكِ الناصع الحلو إلى قلبي لصمت وما تفوهت بكلمة. ولما كنت لا أستطيع أن أقبلكِ , وجب عليّ الكلام. في الواقع يوجد عدد كبير من بنات الهوى في الدنيا والبعض منهن جميلات، ولكن أين ألقى وجها حيث كل قسمة، وكل طيه فيه تبعث فيّ أحلى وأروع ذكريات حياتي؟ حتى أوجاعي التي لا حد لها وخسارتي التي لا تعوض اقرأها في محياك الحلو وأبعد الألم عني بالقبل عندما أقبل وجهك الحلو. وداعاَ يا قلبي. ألف قبلة لكِ وللأطفال.
  • إما نموت  . . أو ننتصر . . لا مفر.

 

Written by حليمْ

20 يونيو 2014 at 11:41 ص

- فائض

with 2 comments


  1. يقول ” بيار هاسنير ” : علينا أن نميز بين الدول الشمولية والحركات الشمولية والانفعالات الشمولية.
  2. أن تعيش في دولة شمولية, في مجتمع شمولي, تتحرك بشمولية, وتنفعل بشمولية. لا أفهم: لأجل ماذا توجد الشمولية؟
  3. الشاعر الفرنسي, ماري جوزيف دوشينيه ( 1811 – 1764 ) , عندما أسره الفانديون أمروه بأن يهتف ” عاش الملك ” فهتف: عاشت الجمهورية , فقتلوه, وأصبح بطلاً من أبطال الشعب.
  4. تخيل معي ……….. . . . . . . تخيلت؟ إنها البداية فقط!
  5. يطرح ” ريجيس ديبراي ” سؤالاً مهماً : ” ما الشيء الذي يستطيع تحويل جمعاً من الأنانيات إلى ( نحن ) فريدة ؟
  6. أساساً: كيف يمكن لنا أن نكون جمعاً, وما الذي يسمح لشخصية معنوية مستقلة أن تندثر مع الأشخاص؟
  7. أذكر أنني كنت فرداً . .
  8. أساساً: ما الغاية من الفردانية؟ وعلى ماذا يقوم التركيب النفسي للفرد؟
  9. إلغاء الأخلاقيات القمعية . .
  10. قبول الرفض, رفض القبول . .
  11. أعتقد أن النزهة الممتدة بين المعنى والوجود . . . . . . .
  12. يقول ميريجكوفسكي: عند بوشكين تطمحُ الحياةُ إلى الشعر، والفعلُ إلى التأمل، وعند ليرمونتوف يطمحُ الشعرُ إلى الحياة، والتأمل إلى الفعل.
  13. هل يحق لنا أن نسأل عن الشكل إذا تمكنا من معرفة المضمون؟
  14. يرى فيورباخ أن الحب هو جوهر الحياة الإنسانية وهدفها.
  15. هل يحق لنا أن نطالب جميع البشر بالتحضر الشامل؟ هل نحن الفئة التي لا تزال خارج إطار التحضر؟ هل الأذى الواقع علينا هو السبب؟
  16.  يرى ” لوك فوري ” , أستاذ الفلسفة في جامعة باريس, أن السؤال المطروح بحدة في نهايات القرن الـ 20 ومطلع القرن الـ 21 هو: هل بإمكاننا أن نظل مؤمنين بفكرة الرقي؟
  17.  أحط أفعال الإنسان بالنسبة لهيغل, أرقى من أعقد دورات الأجرام.
  18.  كان هيغل, في أيام شبابه, يقول أن من شأن الروح أن تكون أرقى من الطبيعة. لقد كان يعتقد أن الطبيعة ليست إلا الفكرة خارجة عن ذاتها لا الفكرة من أجل ذاتها, ويقول انها – يقصد الطبيعة – مجال سقوط الفكرة, بل إنها جثة الفكرة ومقبرة الروح. أن الكون الذي تحكمه الطبيعة إنما هو مملكة الموت ونعش الإله.
  19. يقصد, على سبيل المثال: فكرة الوردة بعيداً عن الوردة ذاتها.
  20. من هي الوردة لو لم تكن وردة؟ وهل من الممكن أن تسبق فكرة الشيء, الشيء نفسه؟ هل لديك فكرة عن هذه الفكرة؟
  21. ( لكن الزمن مفتوح , ليس كجرحٍ أبدي, بل كوردةٍ تتأرجحُ باشتهاءاتِ الخاسرين )
  22. الماركيز دو ساد, أحد أدباء فرنسا الملاقيف, دعا بكل بساطة إلى التخلص من الطبيعة وتحطيم ” هذه العجوز الشمطاء ” كما كان يسميها.
  23. لم أقابل إلى الآن شخص يكره الطبيعة. كما أنني لا أعرف شخص يحبها. أغلبهم يقولون:” صلالة؟ أوووه, طبيعتها فتاكة! ” وفي اليوم التالي تجدهم في مدينة دبي النذلة. يتسكعون بخمول, ويصرفون أموالهم بطريقة مصطنعة. لا أريد أن أقضي حياتي في تفسير مثل هذه الظواهر.
  24.  ” الشيء الوحيد الذي جاءت به الفلسفة هو فكرة بسيطة تقول أن العقل يحكم العالم, وبناء عليه, فإن التاريخ البشري عقلاني تماماً ” هذا ما قاله هيغل.
  25.  ميشيل فوكو: العقل الذي خلق الحريات هو الذي خلق السلاسل والأغلال أيضاً.
  26.  لماذا هذا التناقض؟
  27.  .. ويعتقد لوك فوري أن السؤال عن التناقض بين عقولنا ووحشيتنا سؤال مشروع نسبة للكوارث التي شهدها القرن العشرين ( الحرب العالمية 1 – 2 ) والتي هشمت واحدة بعد الأخرى كل نظريات التفاؤل بالتقدم والرقي التي قامت عليها فلسفة الأنوار في القرن الثامن عشر. ويرى أيضاً, أن المهمة الأساسية للفلسفة السياسية الراهنة هي البحث في أسباب سقوط الأوهام والأحلام المتعلقة بالرقي والتقدم.
  28. غريزة الموت؟ تستحق الصفع.
  29.  الناس يبحثون في المتاجر عن سبب للحياة. ففي مثل هذه المجتمعات المقهورة, المتجر هو المكوث بعيداً عن الموت.
  30.   يقال أن همنغواي كان يكره شراء الملابس الجديد, ويرفض تماماً ارتداء ملابسه الداخلية.
  31.   راؤول فانيجيم يؤكد في كتابه ” تأملات حول حرية التعبير ” على عدم وجود أي استعمال قبيح أو مضر لحرية التعبير وإنما استعمال غير كاف فقط.
  32.   أيّها العذاب: هل أنت جاهز؟
  33.  في الأخير, من وقت إلى آخر, حاولوا أن تتحرروا. لا تدعوا لهم الحياة هكذا.

Written by حليمْ

24 أغسطس 2013 at 8:04 م

- بعد مئة عام من العزلة.

leave a comment »


مئة عام من العزلة القاسية المتعمَّدة بدت كافية لحجب مذكرات الكاتب الأميركي الكبير، مارك تواين، عن العالم. كان ذلك بقرار شخصي منه أوصى فيه بألا تُنشر سيرته الذاتية إلا بعد قرن كامل من وفاته. وهكذا كان. وتنفيذًا لهذه الرغبة التي قبعت في الأدراج عقودًا عشرة من دون أن تفقد شيئًا من توهجها، آلت “مطبوعات جامعة كاليفورنيا” في الولايات المتحدة على نفسها أن تخرج هذه المذكرات من الظلال القاتمة إلى الضوء الساطع في شهر تشرين الثاني/نوفمبر المقبل. وتشتمل على أجزاء ثلاثة تصدر تباعًا في تواريخ متباعدة. وكانت مقتطفات متفرقة من هذه السيرة الذاتية قد أفرج عنها في الأعوام 1924، 1940 و1959. وما زاد في الطين بلة، أنها أبصرت النور على نحو يسيء إلى هذا الروائي الكبير، إذ اقتطع منها ما اعتبر في تلك الأثناء أنه لا يليق بسمعة الولايات المتحدة. من بين ما تجرأ مقص “الرقيب” على حذفه موقف مارك تواين مما يسميه الامبريالية الأميركية الجائرة وتدخلها العسكري المروِّع في كوبا والفيليبين، والسجل المشبوه للجنرال الأميركي ليونارد وود الذي عُيِّن حاكمًا عامًا على هافانا أثناء حياة الكاتب، ولحسن حظ المذكرات، فقد ازدادت غموضًا بنشر هذه المقتطفات التي لم تنتقص شيئًا من قيمتها الفعلية.

بدا مارك تواين (توفي في العام 1910) في مذكراته الشخصية ناقدًا موضوعيًا، إذا جاز التعبير، قادرًا بسهولة على التملص من بوتقة الذات الضيقة إلى محيطها الأوسع. غالبًا ما كان يتحرك، في سيرته الذاتية، في نطاق هذه المعادلة من دون حرج. بدت نزعته الإنسانية جزءًا لا يتجزأ من الكيفية التي كان يدير من خلالها الأحداث التي كوَّنت سيرته الذاتية. وقد حدت به هذه النزعة المتحررة من التقاليد السياسية الراسخة والمعتقدات المتوارثة والمسبقة على وصم الجنود الأميركيين، على سبيل المثال، بـ”القتلة الذين يتسترون ببزاتهم العسكرية”. وقد حملته جرأته واستقامته السياسية والأخلاقية والفكرية على وصف إبادة “ستمئة من الهمجيين العزل والضعفاء” على أيدي العسكر الأميركي، بـ”الرحلة الطويلة والمرحة التي لا يقدم فيها هؤلاء الأخيرون على فعل أي شيء أبدًا ما عدا الاسترخاء والاستدفاء بالنار وتسطير الرسائل إلى الأهل والأقارب وتكديس نصر فوق الآخر”. وفي السياق عينه، اعتبر أن الطغمة المالية التي تحكم سيطرتها على بورصة وول ستريت في نيويورك، قد دمرت الطيبة المتأصلة في الأميركيين، وأحلت مكانها الجشع والأنانية. ما أشبه اليوم بالأمس. بدا تواين في سيرته الذاتية روائيًا كذلك، بالدرجة الأولى، ومعنيًا، على نحو لا يقبل الشك، بكل من الشخصيات التي أثارها في مذكراته وكأنه يتحدث عن نفسه. لا يفرط بأي منها أبدًا. يعطيها حقها في التعبير عن أحوالها وظروفها وقلقها وهواجسها. والأرجح أن كلاً من الوجوه التي يستدرجها هو مارك تواين الآخر الذي يسعى إلى تحريرها من اختناقاتها الثقيلة، بالرؤيا والكلمات والأدوار التي يخترعها لها.

ومع ذلك، يصعب تجنُّب اغراءات السؤال عن الأسباب التي حملت الروائي الكبير على أن يشترط في وصيته تأجيل نشر مذكراته قرنًا من الزمن بالتمام والكمال. لا إجابة محتملة أو قاطعة عن هذا السؤال الغامض. قد يرى البعض أن في هذا الأمر ضربًا من الذكاء الخارق، بحيث أن مماطلة طويلة الأمد كهذه من شأنها أن تطيل عمره ردحًا إضافيًا من عمر الزمن. أو أن من شأنها أن تضعه من جديد رقمًا صعبًا في معادلة الكتابة المعاصرة والحديثة. توقعات فقط لا طائل منها، كما لا طائل أبدًا من هذا التساؤل الذي يبدو مبتذلاً أو سخيفًا أو عقيمًا إذا ما أريد الاستدلال به على شخصية مارك تواين. المهم، على الأغلب، أنه كان له ما أراد. نفذت وصيته بالحرف الواحد. وها هو يقوم من جديد، ليس من تحت الأنقاض، بل من قلب الحياة، بعمل ضخم قد يتجاوز سائر مؤلفاته أهمية وقدرة على الصمود الطويل.

الآتي تعريب لمقتطفات متنوعة من السيرة الذاتية…

ج. ت

*

حلقة 1

العام 1866

الأول من تشرين الأول/اكتوبر 1898. في تلك الأيام المبكرة، سبق لي ونشرت شيئًا صغيرًا (الضفدع الواثب 1866) في جريدة شرقية، غير أني لم أعتبر أن هذا أمر يُعتد به. في رأيي، إن شخصًا ينشر كتاباته في صحيفة فقط، لن يكون بمقدوره أن ينتزع اعترافًا بكونه كاتبًا أدبيًا. ينبغي له أن يتجاوز ذلك بأن يظهر في مجلة. عندئذ قد يصبح شخصًا أدبيًا. وقد يصبح أيضًا مشهورًا فورًا. كان هذان الطموحان يرخيان بثقلهما عليَّ. كان ذلك في العام 1866. أعددت مساهمتي، ثم نظرت من حولي إلى أفضل مجلة تتيح لي تسلق سلم المجد. وقع اختياري على “هاربر” وهي مجلة شهرية. قُبلت مساهمتي. وذيلتها بتوقيع (مارك تواين)، نظرًا إلى أن هذا الاسم يلقى رواجًا ملحوظًا في الساحل الباسيفيكي. إضافة إلى أن هذه كانت فكرتي لأحقق انتشارًا على مستوى العالم، الآن، بقفزة واحدة، ظهر المقال في عدد كانون الأول/ديسمبر، وقبعت انتظر شهرًا مترقبًا عدد كانون الثاني/يناير، بسبب أن هذه النسخة ستشتمل على القائمة السنوية بأسماء المساهمين، ومن بينهم اسمي، وسأصبح مشهورًا وأحظى بما كنت أتطلع إليه.

لم يحصل ذلك. ذلك أنني لم أكتب اسم (مارك تواين) بوضوح. بدا اسمًا حديثًا بالنسبة إلى ناشري مجلة “هاربر”، وقد استبدلوه باسم آخر هو (مايك سواين، أو ماك سواين)، لم أعد أتذكر أيهما. وفي أي حال، لم أنل الشهرة التي كنت أتوقعها. كنت شخصًا أدبيًا، ولكن لا يعدو كونه مدفونًا، دُفن حيًا.

كانت مقالتي تتناول الحريق الذي طاول السفينة الشراعية (هورنت) وهي تبحر في خطها المعتاد في الثالث من أيار/مايو 1866. كان على متنها، في تلك الحادثة، واحد وثلاثون رجلاً، كنت في هونولولو عندما وصل الناجون الخمسة عشر وقد بدا عليهم وكأنهم أشباح بعد رحلة استغرت ثلاثة وأربعين يومًا في مركب مكشوف وهم يكابدون لهب المناخ الاستوائي وليس في حوزتهم من المؤن إلا ما يكفي عشرة أيام. رحلة استثنائية للغاية، قادها قبطان بدا رجلاً استثنائيًا أيضًا، وإلا لما كان هناك ناجون.

كنت في الجزر بغية كتابة رسائل إلى الطبعة الأسبوعية لصحيفة “يونيون” الصادرة في مدينة سكرامنتو، لم تكن هذه الجريدة تحتاج إلى أي من رسائلي على الإطلاق، ومع ذلك كان بمقدورها أن تنفق عشرين دولارًا في الأسبوع من دون مقابل. كان مالكو الصحيفة أشخاصًا محببين ومحبوبين، توفوا منذ زمن طويل. ولا يزال شخص واحد من بينهم، على الأقل، يشدُّهم إليَّ على نحو من الذكرى المشوبة بالعرفان بالجميل. ذلك أنني أردت بشغف أن أزور الجزر، وقد أصغوا إليَّ، ومنحوني تلك الفرصة في وقت كان ثمة احتمال ضئيل بإمكان الإفادة مني بحال من الأحوال.

مضى على وجودي في الجزر أشهر عدة عندما وصل الناجون. كنت في تلك الأثناء مستلقيًا في غرفتي عاجزًا عن المشي. وقد لاحت مناسبة عظيمة لأقدم خدمة لصحيفتي في وقت لم أكن قادرًا على اغتنامها. تملكني إحساس بالقلق العميق. ولكن لحسن الحظ كان سعادة انسون بيرلينغايم هناك في تلك الأثناء، وهو في طريقه ليتسلم منصبه في الصين حيث تمكن من إنجاز خدمات هامة للولايات المتحدة. جاء ووضعني على نقالة وتدبَّر أمر وصولي إلى المستشفى حيث كان الناجون يتلقون العلاج، ولم أكن أحتاج إلى أن أسأل سؤالاً واحدًا. قام بنفسه بكل ما يلزم على هذا الصعيد، بينما لم يتوجب عليَّ إلا أن أدوِّن الملاحظات. كان من أولئك الناس الذين يتلقون بصدورهم الأزمات، كان رجلاً عظيمًا وأميركيًا عظيمًا. كان في طبيعته الطيبة أن يخرج من إطار منصبه الرفيع وأن يبدي هذه الالتفاتة الودودة كلما أمكن له ذلك.

عندما عدت إلى كاليفورنيا بعد ذلك بوقت قصير، قصدت الصحيفة في سكرامنتو وقدمت كشفًا بالحساب حول الخدمات الخاصة المتعلقة بالسفينة (هورنت)، المتمثلة بكتابة ثلاثة أعمدة تتضمن مادة حقيقية لا نظير لها لقاء مئة دولار للعمود الواحد. لم ينخطف لون أمين الصندوق. بعث في طلب أصحاب الجريدة الذين حضروا ولم يعبِّروا عن اعتراضهم. ضحكوا فقط بأسلوبهم المحبب وقالوا إن في الأمر سرقة، ولكن لا بأس في ذلك، كان سبقًا صحافيًا كبيرًا (لست أدري ما إذا كان المقصود بذلك مقالتي أو الفاتورة التي قدمتها)، حسنًا، ادفعوا له مستحقاته. كانوا من أفضل الرجال الذين تملكوا صحيفة.

جزر ساندويتش

وصل الناجون من السفينة “هورنت” إلى جزر ساندويتش في الخامس عشر من حزيران/يونيو. بدوا، للنحول الذي أصابهم، هياكل عظمية. كانت ثيابهم تتدلى من حولهم كما يتدلى العلم من على ساريته في السكينة. ومع ذلك، فقد تلقوا عناية جيدة في المستشفى. وواظب أهالي هونولولو على تزويدهم بما لذ وطاب مما يحتاجون إليه. واستعادوا عافيتهم بسرعة وكأن شيئًا لم يحصل لهم. وخلال أسبوعين استقل معظمهم السفينة نحو سان فرنسيسكو. غادرت في السفينة عينها، وهي مركب شراعي. كان في عداد الركاب قبطان السفينة “هورنت”، ميتشل، إضافة إلى سيدين شابين من ستامفورد كونكتيكت، هما: الأخوان صاموئيل فيرغسون في الثامنة والعشرين من العمر، متخرج من كلية “ترينيتي” في مدينة هارتفورد، وهنري فيرغسون في الثامنة عشرة، تلميذ في الكلية نفسها، وقد أصبح اليوم أستاذًا فيها، وهو الموقع الذي شغله سنوات عدة. وقد بلغ هذا العام، 1898، الخمسين من عمره. كانت “هورنت” سفينة شراعية سريعة من الطراز الأول. بدت غرفتا الشابين في السفينة وسيعتين ومكدستين بالكتب، وأيضًا بمعلبات اللحم والفاكهة لمساعدة المسافرين. وعندما غادرت السفينة مرفأ نيويورك في الأسبوع الأول من كانون الثاني/يناير، كان ثمة وعد بأن تبذل مجهودًا سريعًا ومرضيًا للمسافرين طوال الأربعة عشر أو الخمسة عشر ألف ميل التي ستجتازها. وما إن خرجت السفينة من المناطق الباردة ودخلت في مجال المناخ الصيفي، حتى تحولت الرحلة نزهة لتمضية العطلة. أبحرت السفينة في اتجاه الجنوب تحت سحابة من الأشرعة التي لا تسترعي الانتباه. ولم يطرأ أي تغيير من أي نوع كان خلال الأيام اللاحقة. كان الشابان يمضيان الوقت بالقراءة، يتجولان على ظهر المركب، يسترخيان ويتكاسلان في ظلال الأشرعة، ويتناولان طعامهما مع القبطان. وعندما ينقضي النهار يلعبان الورق معه حتى حلول وقت النوم، وبعدما تبددت عواصف الثلج والجليد، امخرت السفينة شمالاً نحو مناخ صيفي من جديد، وتحولت الرحلة نزهة مرة أخرى.

حتى الصباح الباكر من الثالث من أيار/مايو، لم يكن ثمة أثر للريح، والبحر هادئ وكأن لا بحر، والسكينة سائدة كصمت الموت، وحرارة الجو استوائية مشتعلة، لا يمكن لأحد أن يتصورها ممن لم يكتو بنارها. كان هناك صرخة للحريق. وحدث أن أحد القباطنة المشكوك في نزاهتهم تمرد على الأنظمة ودخل، بنار مكشوفة، حجرة في أسفل السفينة ليأخذ قليلاً من الفرنيش من برميل خشبي، أسفر ذلك عن النتيجة المتوخاة وأصبحت ساعات السفينة معدودة.

لم يكن ثمة وقت كثير لإضاعته، ولكن القبطان استثمر الجزء الأكبر منه. فقد جُهزت القوارب الثلاثة التي كانت على متن السفينة، أحدهما ذو شكل طويل والآخران أقصر طولاً. كان الوقت يمضي بسرعة. وكان هرج ومرج ناتجان عن ثقب طرأ على أحد القوارب بسبب اصطدام على الأرجح أثناء انزالها إلى الماء، إضافة إلى أن مجذافًا قد اخترق جانبًا من قارب آخر. كان من أولويات القبطان إحضار أربعة بحارة مرضى ووضعهم على ظهر السفينة بعيدًا عن أي خطر محدق، من بينهم بحار برتغالي. انتشر الحريق في السفينة بسرعة قياسية. كانت ألسنة اللهب والدخان تدفعان الرجال إلى الخلف، بينما كانوا منشغلين في الإحجام عن نقل المؤن إلى القوارب والاكتفاء بدلاً من ذلك بما يكفي لعشرة أيام فقط.

كان كل قارب مزوَّدًا ببوصلة، وربعية (أداة تستخدم في الملاحة) وروزنامة للملاحة، واحتوى قارب القبطان على أداة لقياس الزمن. كان على متن السفينة واحد وثلاثون رجلاً. وقد أعد القبطان جردة بالمحتويات على النحو الآتي:

أربع قطع من لحم الفخذ، 15 كيلو من الملح، نصف صندوق من الزبيب، 50 كيلو من الخبز، 12 كيلو من معلبات الصدف، بطلينوس، أصناف متعددة من اللحوم، برميل يحتوي على كيلوين اثنين من الزبدة، 12 غالونًا من الماء، علب كبريت، غلايين، خمسون كيلو من التبغ، لا أدوية بين هذه المحتويات.

ابتعدت القوارب الثلاثة ثم استقرت على مسافة قريبة وتوقفت. كان ثمة رجلان ينزفان بغزارة. بعض الرجال كان منشغلاً بإفراغ القوارب من الماء، وبعضهم الآخر كان منهمكًا بسد الثقوب بالقدر المستطاع. استقل القبطان والراكبان الجريحان وأحد عشر آخرون القارب الطويل وفي حوزتهم بعض المؤن والماء وصعد على أحد القاربين الأصغر مساعد القبطان وثمانية رجال، واستقل سبعة آخرون القارب الآخر. لم يتمكن المسافرون من الحصول على شيء من ثيابهم باستثناء ما كانوا يرتدونه. بدت السفينة وهي مجللة باللهب يتصاعد منها عمود ضخم من الدخان الأسود، وكأنها صورة مهيبة في عزلة البحر. وساعة بعد ساعة جلس الركاب كالمنبوذين يرقبون السفينة من بعيد. في هذه الأثناء كان القبطان يحسب المسافة الممتدة بينه وبين أقرب أرض متوافرة، ثم راح يقسِّم المؤن لمواجهة حالات الطوارئ: نصف قطعة من البسكويت للفطور، قطعة من البسكويت وبعض اللحم المعلب للعشاء، نصف قطعة من البسكويت مع الشاي، جرعات قليلة من الماء مع كل وجبة. وهكذا راح الجوع يعض والسفينة لا تزال تحترق. في الرابع من أيار/مايو، كانت السفينة تحترق طوال الليل تحت بريق ألسنة اللهب. وكانت الآمال معلقة على أن تلحظ سفن أخرى الضوء المنبعث من الحريق فتهب للنجدة. لم يحدث شيء من هذا القبيل قبل ظهر هذا اليوم، وهكذا عقدنا العزم على أن نتوجه معًا إلى بعض الجزر الواقعة شمالاً وقليلاً إلى الغرب، مؤملين، في هذه الأثناء أن تنقذنا سفن مارة من هناك. في الخامسة صباحًا غرقت السفينة فجأة. كانت الشمس ترسل لهيبها، وقد حاول الجميع أن يتحاشاها قدر الإمكان.

*

حلقة 2

في أوروبا

عندما أصبحت مفلسًا نتيجة لجهل تشارلز ل. وبستر وسوء إدارته، في أعقاب سرقة تقدَّر قيمتها بمئة وسبعين ألف دولار قام بها جايمس و. بايج، خلال السنوات السبع الماضية، ذهبنا إلى أوروبا من أجل أن نتمكن من العيش بما تبقى من دخولنا وكان ضئيلاً بما فيه الكفاية. وخلال السنوات العشر أو الاثنتي عشرة اللاحقة، لم يكن المدخول ليتجاوز في الغالب اثني عشر ألف دولار في السنة. وأظن أنه لم يصل في أي وقت من الأوقات إلى عشرين ألف دولار في السنة. وأنا على ثقة بأنه لم يتجاوز عتبة اثني عشر ألف دولار إلا قبل سنتين من عودتنا من أوروبا، في تشرين الأول/اكتوبر من العام 1900.

ولكنه تحسَّن بعد ذلك بشكل ملحوظ، ولكن كان الأوان قد فات ليتحول هذا التحسن أمرًا ذا فائدة كبيرة للسيدة كليمنز. فقد اعتادت أن تتكبد الظروف الاقتصادية لتلك السنوات المتمادية من دون أن تتفوه بكلمة. والآن عندما أصبحت الثروة في متناول أيدينا كان الوقت قد تأخر. ابتليتْ بداء سقيم وتوفيت بعد اثنين وعشرين شهرًا من المعاناة، في فلورنسا ايطاليا في الخامس من حزيران/يونيو من العام 1904. كما ذكرت آنفًا، كانت عائلة كليمنز مفلسة. جاء اوريون لإنقاذها.

ولكنني على خطأ. لم يحضر اوريون إلى هانيبال إلا بعد سنتين أو ثلاث من وفاة والدي. ظل يمكث في سانيت لويس. في تلك الأثناء، كان اوريون ناشرًا رحالاً يتقاضى رواتبه. دأب على مساعدة أمي وأخي هنري من مدخوله الخاص. كان أخي هنري يصغرني بعامين، وقد ساهمت شقيقتي باميلا في توفير هذه المساعدة من خلال تعليم تلامذة العزف على آلة البيانو. هكذا تدبرنا أمورنا ولكن في ظروف صعبة للغاية وغير مؤاتية. لم أكن أنا جزءًا من هذا العبء لأنني كنت انتزعت من المدرسة على الفور بعد وفاة والدي، ووضعت في مكتب هانيبال كمتدرب في مجال الطباعة، وسمح لي السيد ايمنت ناشر صحيفة (كورير) ومالكها، أن أحصل على التعويض الاعتيادي الذي يتقاضاه متدرب مثلي، كمثل الطعام والثياب، من دون أن أتقاضى أجرًا ماليًا. كانت الثياب تتكون من بزتين سنويًا، أحداهما لم تكن متوافرة، ولم يتم شراء الثانية طالما أن الثياب القديمة للسيد ايمنت ظلت قادرة على الصمود. كنت بنصف حجم ايمنت تقريبًا، وبالتالي، فإن قمصانه جعلتني أحسُّ بذلك الشعور المزعج بالعيش داخل خيمة في سيرك. وكان عليَّ أن أثني سراويله إلى أذني لتصبح قصيرة بما فيه الكفاية.

كان هناك متدربان آخران. أحدهما يدعى وايلز ماكورميك في السابعة أو الثامنة عشرة وكان عملاقًا. عندما كان يضع نفسه في ثياب ايمنت، كان يعاني بشكل عام من حالة اختناق خصوصًا في أوقات الصيف. كان متهورًا، مرحًا، مخلوقًا رائعًا. لم يكن لديه مبادئ وكانت رفقته تبعث على السرور. في البدء كنا المتدربين الثلاثة، نتناول طعامنا في المطبخ مع الطاهية وهي رقيق سوداء وابنتها الشابة الخلاسية ذات الوسامة والذكاء والتهذيب. من أجل لهوه الذاتي، دأب وايلز على إقامة علاقة عاطفية بهذه الفتاة الخلاسية، على نحو دائم وثابت وعلني ومدروس، فنغص عليها حياتها وأدخل القلق الى قلب أمها حتى الموت. كانت تخاطبه قائلة: والآن يا مارس وايلز، مارس وايلز ألا تستطيع أن تكون مؤدبًا؟ ولكونه يتمتع بتلك الجرأة كان وايلز يقدم، بشكل طبيعي، على تحفيز ملاطفته والإصرار عليها. بدا هذا الأمر مضحكًا مبكيًا بالنسبة إلى كلينا رالف وأنا. والحق أقول، إن إحساس الأم العجوز بالألم من باب التظاهر فقط، كانت تدرك جيدًا أنه وفقًا لتقاليد المجتمعات التي يسود فيها الرق، كان يحق لوايلز أن يقيم علاقة مع تلك الفتاة إذا رغب هو في ذلك، ومع ذلك، كان الألم الذي يتآكل الفتاة حقيقيًا. كانت تتمتع بطبيعة مصقولة، كما كانت تتقبل علاقة وايلز المتهورة بها بامتعاض عميق.

الزحف إلى القبو

لم نكن نحظى إلا بتنوع قليل في الطعام الذي كان يقدم على طاولة المطبخ، ولم يكن ما يكفي منه في أي حال. لذا، كنا نحن المتدربين، نبقى على قيد الحياة بأساليب نبتكرها نحن. كنا مثلاً نزحف إلى القبو كل ليلة تقريبًا، من خلال ممر خاص اكتشفناه، لنسطو على البطاطا والبصل وأشياء مماثلة، ثم نحملها إلى مكتب الطباعة حيث كنا ننام على فرش من قش، وبعد ذلك نطهوها على الموقد ونستمتع بأوقات جيدة. كان لدى وايلز سر في طهو البطاطا، بدا رائعًا ومعتبرًا من مجهوده الخاص. ومنذ ذلك اليوم لم أر طريقة تطبخ بها البطاطا إلا مرة واحدة. كان ذلك عندما أمر امبراطور المانيا فيلهنم الثاني بمثولي على المائدة في مناسبة خاصة قبيل نهاية العام 1901. وعندما ظهرت تلك البطاطا على المائدة أخرجتني عن تحفظي وحملتني على ارتكاب خطأ لا يغتفر قبل أن أستعيد تحفظي من جديد. فقط حدث أنني استقبلت البطاطا بتعجب مرح متوجهًا بملاحظتي إلى الامبراطور الذي كان يجلس إلى جانبي من دون أن أنتظر إقدامه على تناول القطعة الأولى. وأعتقد أنه حاول بصدق أن يتظاهر بأنه لم يُصدم ولم يغضب. ولكنه بدا عليه ذلك بوضوح. كما بدا على وجوه نصف دزينة من النبلاء الذين كانوا يجلسون إلى المائدة. بدا عليهم الذهول جميعًا، ولم يكن بمقدور أحد أن يتفوه بكلمة لو أن الامبراطور حاول ذلك. خيم الصمت الثقيل ما يقرب من نصف دقيقة، وكان ممكنًا أن يدوم حتى اليوم بالطبع لو أن الامبراطور لم يكسره بنفسه، لأن لا أحد هناك كان مستعدًا للقيام بهذه المجازفة، كانت الساعة تشير إلى السادسة والنصف من مساء ذلك اليوم، ولم ينسحب الثلج كليًا من الجو إلا بحلول منتصف الليل عندما ذاب عن آخره أو تلاشى بفعل الفيضانات الكريمة للبيرة.

كما ذكرت آنفًا، كانت الأوضاع الحالية للسيد ايمنت على شيء كثير من الكتمان والصلابة. بمرور الوقت، حصلنا، نحن المتدربين، على ترقيته، فانتقلنا من تحت الأرض إلى الطبقة الأرضية، كما سُمح لنا بالجلوس إلى مائدة العائلة وبحضور بيت ماكوري بدت الأوضاع المالية آيلة إلى الاستمرار. كانت السيدة ايمنت عروسًا، وقد أحرزت هذا الامتياز في وقت قريب جدًا بعدما انتظرت ردحًا طويلاً من الزمن من أجل ذلك. كانت المرأة المناسبة في المكان المناسب، ووفقًا للقول الأميركي المأثور، لم تكن تثق بحصولنا على وعاء السكر، بل كانت تحلِّي قهوتنا بنفسها. وفي حقيقة الأمر لم تفعل ذلك، كان يبدو أنها تضع ملعقة ملأى بالسكر الأسمر في كل من أكوابنا، ولكنها كانت تخدعنا وفقًا لوايلز. كان يقول إنها كانت تغمس الملعقة في القهوة أولاً ليلتصق بها السكر، وبعد ذلك تغرف السكر بأن تسقط الملعقة في الوعاء رأسًا على عقب فيبدو للعين أنها امتلأت بالسكر بينما لا تحتوي منه إلا طبقة رقيقة، بدا هذا الأمر حقيقيًا بالنسبة إلي، ومع ذلك كان صعبًا تصديقه إلى الحد الذي بدا فيه أنه لم يحصل البتة، كان إحدى كذبات وايلز.

كنت ذكرت أن وايلز بدا طائشًا، وكان فعلاً كذلك. كان مرد ذلك الطيش إلى الروح الطيبة المنبعثة بشكل دائم كالفقاعة من مرح الشباب. وأعتقد أنه لم يكن بإمكان هذا الشاب أن يتدبَّر خمس دقائق يفكر فيها بنفسه. لم يكن بمقدور أحد أن يتوقع متى يتدفق، من بين خصائصه المشرقة، إحجامه الدائم عن قلة التوقير. بدا ذلك محببًا للغاية، لم يبد أنه كان لديه اهتمام بأمر جدي في حياته. لم يكن ثمة شيء يحمله على إظهار التوقير.

55 عامًا من الندم

كان خلال سنتيه الأوليين من التدرب في مكتب “كورير”، أن أقدمت على عمل سعيت إلى إبداء الأسف عليه طيلة خمسة وخمسين عامًا. كان ذلك في يوم صيفي من بعد الظهر من تلك الأيام النموذجية بطقسها لفتى يبحث عن رحلة نهرية وحفلات سمر أخرى. غير أنني كنت أسيرًا. كان الآخرون قد ذهبوا لقضاء عطلاتهم. كنت وحيدًا وحزينًا. اقترفت جريمة من نوع ما، وكان هذا عقابي الذي تلقيته. كان ينبغي لي أن أخسر عطلتي وأن أمضي فترة بعد الظهر في العزلة. كان مكتب الطباعة متوافرًا لي بكامله، هناك في الطبقة الثالثة. كان لدي راحة واحدة تتميز بالكرم، هي عبارة عن نصف بطيخة حمراء طويلة وعريضة، طازجة وناضجة. قطعتها بسكين والتهمتها بكاملها حتى كاد عصيرها أن يخرج من أُذني. لم يبق منها إلا قشرتها، قشرتها الفارغة.

كانت كبيرة على نحو يكفي ليصنع منها سريرًا هزازًا للأطفال. لم أرغب في التخلص منها، في الوقت الذي لم أكن قادرًا على التفكير بما أفعل بها لاستمتع بوقتي. كنت جالسًا إلى النافذة المفتوحة التي تشرف على جانب الطريق الرئيسي من تحت ثلاث طبقات عندما خطر لي أن اقذفها نحو رأس عابر سبيل من هناك. شككت في الغاية من ذلك وشعرت أيضًا بشيء من تأنيب الضمير، لأنني سأتحمل العاقبة الكبرى من هذا الفعل بينما يتحمل ذلك الشخص الجزء الأيسر من تلك العاقبة. ومع ذلك فكرت في أن اغتنم هذه الفرصة. أخذت أبحث عن الشخص المناسب، الشخص الآمن، غير أنه لم يظهر. وفي كل مرة كان يتراءى لي مرشح، رجلاً أو امرأة، تبيَّن أنه ليس الشخص الآمن، فأقدم على ضبط نفسي. وأخيرًا رأيت الشخص الملائم، كان شقيقي هنري. أفضل فتى في المنطقة كلها. لم يؤذ أحدًا يومًا، ولم يسئ إلى أحد أبدًا. كان طيبًا على نحو يثير الغضب. كانت الطيبة تتدفق منه، ولكن ليس إلى الحد الذي ينقذه هذه المرة. راقبت قدومه باهتمام بالغ. جاء متمهلاً وحلم الصيف الممتع يداعب خياله. لم يكن ليشك في شيء أبدًا. كانت العناية تحتضنه. ولو خطر على باله أنني كنت أرقبه لبدا أقل ثقة بتلك الخرافة. وبينما كان يقترب، كان شكله يبدو أقصر شيئًا فشيئًا. وعندما أصبح تحت نظري مباشرة، بدا قصيرًا جدًا بحيث لم يظهر منه، من موقعي المرتفع إلا طرف أنفه وقدماه المقربتان واحدة بعد الأخرى. بعد ذلك، وازنت البطيخة بين يدي، وحسبت المسافة ثم أطلقتها إلى الأسفل. كانت دقة الرماية تتجاوز الإعجاب. كان أمامه ست خطوات ليصبح تحت مرماي عندما ألقيت قشرة البطيخة التي تشبه زورقًا طويلاً ونحيفًا، وكان أمرًا محببًا وأن أرى الجسدين يقترب أحدهما من الآخر بالتدريج، ولو كان أمامه سبع خطوات أو خمس لتكللت رمايتي بالفشل. ولكن خطواته تمت بالعدد وتحطمت وتطايرت قشرة البطيخة قطعًا في كل الاتجاهات كالرذاذ الذي طاول زجاج الطبقة الثالثة. أردت أن أنزل إلى الأسفل لأطيِّب خاطره، ولكن ذلك لم يكن تصرفًا آمنًا، لأنه كان سيشك بي على الفور.

ومع ذلك توقعت أن يشتبه بي في كل الأحوال. كنت مخدوعًا عندما ظننت أنه لن يشتبه بي. كان ظني خطأ. بدا أنه يترقب الفرصة المناسبة. ثم قذفني بحصاة كبيرة أصابت جنب رأسي وأحدثت تورمًا ضخمًا حملني على ارتداء قبعتين معًا لإخفائه. حملت هذه الجريمة إلى والدتي، لأنني كنت أتحرق شوقًا، على الدوام، إلى توريط هنري بالمتاعب معها من دون أن أحقق نجاحًا في مسعاي. واعتقدت أن لدي قضية هذه المرة ما أن يقع نظرها على التورم في رأسي.

وعندما رأته قالت أن لا بأس في ذلك. لم ترَ حاجة في الاستفسار عن السبب. كانت تعلم أنني استحق ذلك وأفضل ما يحدث لي أن أتقبل ما حصل كدرس ثمين لن أنساه واستفيد منه.

ورقة الخمسين دولارًا

في يوم من منتصف شتاء العام 1856 أو 1857، أعتقد أنه كان في العام 1856، كنت أتقدم الخطى في الشارع الرئيس المسمى كيوكوك من قبل الظهر. كان الطقس سيئًا إلى درجة أن الشارع بدا مهجورًا على الأغلب. كانت زخات من الثلج الجاف تتساقط هنا فتشكل أنواعًا عدة من الصور الجميلة، ولكنها لبرودتها تبعث على القشعريرة. نفخت الريح قصاصة من الورق مرة بجانبي واصطدمت بجدار منزل. شيء ما في مظهر الورقة استرعى انتباهي. كانت ورقة من فئة الخمسين دولارًا، وهي الأولى من نوعها التي كنت رأيتها حتى ذلك الوقت، والمبلغ الأضخم من المال الذي وقع عليه نظري مرة واحدة. نشرت إعلانًا في الصحف وتكبدت ما تفوق قيمتها الألف دولار من التوسل والخوف والألم خلال الأيام القليلة اللاحقة وأنا أنتظر أن يقرأ صاحبها الإعلان في الصحف ويأتي إلي طالبًا استرداد ثروتي. مضى قرابة الأربعة أيام من دون أن يتصل بي أحد، ثم لم يعد بإمكاني أن أتحمل هذا النوع من التعاسة. وأحسست بأن أربعة أيام أخرى لن تمر على هذا النحو الآمن. تملكني شعور بأنه ينبغي لي أن أنقذ هذا الحال من خطر محدق. لذلك ابتعت تذكرة إلى مدينة سينسيناتي وتوجهت إليها.

عملت هناك بضعة أشهر في مكتب الطباعة التابع لمطبوعة “واشنطن أند كومباني”. كنت أتصحف رواية الملازم أول هيرندون حول مكتشفاته في الأمازون، ولأكثر ما شدني إليها ما كتبه عن الكاكاو. فقررت العزم على الذهاب إلى منطقة المياه العليا في القارب البخاري “بول جونز” وذهني مشبع بهذه الفكرة العظيمة. أحد قباطنة المركب المذكور كان يدعى هوراس بكسبي، أخذت أتقرب منه شيئًا فشيئًا، ولم يمض وقت طويل حتى كنت أدير دفة المركب عنه أحيانًا أثناء نوبة المراقبة النهارية. عندما وصلت إلى نيو اورلينز، استفسرت عن السفن المتوجهة إلى بارا واكتشفت أن أيًا منها لن يقصد تلك المنطقة، وعلمت أن شيئًا من هذا القبيل لن يحدث طوال ذلك القرن. لم يخطر لي أن استفسر عن هذه التفاصيل قبل قدومي إلى سينسيناتي. ومع ذلك كنت هناك. لم أستطع الذهاب إلى الأمازون. ولم يكن لدي أصدقاء في نيو اورلينز ولا مال كذلك.

قصدت هوراس بكسبي وسألته أن يعلمني قيادة السفن. أجاب بأنه قد يفعل ذلك لقاء مئة دولار يتقاضاها نقدًا وفي الحال. وهكذا درت له دفة السفينة وهي في طريقها إلى ساينت لويس، واقترضت المبلغ من صهري ووضعت حدًا لهذه المقايضة. وكنت قد استعنت بصهري هذا قبل سنوات عدة. كان يدعى السيد وليام أ. موفيت، تاجر من فيرجينيا، ورجل طيب في كل الأحوال.

تزوج شقيقتي باميلا. وخلال ثمانية عشر شهرًا أصبحت قبطانًا كفوءًا، وخدمت تلك الشركة حتى توقف الإبحار في نهر الميسيسيبي واندلاع الحرب الأهلية.

في تلك الأثناء، كان أوريون يتعرق وهو يداوم على عمله في مكتبه الطباعي الصغير في كيوكوك، وهو وزوجته كانا يقيمان مع عائلة الثانية، ظاهريًا كنزلاء بأجر. ولكن من المستبعد أن يكون أوريون قادرًا، في الأساس، على أن يسدد كلفة إقامته. لم يكن في وسعه أبدًا أن يدرك أن العمل الذي ينجز من دون مقابل، مصيره الفشل، ولا قيمة له في الوقت الراهن، وأن الزبائن، في هذه الحال، سيضطرون إلى الذهاب حيث يمكنهم الحصول على فائدة أفضل حتى ولو كانوا مجبرين على دفع أثمان أغلى، كان لديه متسع من الوقت. وقد حدث أنه رفع لافتة كتب عليها أنه يقدم خدمات إلى الناس بصفته محاميًا.

غير أنه لم يحظ بقضية واحدة، على الرغم من أنه بدا متشوقًا لتوفير خدمات مجانية في هذا المجال. كان ليبراليًا على الدوام في ذلك التوجه.

في الوقت الحاضر، ذهب إلى قرية صغيرة تدعى الكسندريا، تبعد ميلين أو ثلاثة أميال على طول النهر، ووضع اللافتة المذكورة هناك. لم يحصل على أي مردود من جراء ذلك. بدت أوضاعه صعبة في هذه الأثناء. من ناحيتي، كنت وقتئذ قد بدأت اتقاضى راتبًا يبلغ 250 دولارًا في الشهر لقاء عملي قبطانًا، وهكذا دأبت على توفير المساعدة له حتى العام 1861، عندما أقدم صديقه القديم، ادوارد بايتس (أصبح في ما بعد وزيرًا في أولى حكومة للسيد لينكولن) على تعيينه في موقع السكرتير للمقاطعة الجديدة نيفادا.

ترجمة وتقديم: جهاد الترك

Written by حليمْ

5 أبريل 2013 at 2:32 م

مذكّرة الضابط / تولستوي

with one comment


وإذا شكّك أحد هؤلاء الصغار المؤمنين بي, لو عُلَّق في عنقه حجر الرحى، وزجَّ في لجَّة البحر. الويلٌ للعالم من الشكوك! فإنها لا بدَّ أن تقع الشكوك، ولكن ويلٌ لذلك الإنسان الذي تقع الشكوك عن يده!
إنجيل متَّى: 18، 6-7

في جميع ثكنات الجنود هناك ما يسمَّى “مذكِّرة الجندي” معلَّقة على الجدار، ألَّفها الجنرال دراغوميروفي. هذه المذكِّرة عبارة عن مجموعة من الأقوال العسكرية الشعبية الهجومية الغبية المتصنِّعة، والممزوجة مع اقتباسات تجديفية من الكتاب المقدَّس. يتم إيراد آيات من الكتاب المقدَّس لتأكيد أنَّ على الجنود أن يقتلوا أعداءهم، ويفترسوهم بأسنانهم: «إذا انكسرت الحربة فاضرب بكعب البندقية، وإذا خذلك كعب البندقية فاضرب بقبضتيك، وإذا أعطبت القبضتان انهش بأسنانك». أما في ختام المذكِّرة فيُقال إنَّ الله هو جنرال الجنود: «الله جنرالكم».

ما من شيء يبرهن بجلاء أكثر من هذه “المذكِّرة” الدرجة المرعبة من الجهل والخضوع العبودي والوحشية التي بلغها الروس في وقتنا الراهن. منذ أن ظهر هذا التجديف المخيف، وتمَّ تعليقه في كافة ثكنات الجنود، وهذا منذ زمنٍ بعيد جدًا، لم يعبِّر أي آمر، أو أي قسٍّ، ممن يفترض أن يهمهم، بصورة مباشرة، تحريف معاني نصوص الكتاب المقدَّس، عن إدانته لهذا المؤلَّف المثير للاشمئزاز، وهو لا يزال يُطبع بملايين النسخ، ويُقرأ من قِبل ملايين الجنود الذين يعتبرون هذا المؤلف دليل عملهم.

هذه المذكِّرة تزعجني منذ زمنٍ بعيد، والآن، إذ أخشى أنني قد لا أجد الوقت للقيام بهذا قبل موتي، كتبتُ نداءً موجَّهًا إلى الجنود، حاولتُ فيه تذكيرهم بأنهم، كبشر وكمسيحيين، لديهم أمام الله التزامات مختلفة كليًا عن تلك المعروضة في هذه المذكرة. أعتقد أن تذكيرًا كهذا ضروري ليس للجنود فقط، وإنما هو ضروري أكثر للضباط (أقصد بكلمة “ضابط” في القيادة العسكرية، من الملازم إلى الجنرال) الذين يلتحقون بالخدمة، أو يبقون فيها، دونما إرغام مثل الجنود، وإنما بشكل طوعي.

أعتقد أنَّ هذا التذكير ضروريًا بشكل خاص في وقتنا الراهن. إذ إن الأمر كان على ما يرام قبل 100 أو 50 سنة، عندما كانت الحرب تعدُّ شرطًا لا بدَّ منه لحياة الشعوب، عندما كان ذلك الشعب الذي تُخاض الحرب ضدَّه يعتبر همجيًا أو كافرًا أو شريرًا، وعندما لم يكن يخطر في بال العسكر بأنهم ضروريين من أجل سحق وقمع شعبهم. كان حسنًا حينذاك السير ثلاثًا ثلاثًا، مرتدين بزَّات عسكرية مموهة ومخيطة بخيوط من قصب، والمهاميز تصلصل، أو تخطَّر المرء قدَّام الفوج، متخيلاً نفسه بطلاً مستعدًا للتضحية بحياته دفاعًا عن وطنه، وإن لم يفعل حتى الآن. ولكن الآن، حيث العلاقات الدولية المكثَّفة – التجارية، الاجتماعية، العلمية، الفنية- قرَّبت بين الشعوب إلى درجة أنَّ أية حرب بين الشعوب الأوروبية تُعدُّ شكلاً من أشكال الخلاف العائلي، وتخرق أقدس الروابط بين البشر، حيث مئات الجمعيات في العالم، وآلاف المقالات في الصحف العامة وليس الاختصاصية فقط، توضِّح، باستمرار وبشتى الطرق، جنون العسكرة، وإمكانية، وحتى ضرورة، القضاء على الحروب؛ الآن حيث – وهذا هو الأهم – يحدث أكثر فأكثر للعسكر أن يحاربوا، ليس ضد أعداء الخارج للدفاع في مواجهة الغزاة المهاجمين، أو لأجل زيادة مجد وجبروت وطنهم، وإنما ضدَّ العمال أو الفلاحين العزَّل – التخطُّر على حصان في بزَّةٍ رسمية مزينة بالقصب، والتبختر الغندور أمام الفوج، لم يعد يعتبر تفاخرًا فارغًا ومغفورًا له كما كان في السابق، وإنما بات شيئًا مختلفًا كليًا.

في الماضي، حتى في عهد نيكولاي الأول، لم يكن يخطر لأحد أنَّ القوات المسلحة ضرورية، على الأغلب، من أجل إطلاق النار على السكَّان العزَّل. أما الآن، ففي العواصم والمناطق الصناعية هناك قوات متموضعة بشكل دائم بهدف أن تكون مستعدة لتفريق تجمعات العمال، ونادرًا ما يمرُّ شهر دون سَوق القوات من الثكنات، مع رصاص حقيقي، ووضعها في مكان مخفي لتكون مستعدة لإطلاق النار على الناس في أية لحظة. لم يعد استخدام القوات المسلحة ضدَّ الشعب ظاهرة عادية فحسب، بل يتم تشكيل القوات المسلحة مسبقًا لتكون جاهزة لاستخدامٍ من هذا النوع. ولا تخفي الحكومة أنَّ نشر المجندين على الأقسام يتم، بشكل مقصود، بحيث لا يُفرَز الجنود أبدًا إلى المناطق التي جاؤوا منها. ويتم هذا لكي لا يضطر الجندي إلى إطلاق النار على أهله.

الإمبراطور الجرماني قال، ويقول، بصراحة، عند كل تجنيد للمجندين (خطاب 23 أيار 1901)، إنَّ الجنود الذين يؤدون له اليمين هم ملكه بالجسد والروح، وإنَّ لديهم عدو واحد – هو عدوه، وإنَّ هذا العدو هم الإشتراكيون (أي: العمال) الذين على الجنود أن يطلقوا عليهم النار إذا ما أمرهم بذلك، ولو كانوا أشقاءهم وآباءهم. عدا عن أنَّ القوات المسلحة، في الأزمنة القديمة، إذا كانت تُستخدم ضد الناس والشعب، فالذين كانت تستخدم ضدهم كانوا، أو على الأقل كانوا يعتبرون، مجرمين مستعدين لقتل وتدمير السكان المدنيين. لذا، ومن أجل المصلحة العامة، عُدَّ القضاء عليهم ضروريًا. أما الآن، فالكل يعلم أنَّ معظم الذين تُرسَل القوات المسلحة ضدهم هم أناسٌ ودعاء وكادحون، يريدون فقط الانتفاع من ثمار عملهم دون موانع. وبالتالي، فالاستخدام الرئيسي والدائم للقوات المسلحة، في وقتنا الراهن، لم يعد يكمن في دفاعٍ متخيَّلٍ ضد الكفار، أو أعداء الخارج عمومًا، ولا ضدَّ أعداء الداخل المتمردين المجرمين، بل يكمن في قتل الإخوة العزَّل غير المجرمين على الإطلاق، بل هم أناسٌ متواضعون وكادحون، يريديون فقط ألا يؤخذ منهم ما كسبوه بعرق جبينهم. وبالتالي، فالخدمة العسكرية في وقتنا الراهن، حيث تكمن مهمتها الرئيسية في التهديد بالقتل، وعن طريق القتل الإبقاء على البشر المستعبَدين ضمن الظروف الجائرة التي يعيشونها الآن – لم تعد عملاً غير فاضل فحسب، بل باتت عملاً شنيعًا. ولهذا لا بدَّ للضباط الذين يخدمون الآن أن يفكِّروا فيمن يخدمونه، وأن يتساءلوا ما إذا كان ما يفعلونه حسنًا أم سيئًا؟ أعلم أنَّ هناك الكثير من الضباط، وخاصةً في المناصب العليا، يحاولون عن طريق مختلف المبررات: الأرثوذكسية السلافية، الاستبداد، وحدة الدولة، حتمية الحرب الدائمة، ضرورة الاستقرار، بطلان الهذيانات الاشتراكية، الخ، أن يثبتوا لأنفسهم أنَّ علمهم عمل عقلاني ومفيد، وليس فيه أي شيء غير أخلاقي. وهم أنفسهم لا يصدِّقون ما يقولون في أعماقهم، وكلما كانوا أشدَّ ذكاءً وأكبر سنًا كلما قلَّ تصديقهم لذلك.

أذكر كيف أذهلني بفرح صديقي وزميلي، وهو شخص محب للرفعة كثيرًا، كرَّس كل حياته للخدمة العسكرية، وبلغ أعلى المناصب والاستحقاقات (جنرال – ياور، جنرال مدفعية)، عندما أخبرني بأنه أحرق كل ملاحظاته عن الحروب التي شارك فيها لأن وجهة نظره إلى العمل العسكري قد تغيَّرت، وبات يعتبر كل الحروب عملاً أحمقًا لا ينبغي التشجيع عليه عند ممارسته بل، على العكس، التشهير به.

الكثير من الضباط يفكرون على هذا المنوال مع أنهم لا يقولون هذا ما داموا في الخدمة. وفي الحقيقة، لا ينبغي لأي ضابط حصيف أن يفكِّر على نحو مغاير. إذ يكفي وحسب التفكير، بدءًا من أدنى المراتب إلى أقدمها وصولاً إلى قائد فيلق، في ماهية عمل الضباط جميعهم. منذ بداية خدمتهم حتى نهايتها – وأنا أتحدث عن ضباط الجبهة العاملين – يكمن عملهم، باستثناء الفترات القصيرة التي يذهبون فيها إلى الحرب ويمارسون القتل، في بلوغ هدفين: تعليم الجنود إتقان قتل البشر بأفضل السبل، وتعليم الخضوع الذي بموجبه ينفِّذون كل ما تأمرهم به القيادة بشكل آلي ودون نقاش.

قيل في القِدَم: «اجلد اثنين تعلِّم واحدًا»، وهكذا كانوا يفعلون. ورغم أنَّ نسبة الذين يتم إخضاعهم أقل الآن لكنَّ المبدأ هو ذاته. لا يمكن إيصال البشر إلى الحالة، ليست الحيوانية بل الآلية، التي يفعلون بموجبها أكثر الأعمال مناقضةً لطبيعة الإنسان ولعقيدتهم الدينية، وبالتحديد القتل تبعًا لأوامر أي رئيس كان، من دون أي يُمارَس بحقِّ هؤلاء الناس، بالإضافة إلى الأكاذيب الماكرة، أقسى أشكال العنف، وهو ما يُصنَع.

منذ مدة قريبة، في وسائل الإعلام الفرنسية، أثار ضجة إثبات الصحفيين للآلام المبرحة التي يتعرَّض لها الجنود في كتائب التأديب على جزيرة أوليرون، التي تبعد ست ساعات عن باريس. حيث يتم تقييد أيدي الجنود إلى أرجلهم من الخلف وإلقائهم على الأرض، ثم توضع صواميل في إبهام اليد المقيدة من الخلف، وتُشدُّ بحيث تسبب أية حركة ألمًا هائلاً، أو يُعلَّقون رأسًا على عقب، وهلمّ جرّا.

عندما نرى الوحوش المدرَّبة تنفِّذ حركات مناقضة لطبائعها: كلاب تسير على قدميها الأماميتين، أو فيلة تدحرج البراميل، أو نمور تلعب مع سباع… الخ، نعلم أن هذا كله قد تمَّ بلوغه عبر عذابات الجوع والسوط والحديد المحمَّى. ونعلم الشيء ذاته عندما نرى أناسًا في بزَّات عسكرية مع أسلحتهم يتجمَّدون دون حركة، أو يقومون بالحركة نفسها معًا: يركضون، يقفزون، يطلقون النار، يصرخون… الخ، ويقومون عمومًا بتلك العروض والاستعراضات الجميلة التي يتفاخر ويزهو بها الأباطرة والملوك فيما بينهم. لا يمكن استئصال كل ما هو إنساني من الإنسان، وإيصاله إلى حالة الآلة، دون تعذيبه، وليس التعذيب البسيط بل أشد الأشكال دقة وقسوة، تعذيبه والكذب عليه في الآن ذاته. هذا هو كل ما تفعلونه: أنتم الضباط. ففيما عدا الحالات الاستثنائية التي تذهبون فيها إلى الحرب، تكمن خدمتكم كلها في هذا، من أعلى الرتب إلى أدناها.

يأتيكم، منقولاً من أقصى الأرض، فتى، وقد لُقِّن أنَّ اليمين، الكاذب، الذي يُحرِّمه الكتاب المقدَّس، والذي أدَّاه، يقيِّده دون رجعة، مثل ديكٍ موضوعٍ ضمن دائرة مرسومة على الأرض، يعتقد أنَّ الدائرة تقيِّده. يأتيكم باستسلامٍ مطلق، وبأمل بأنكم، أنتم الأكبر سنًا، أكثر ثقافةً وذكاءً منه، وبأنكم سوف تعلِّمونه كل ما هو جيِّد. وأنتم، بدلاً من تحريره من الخرافات التي جلبها معه، تغرسون فيه خرافات جديدة هي الأكثر سخفًا وقسوةً وضررًا، عن قدسية العَلَم، وعن القيمة الإلهية تقريبًا للقيصر، وعن وجوب طاعة القيادة في كل شيء طاعةً عمياء. وعندما توصلونه، عن طريق أساليب تخدير الناس المبتكرة في عملكم، إلى حالٍ أدنى من حال الحيوان، تلك التي يكون فيها مستعدًا لقتل كل من يُؤمَر بقتله، بما فيهم إخوانه العزَّل، فإنكم تأخذونه إلى القيادة باعتزاز، وتتلقَّون على ذلك الشكر والمكافآت.

أن يصبح المرء ذاته قاتلاً لهو أمر مرعب لكنَّ إيصال إخوته الذين يثقون به إلى أن يصبح قاتلاً بأساليب خبيثة وعنيفة، لهي الجريمة الأشدُّ هولاً. وإنكم ترتكبونها، وفي هذا تكمن خدمتكم كلها. لذا، ليس غريبًا أن يزدهر في أوساطكم، أكثر من أي وسط آخر، كل ما يُميت الضمير: التدخين، لعب الورق، السُّكْر، الفحشاء، وحالات انتحار أكثر من أي مكان آخر.

«… لا بدَّ أن تأتي العثرات [إلى العالم]، لكن ويلٌ لذلك الإنسان التي تأتي به العثرات».

غالباً ما تقولون إنكم تؤدُّون الخدمة لأنه، إذا لم تفعلوا، فسوف ينهار النظام القائم، وتحدث الفتن وشتى أنواع الكوارث. ولكن، أولاً، ليس صحيحًا أنكم معنيون بالنظام القائم بل أنتم معنيون بمصالحكم فقط. ثانيًا، حتى لو أنَّ امتناعكم عن أداء الخدمة العسكرية سوف يؤدِّي إلى انهيار النظام القائم فهذا لا يبرهن مطلقًا على وجوب استمراركم بالقيام بعمل سيئ، بل يبرهن على أنَّ النظام الذي قد ينهار بسبب امتناعكم يجب أن يُباد. فلو كانت هناك أفضل المؤسسات: المستشفيات، المدارس، دور العجزة، والتي تعتاش على إيرادات بيوت الدعارة، فكل النفع الذي تجلبه مؤسسات الإحسان هذه لن يكون قادرًا أبدًا على الإبقاء على وضع المرأة التي ترجو التخلُّص من مهنتها المشينة. إذ سوف تقول المرأة: «لا ذنب لي في كونكم أنشأتم مؤسساتكم هذه على الفحشاء. لا أريد أن أبقى عاهرة، ولا تعنيني مؤسساتكم». وهو ما يجب أن يقوله كل عسكري إذا ما قيل له عن ضرورة الحفاظ على النظام القائم، القائم على استعداده للقتل. يجب على العسكري أن يقول: «أقيموا نظامًا عامًا بطريقة، بحيث لا يحتاج إلى القتل ولن أخرقه. فقط لا أريد أن أكون قاتلاً».

وأيضًا يقول كثيرون منكم: «لقد تمَّت تربيتي على هذا النحو. إنني مقيَّد إلى وضعي، وأعجز عن الخروج منه». ولكن حتى هذا غير صحيح. يمكنكم دائمًا الخروج من وضعكم، وإذا كنتم لا تخروجون منه ففقط لأنكم تُفضِّلون أن تعيشوا وتتصرَّفوا بما يناقض وجدانكم على أن تُحرَموا من بعض المنافع الدنيوية التي تقدِّمها لكم خدمتكم الشائنة. فقط انسَ أنك ضابط، وتذكَّر أنَّك إنسان، والمخرج من وضعك سوف يُفتح لك فورًا الآن. وهذا المخرج، الأفضل والأشرف، يكمن في أن تجمع الوحدة التي تقودها، فتقف أمامها وتطلب العفو من الجنود على كل الشرور التي فعلتها بهم، كاذبًا عليهم، والكفَّ عن أن تكون عسكريًا. هذا التصرُّف يبدو جريئًا ويتطلَّب شجاعة كبيرة، غير أنَّ هذا التصرُّف يتطلب شجاعة أقلَّ بكثير من الذهاب إلى الحرب أو الدعوة إلى المبارزة بسبب إهانة الشرف العسكري، وهو ما أنت مستعد كعسكري القيام به، وإنك تفعل. لكنك، إذا لم تكن قادرًا على القيام بذلك، إذا فهمت إجرامية الخدمة العسكرية، يمكنك دائمًا تركها، وتُفضِّل عليها عملاً آخر، وإن كان إيراده أقل. أما إذا لم تكن قادرًا على القيام بذلك، فإنَّ حلَّ مسألة استمرارك في الخدمة أو عدم استمرارك فيها سوف يؤجَّل إلى أن تواجه حشدًا من الفلاحين أو العمَّال، ويُعطى لك الأمر بإطلاق النار عليهم، وهو سرعان ما سيحدث. وحينذاك، إذا ما بقي فيك أي شيء إنساني فسيتوجب عليك رفض الطاعة، وبنتيجة ذلك ترك الخدمة.

أعلم أنَّ هناك الكثير من الضباط الجهلة والمخدَّرين إلى درجة أنهم لا يرون ضرورة، لا هذا المخرج ولا ذاك ولا مخرج ثالث، ويواصلون الخدمة بهدوء، وهم مستعدون في ظلِّ الظروف الراهنة لإطلاق النار على إخوانهم، وحتى يفتخرون بذلك. لكن – لحسن الحظ – الرأي العام يدين هؤلاء الناس أكثر فأكثر، وعددهم يغدو أقل فأقل. وهكذا، في وقتنا الراهن، حيث أصبحت مهمة الجيوش المتمثِّلة في قتل الأخوة جلية للعيان، لم يعد يجوز للضباط ليس فقط مواصلة التقاليد القديمة في التظاهر بالشجاعة القتالية المغترَّة بنفسها، بل لم يعد جائزًا، دون إدراك ذلِّهم وشَينهم الإنساني، مواصلة العمل الإجرامي في تعليم بسطاء الناس، الذين يثقون بهم، القتل، وأن يستعدوا بأنفسهم للمشاركة في قتل السكَّان العزَّل.

هذا ما يجب أن يدركه ويتذكَّره كل ضابط ذي فكر وضمير من ضباط زماننا.

غاسبرا

7 كانون الأول 1901

ترجمة: هڤال يوسف

Written by حليمْ

4 أبريل 2013 at 10:32 م

- المثقفون والسلطة: حوار بين ميشيل فوكو و جيل دولوز.

with one comment


- 0 -

- 1 -

فوكو: قال لي أحد المأويين, افهم جيدا لماذا سارتر يناضل معنا، ولماذا يمارس السياسة وبأي معنى واتجاه يقوم بذلك، وأنت إلى حد ما، افهم ذلك قليلاً لأنك طرحت دائما مشكلة الحجز. ولكني يا دولوز لا افهم ذلك. حقيقة, هذا السؤال فاجأني كثيرا، لان الأمر بالنسبة لي جداً واضح.

دولوز: لأنه ربما بدأنا نعيش بطريقة جديدة علاقات النظرية والممارسة. كنا مرة نعتقد أو نرى وندرك الممارسة بوصفها تطبيق للنظرية، بوصفها نتيجة، ومرة على العكس كمقدمة للنظرية، أو بوصفها هي ذاتها مبدعة لشكل من النظرية القادمة. كنا، بشكل عام ندرك علاقتهما في شكل من العملية الكلية أو من الصيرورة الشاملة، بمعنى أو بآخر. ربما بالنسبة لنا، فان المسالة أصبحت مطروحة بشكل مغاير. علاقات النظرية ـ الممارسة هي علاقات مجزأة ومقسمة اكثر. من جهة، إن النظرية هي دائما نظرية محلية، متعلقة بميدان محدد، ويمكن أن يكون لها تطبيق في ميدان آخر، بعيدا نسبيا. العلاقة مع التطبيق ليست أبدا علاقة تشابه. ومن جهة أخرى، فانه ما تباشر عملها في ميدانها الخاص، فإنها تواجه مجموعة من العقبات، من الجدران، من الصدمات التي تجعل من الضروري أن يتم رفعها بنوع ونمط آخر من الخطاب “هذا النوع الآخر هو الذي يؤدي بالفعل إلى ميدان مغاير أو مختلف”. الممارسة مجموعة من البدائل أو التنأوبات(3) لمسالة نظرية أو أخرى، والنظرية هي كذلك نوع من التنأوب بين ممارسة وممارسة أخرى. لا يمكن لأية نظرية أن تتطور أو تنمو من دون أن تواجه أو تقابل نوعا من الجدار أو العقبة، وعلى الممارسة خرق أو شق الجدار أو تجأوز العقبة. مثلا، أنت بدأت بتحليلات نظرية للعزل، كالعزل النفسي في القرن التاسع عشر في المجتمع الرأسمالي. ثم توصلت إلى ضرورة أن الأشخاص المعزولين عليهم أن يتحدثوا بأنفسهم، أن يعملوا منأوبة أو يقوموا بمنأوبة ” أو بالعكس أنت الذي كنت منأوبا لهم” وهؤلاء الأشخاص يوجدون في السجن، انهم في السجن. وعندما نظمت فريق الاستعلامات عن السجون(4)، كان يقوم على قاعدة، وهي إقامة الشروط أو الظروف التي تمكن السجناء أنفسهم من التحدث عن أنفسهم. وسيكون من الخطأ، كما يريد أن يقول المأوي، بانك انتقلت إلى الممارسة لتطبق نظرياتك. ليس هنالك لا تطبيق ولا مشروع إصلاح ولا بحث بالمعنى التقليدي. هنالك شيء مغاير تماما أو كلية: هنالك نظام من التنأويات في أجزاء وأقسام متعددة من النظرية والممارسة على السواء. بالنسبة لنا، لقد كف المنظر، أن يكون موضوعا أو وعيا ممثلا أو تمثيليا. والذين يناضلون ويتحركون ويمارسون أو يعملون لم يعودوا ممثلين، لان الحزب والنقابة هي التي تدعي بدورها أنها تمثل وعيهم. من يتحدث أو يتكلم ومن يفعل أو يتحرك ومن يعمل ؟ انه دائما تعدد وكثرة، حتى داخل الشخص الذي يتحدث أو يفعل. نحن كلنا أفواج أو فرق التدخل أو فرق التصادم والصدام. ليس هنالك تمثيل، ليس هنالك إلا الفعل، إلا فعل النظرية، فعل الممارسة في علاقات من التنأويات أو الشبكات.

فوكو: يبدو لي أن تأسيس المثقف كان تقليديا يبدأ من شيئين: وضعيته أو موقعه في المجتمع البورجوازي، في نظام الإنتاج الرأسمالي، في الأيديولوجية التي ينتجها أو يفرضها “أن يكون مستغلا، بائسا، مرفوضا، ملعونا، متهم بالبلبلة ، باللاخلاقية ..الخ” وخطابه الذي يفصح عن بعض الحقائق ويكتشف علاقات سياسية غير مدركة. هذان الشكلان من التسييس ليسا غريبين الواحد عن الآخر، ولكن لا يلتقيان بالقوة. لقد كان هنالك نوع من المثقف”الملعون أو المرفوض” ونوع من المثقف “الاشتراكي”. هذان الشكلان يتداخلان ويختلطان بسهولة ويسر في بعض الأوقات والفترات والحالات من ردود الفعل العنيفة من قبل السلطة، مثل ما حدث بعد سنة 1848 و بعد كومونة باريس و بعد 1940: حيث اصبح المثقف مرفوضا ومضطهدا في الوقت الذي ظهرت فيه “الأشياء” في “حقيقتها”في اللحظة أو في الوقت الذي لا يجب فيه القول، إن الملك كان عاريا. المثقف كان يقول الحقيقة للذين لم يكونوا يرونها وباسم الذين لا يستطيعون قولها انه: الوعي والفصاحة.والحال فان ما اكتشفه المثقفون منذ الحالة الجديدة (5)، أو منذ فترة، هو أن الجماهير لم تعد في حاجة إليهم، لتعرف، لان الجماهير تعرف تماما، و بوضوح، وحتى افضل منهم، وتقول ذلك بقوة. ولكنه يوجد نظام من السلطة يعيق ويمنع ويعرقل هذا الخطاب وهذه المعرفة. سلطة ليست فقط في الهيئات العليا للرقابة ولكنه في شبكة المجتمع بشكل عميق وحاذق ودقيق.و المثقفون أنفسهم يشكلون جزءا من نظام هذه السلطة. و دور المثقف ليس أن يتموقع “هناك إلى الأمام قليلا أو إلى الجانب شيئا ما” من اجل أن يقول الحقيقة الخرساء، عليه بالأحرى أن يصارع ويناضل ضد أشكال السلطة حيث يكون، في نفس الوقت، موضوعا وأداة: في نظام “المعرفة” و “الحقيقة ” في “الوعي” و في “الخطاب” . بهذا المعنى فان النظرية لا تعبر عن شيء، ولا تترجم شيئا، ولا تمارس تطبيقا معينا، إنها ممارسة. ولكنها ممارسة محلية وجهوية، وكما تقول: ليست كلية . الصراع أو النضال ضد السلطة، النضال من اجل إظهارها، هنالك حيث لا ترى و حيث تكون اكثر مكرا ودهاء. صراع ليس من اجل “استرجاع الوعي “ـ “فمنذ زمن بعيد أو فترة بعيدة لم يعد الوعي بوصفه معرفة مكتسبة من قبل الجماهير وبوصفه موضوعا، من اهتمام البورجوازية”ـ من اجل إسقاط واخذ السلطة، مع، جميع الذين يصارعون من اجلها وليس بمسافة أو عن قرب من اجل توضيحها “النظرية “هي النظام المحلي أو الجهوي لهذا الصراع.

دولوز: هذه هي النظرية بالتدقيق، إنها مثل علبة الأدوات. لا علاقة لها بالدال . يجب أن تستعمل وتوظف، وليست لذاتها. وإذا لم يستعملها أحد ابتداء من المنظر نفسه، الذي لا يصبح بعد ذلك منظرا، أو الذي يتوقف عن أن يكون منظرا، فانه لا قيمة لها أو أن الوقت لم يحن بعد لتوظيفها. نحن لا نعود أو نرجع إلى نظرية، وإنما نقيم نظريات أخرى، لدينا نظريات أخرى سنقيمها أو اننا سنصنع نظريات أخرى. انه لمن الغريب ان يكون كاتبا، مثل بر وست(6)، والذي يظهر كمثقف خالص، هو الذي يقول بوضوح تام: تعاملوا مع كتبي مثل النظرات المصوبة إلى الخارج فإذا لم تساعدكم استعملوا نظرات اخرى، عليكم أن تجدوا بأنفسكم أجهزتكم والتي هي بالقوة أجهزة معركة. النظرية لاتعمم و انما تتعدد و لقد تعددت. إن السلطة هي التي تجري تعميمات، و أنت تقول بالضبط وتدقيقا: النظرية بالضرورة ضد السلطة.[ وما أن تشرع النظرية في العمل في مجال من المجالات إلا وتعمل على التغيير و تكون هنالك حاجة إلى مجال آخر لتغييره.]من اجل هذا، فان مفهوم الإصلاح هو مفهوم غبي وخبيث. فهو اما، قد اعد من قبل أشخاص يزعمون انهم ممثلون، ويقومون بمهنة التحدث والكلام للآخرين، باسم الآخرين، وهذه مهمة السلطة أو من تدابير السلطة، وهو نوع من توزيع السلطة الذي يسند و يدعم و يقوى بقمع واسع. أو انه إصلاح مطلوب، وعند ذلك لم يعد اصلاحا، و انما حركة ثورية و التي هي في عمقها ذات طبيعة مؤقتة، ومصرة على إعادة النظر في السلطة في كليتها ومراتبيتها. ومن البديهي انه في السجون فان اقل وابسط مطلب للسجناء يكفي لاسقاط وانهيار” اصلاح بلوفان الكاذب” (7). واذا توصل الاطفال الصغار، إلى توصيل وتبليغ مطالبهم أو اسماع احتجاجاتهم في الحضانات بل وحتى اسئلتهم، فان ذلك يكفي لاحداث انفجار في كل منظومة التعليم. في الحقيقة فان هذا النظام الذي نعيش فيه، لايستطيع ان يحتمل أي شيء. من هنا هشاشته الجذرية، في كل نقطة ومستوى، وفي نفس الوقت، يوضح ويبين قمعه الشامل. في نظري، لقد كنت أول من علمنا شيئا اساسيا، في كتبك وفي مجال الممارسة انه: دناءة التحدث من اجل الآخرين. اننا نسخر من التمثيل، اننا نقول ان التمثيل قد انتهى، ولكننا لانستنتج من هذه المحادثة “النظرية” بان النظرية تفرض على الاشخاص المعنيين بان يتحدثوا عمليا، على حسابهم.

فوكو: وعندما بدأ السجناء يتحدثون كانوا يملكون نظرية حول السجن وحول العقوبة وحول القضاء أو العدالة. هذا النوع من الخطاب المناهض للسلطة، هذا الخطاب المضاد الذي يحمله السجناء، أو الذين نسميهم بالمنحرفين، هو ما يهم أو ما يدخل في الحسبان، وليس النظرية حول الجنوح. مشكلة السجن هذه مشكلة محلية وهامشية، لأنه لا يسجن في فرنسا اكثر من مائة آلف” 100.000” شخص في السنة. إلا أن هذا المشكل الهامشي يزعزع الناس. لقد فوجئت بالعدد الكبير الذي يهتم بمشكلة السجن والذين لم يكونوا في السجن. وفوجئت بإعداد الناس التي لم تكن معنية بالاستماع إلى خطاب حول السجن وكيف انهم يسمعونه في النهاية وكيف يشرحونه؟ اليس، بشكل عام، نظام العقوبات هو الشكل حيث السلطة كسلطة تظهر، بصورة جلية و واضحة؟ وضع شخص في السجن، الاحتفاظ به في السجن، منعه من الاكل، من التدفئة، منعه من الخروج ومن ممارسة الجنس …الخ هنا بالتاكيد يظهر الطابع الاكثر هذيانا للسلطة الذي يمكن تصوره. كنت أتحدث يوما مع امرأة كانت في السجن وكانت تقول لي : “عندما أفكر أنا صاحبة الأربعين سنة ” كنت معاقبة يوميا بالخبز الحافي الجاف”ما يثير في هذه الحادثة أو القصة ليس فقط سخف ممارسة السلطة، ولكن الوقاحة التي بها تمارس، وفي شكلها الأكثر عتاقة وسخفا وصبيانية. اختصار شخص أو إحالته أو رده وتحويله إلى مجرد الخبز والماء أو الآكل والشرب، وعلى أية حال فانهم يعلموننا هذا ونحن صغار. السجن هو المكان والوسط الوحيد الذي تظهر فيه السلطة في شكلها العاري. في بعدها الأكثر تجاوزا، وتبرر نفسها بوصفها سلطة أخلاقية.” لي الحق في العقوبة بما أنكم تعرفون انه شنيع وممنوع أن تسرق أو أن تقتل …”. هذا ما هو رائع في السجون، لأنه للمرة الأولى السلطة لا تتخفى ولا تتستر ولا تتقنع وانما تظهر بوصفها طغيان شاملا و منتشرا في أدق التفاصيل، طغيانا وقحا، في نفس الوقت، وخاصة انه “مبرر” تماما، مادام يستطيع أن يتشكل داخل اخلاق تؤطر عمله وممارسته. طغيانه البهيمي يظهر بوصفه هيمنة هادئة للخير على الشر والنظام على الفوضى.

دولوز: والعكس صحيح أيضا. ليس فقط السجناء هم وحدهم الذين يعاملون كالأطفال، ولكن الأطفال كذلك يعاملون كالسجناء. الأطفال يخضعون لطفولة ليست لهم. بهذا المعنى فان المدارس شبيهة بالسجون، والمصانع شبيهة اكثر بالسجون. يكفي ان ترى الدخول إلى مصانع “رينو”. أو في أماكن أخرى. ثلاث رخصات لقضاء الحاجة في اليوم. لقد وجدت نصا ” لـجيرمي بنتام”(8) في القرن الثامن عشر والذي يقترح فيه إصلاحا للسجون: وباسم هذا الاصطلاح الأعلى، اقام نظاما دائريا، وقد اصبح هذا السجن المجدد نموذجا، بحيث مررناه، بشكل غير محسوس، إلى المدرسة وإلى الورشة، ومن الورشة إلى السجن وبالعكس. هذا هو جوهر الاصلاحية، والتصوير المصلح. بالعكس عندما بدأ الناس في الحديث والفعل أو الحركة باسمهم، انهم لا يعارضون تمثيلا مقلوبا أو معاكسا لتمثيل آخر، انهم لا يعارضون تمثيلا في مقابل التمثيل الخاطئ للسلطة. على سبيل المثال، أنى أتتذكر انك كنت تقول انه ليس هنالك عدالة شعبية ضد العدالة ، إنها تدور أو تحدث أو تجرى على مستوى آخر.

فوكو: اعتقد انه نتيجة للكره، كان للشعب العدالة والقضاة والمحكمة والسجون ، لا يجب ان تكون لدينا فقط فكرة اخرى عن عدالة افضل، أواكثر عدالة، ولكن يجب ان يكون لنا، أولا وقبل كل شيء، ادراك النقطة الخاصة حيث السلطة تمارس في علاقة وارتباط مع الشعب. الصراع ضد العدالة هو صراع ضد السلطة، ولا اعتقد انه صراع ضد الظلم أو اللاعدل، أو ضد ظلم العدالة، أو من اجل السير الحسن للعدالة. انه لمدعاة إلى الانتباه بانه وفي كل مرة تكون فيه مظاهرات وتمرد وعصيان،تكون المؤسسة القضائية هي المستهدفة، في نفس الوقت وبنفس المستوى مع المؤسسة الضريبية، ثم الجيش وباقي اشكال السلطة. فرضيتي، ولكن ليست اكثر من فرضية ، وهي ان المحاكم الشعبية ، على سبيل المثال في وقت الثورة، كانت وسيلة للبورجوازية الصغيرة المتحالفة مع الجماهير للاستعادة والالتحاق بالحركة المناضلة المصارعة ضد السلطة. ولكي تستعيد وتلتحق اقترحت هذا النظام من المحاكم التي تستعيد وتسترجع أو تستند بالاحرى إلى هذه العدالة التي يمكن ان تكون عادلة و إلى هذا القاضي الذي يمكن ان يصدر حكما عادلا. ان شكل المحكمة ذاته ينتمي إلى ايديولوجية العدالة التي هي ايديولوجية البورجوازية.

دولوز: اذا اخذنا بعين الاعتبار الوضع الحال، فان السلطة لها رؤية شاملة وكلية. اريد ان اقول ان جميع اشكال القمع الحالية، المتعددة، يتم تعميمها بسهولة من وجهة نظر السلطة: القمع العنصري ضد المهاجرين، القمع في المصانع، القمع في التعليم، القمع ضد الشباب بشكل عام. لا يجب البحث فقط عن وحدة هذه الاشكال في رد الفعل لاحداث مايو 68 ، ولكن في استعداد وتنظيم مدبر لمستقبلنا القريب. الراسمالية الفرنسية في حاجة كبيرة إلى “احتياط” في البطالة، لتتخلي عن القناع الليبرالي و الابوي للعمل الكلي أو العمل للجميع. من وجهة النظر هذه تجد وحدتها، في : التقليل من الهجرة، عندما يقال ان نوكل للمهاجرين الاعمال الصعبة والمشينة ـ القمع في المصانع مادام الامر يقتضي اعادة اعطاء للفرنسيين”ذوق” للعمل يكون صعبا اكثر فاكثر ـ النضال ضد الشباب والقمع في التعليم، لان القمع البوليسي هو، وفي اكثر من وقت مضى، قمع ناشط، و لان حاجتنا قليلة للشباب على مستوى سوق العمل. كل انواع الحرف ستصبح تؤدي وظائف بوليسية محددة اكثر فاكثر : اساتذة، محللون نفسانيون، مربون بجميع اشكالهم، الخ. هنالك شيء اعلنت عليه منذ مدة طويلة، وهي عدم قدرتنا على اعادة الانتاج: تقوية أو تعزيز جميع بنيات العزل.اذن ، في مواجهة هذه السياسة الشاملة والعامة للسلطة، نقوم بمقأومات محلية، بنار مضادة ، بدفاعات فاعلة، وفي بعض الاحيان بمقأومات وقائية. اننا لا نعمم ما لا يعمم الا من جانب السلطة. اننا لا نستطيع ان نعمم من جهتنا من جانبنا اذا رممنا اشكال التمثيل المركزي و المراتبي. في المقابل، ما يجب علينا ان نقوم به، هو ان نصل إلى اقامة روابط جانبية ، نظام كامل من الشبكات، قواعد شعبية أو جماهيرية. وهذا ما هو صعب. وعلى اية حال، فان الواقع بالنسبة لنا لا يمر اطلاقا عبر السياسة بالمعنى التقليدي للكفاءة وتوزيع السلطة، وللهيئات التي تسمى هيئات تمثيلية، في البلديات والنقابات. الواقع هو ما يحدث فعليا اليوم في المصانع والمدارس وفي الثكنات والسجون ومراكز الشرطة. انه لجيد ان تتضمن أو ان تحمل الحركة نوعا من المعلومات المغايرة لمعلومات الصحف “ مثل نوع المعلومات التي تقدمها وكالة انباء التحرير”.

فوكو: هذه الصعوبة، وحيرتنا في ايجاد الاشكال المطابقة للنضال، الا تعود ايضا إلى ما نجهله كذلك عن ماهية السلطة ؟ فقبل كل شيء كان يجب انتظار القرن التاسع عشر لنعرف ما هو الاستغلال، ولكن من الممكن اننا لانعرف بعد ما هي السلطة. وماركس وفرويد ربما لا يكفيان لمساعدتنا على معرفة هذا الشيء الغامض جدا، هذا الشيء المريء وغير المريء في نفس الوقت، الحاضر والمستتر، المستثمر في جميع المجالات، والذي نسميه السلطة. نظرية الدولة ، والتحليل التقليدي لاجهزة الدولة لا تستوفي من دون شك مجال ممارسة ووظيفة السلطة. انها المجهول الاكبر في الوقت الحاضر: من يمارس السلطة ؟ واين يمارسها ؟ حاليا، نعرف تقريبا من يستغل، واين يذهب الربح، ومن يتصرف فيه، ويعيد استثماره، … اما السلطة فاننا نعرف بان الحكام ليسوا هم الذين يملكونها. ولكن مفهوم “ الطبقة الحاكمة “ ليست لا واضحة ولا مشكلة ومبنية جيدا. “الهيمنة”، “القيادة”، “الحكم ” ، “فريق الحكم” ، “جهاز الدولة”..الخ، هنالك لعبة من المفاهيم التي تتطلب التحليل. وفي نفس الوقت و بنفس المعنى ، يجب معرفة إلى أي حد تمارس السلطة، باي منأوبة، وإلى اية هيئة، تكون في الغالب ذات مراتبية طفيفة، ومفتشة ومراقبة ومانعة وضاغطة ومرغمة. ففي أي مكان تكون فيه السلطة، السلطة تمارس. لم يتحدث عنها احد ولم يكن حاملها، بالرغم من انها تمارس دائما في اتجاه ما، مع البعض في جانب ومع البعض في اتجاه آخر. لا نعرف من يملكها بالضبط، ولكننا نعرف من لا يملكها. انه بقراءة كتبك “ منذ “نيتشه ” إلى ما أتوقعه واستشعره من “الرأسمالية والفصام Capitalisme et Schizophrénie” “(9) كانت ذات اهمية خاصة بالنسبة لي ، لانه بدا لي انك قد ذهبت بعيدا في طرح هذا المشكل: تحت هذا الموضوع القديم للمعنى والدال والمدلول، الخ و أخيراً مسالة السلطة، ولا تساوي السلطة، وصراعها. كل مقاومة تتطور أو تنمو حول مركز خاص في السلطة. “ من هذه المراكز الصغيرة التي لا تحصى حارس عمارة، مدير سجن، قاضي، مسؤول نقابي، محرر جريدة”. وبتعيين وتحديد المراكز، ورفض الابلاغ عنها والتحدث عنها في الاماكن العمومية، انها مقأومة، لانه ليس هنالك احد على وعي بها بعد، ولكن لان اخذ الكلمة حول الموضوع أو التحدث عن الموضوع، و إرغام الشبكة الإعلامية المؤسساتية، على التسمية، على قول الفعل، على التصريح بالذي قام بالفعل، وماذا فعل، وتعيين الهدف، هو العودة الأولى للسلطة، و الخطوة الأولى لمقاومات أو نضالات أخرى ضد السلطة. إن خطابات مثل تلك الخطابات الخاصة بالمعتقلين أو أطباء السجون، على سبيل المثال، إنها مقاومات و نضالات، لأنها تحجز ولو للحظة سلطة الحديث عن السجن، و لأنها محتكرة فقط من الإدارة ومعاونوها ومساعدوها الاصلاحيون. خطاب المقاومة لا يتعارض مع اللاوعي أو اللاشعور، انه يتعارض مع السري والخفي. هنا يمكن ان تكون اكثر بقليل ولكنها قد تكون اكثر بكثير؟ هنالك سلسلة كاملة من الملابسات فيما يتعلق بـ “الخفي” أو “السري” و”المكبوت” و “ غير المقال” الذي يسمح “ بتحليل نفسي” بسعر هابط أو بقيمة هابطة عما سيكون موضوع المقاومة. من الممكن ان يكون السري اصعب على الكشف من اللاشعور. أن الموضوعين اللذين نلتقي بهما كذلك باستمرار في الماضي : “الكتابة، هي المكبوت” و “ والكتابة لها الحق الكامل في التدمير” يبدو لي انهما تخونان عددا من العمليات التي يجب رفضها بشدة.

دولوز: بالنسبة لهذه المشكلة التي تطرحها : فإننا نرى تماما من يستغل من، ومن يربح، ومن يحكم، لكن السلطة مازالت هذا الشيء الأكثر انتشارا ـ إني اقدم الفرضية التالية: حتى الماركسية أو وخاصة الماركسية أو بالأحرى حتى الماركسية قد حددت المشكلة بمفاهيم المصلحة “السلطة تحكمها طبقة مهيمنة تحدد بمصالحها”. ولكن فجأة نصطدم بهذا السؤال: كيف يحدث وان أناسا ليس لهم مصلحة يتبعون ويرتبطون بشدة بالسلطة، ويستجدون قطعة منها ؟ ربما يكون مفهوم الاستثمار بمعناه الاقتصادي واللاشعوري، أما الربح فليست هي الكلمة الاخيرة، لان هنالك استثمارات الرغبة الذي يشرح أو يفسر أننا نستطيع تلبية رغبتنا، من دون أن نكون ضد مصالحنا، لان المصلحة تتبع دائما الرغبة … يجب القبول بصرخة “رايش Reich “(10) : لا، أن الجماهير لم تخدع، لقد رغبت في الفاشية في لحظة ما؟ هنالك استثمارات الرغبة التي تنمط أو تنمذج السلطة وتنشرها، والتي تجعل من السلطة توجد على مستوى الشرطي والوزير ، وليس هنالك اختلاف مطلق في طبيعة السلطة التي يمارسها الشرطي والسلطة التي يمارسها الوزير. ان طبيعة استثمارات الرغبة على الجسد الاجتماعي هي التي تفسر لماذا هنالك أحزاب ونقابات، التي لها والتي كان يجب ان يكون لها استثمارات ثورية باسم مصالح الطبقة ، يمكن ان يكون لها استثمارات إصلاحية أو رجعية خالصة على مستوى الرغبة.

فوكو: كما تقول، العلاقات بين الرغبة والسلطة والمصلحة أو الربح اكثر تعقيدا مما نتصوره في العادة، ولكن ليس بالضرورة إن الذين يمارسون السلطة لهم مصلحة في ممارستها، وان الذين لا يمارسونها ليس لهم مصلحة فيها، والرغبة في السلطة تلعب بين السلطة والمصلحة لعبة ما تزال جد خاصة. يحدث أن الجماهير، في زمن الفاشية ترغب في أن أحداً يمارس السلطة، يمارس السلطة من دون أن يختلط معها رغم ذلك، مادامت السلطة تمارس عليهم حتى إفنائهم أو موتهم أو حتى التضحية بهم وحتى قتلهم تبقى مع ذلك راغبة في هذه السلطة، وترغب في أن تمارس عليها هذه السلطة. لعبة الرغبة والسلطة والمصلحة مازالت لم تعرف بعد. لقد كان يجب ان يكون هنالك وقت كبير لمعرفة ما هو الاستغلال. والرغبة كانت كذلك مسالة طويلة أو قضية طويلة. ومن الممكن ان يكون الآن النضالات القائمة، و كذلك هذه النظريات المحلية، والجهوية، والانفصالية التي هي في حالة التكون في هذه النضالات التي ترتبط بها بالرغبة، وستكون بداية لاكتشاف الطريقة التي تمارس بها السلطة.

دلوز: إذن سأعود إلى السؤال: الحركة الثورية الحالية لها مواقع متعددة، وليس هذا ضعف أو نقص، بما أن التعميم ينتمي اكثر إلى السلطة وإلى رد الفعل. على سبيل المثال الفيتنام، أنها رد فعل محلي رائع أو مقاومة محلية رائعة. ولكن كيف التعرف على الشبكات و الترابطات العرضية بين هذه النقاط الفاعلة المنفصلة، من بلد إلى آخر أو داخل بلد بعينه؟

فوكو: هذه الانفصالية الجغرافية التي تتحدث عنها تعني ربما هذا: في الوقت الذي نناضل فيه ضد الاستغلال، فان البروليتاريا، ليست هي التي تناضل فقط ولكن هي التي تحدد الأهداف والطرق والأماكن والوسائل، والتحالف مع البروليتاريا يعني الانضمام إلى مواقفها وإلى أيديولوجيتها واعتماد أسباب نضالها أو مبررات نضالها. أي الامتزاج بها والذوبان فيها. ولكن إذا ما كانت المعركة ضد السلطة، فان كل الذين تمارس عليهم السلطة بوصفها تجاوز وكل الذين يعترفون بها كشيء لا يطاق، يمكن أن يناضلوا حيث يوجدون وانطلاقا من نشاطهم “ أو عدم نشاطهم” الخاص. وان يعلنوا عن هذا النضال الذي هو نضالهم، والذي يعرفون تماما اهدافه، ويستطيعون تحديد طرقه، ويدخلون في الصيرورة الثورية. يدخلون بوصفهم بطبيعة الحال حلفاء البروليتاريا، بما ان السلطة التي تمارس كما تمارس أو بالطريقة التي تمارس بها، من اجل الحفاظ على الاستغلال الرأسمالي. إنها تخدم فعليا القضية الثورية البروليتارية عندما تناضل حيث يمارس القهر ضدهم. النساء والمساجين والجنود في الوحدات، والمرضى في المستشفيات، والمثليون ، كلهم قد باشروا في هذا الوقت أو المرحلة أو في هذه اللحظات نضالات خاصة ضد الشكل الخاص للسلطة كالإكراه، والرقابة التي تمارس ضدهم. مثل هذه النضالات في الوقت الحالي تشكل جزءا من الحركة الثورية، بشرط أن تكون راديكالية أو جذرية، ومن دون تسوية أو إصلاح ومن دون محأولة تغيير شكلي للسلطة. وهذه الحركات مرتبطة بالحركة الثورية للبروليتاريا ذاتها في حالة مقاومتها لمختلف أشكال الرقابة والإكراه التي تقوم بها السلطة. بمعنى أن شمولية وعمومية النضال و الصراع لا تكون بالتأكيد في هذا الشكل من الكلية والتعميم الذي تحدثت عنه قبل قليل، هذا التعميم النظري، في شكل “الحقيقة”. ما يجعل من النضال عاما وشاملا وكليا، هو نظام السلطة ذاته، كل أشكال ممارسة وتطبيق السلطة.

دلوز: وعندما لانستطيع ان نصل أو نحقق أو نلمس أي نقطة من التطبيق مهما كانت، من دون ان نكون في مواجهة هذا المجموع المنتشر، فاننا سنكون مجبرين بالاطاحة بالسلطة، انطلاقا من ابسط واصغر المطالب مهما كانت. وكل دفاع أو هجوم ثوري مؤقت ينضم بهذه الصفة إلى النضال العمالي.

ميشيل فوكو و جيل دلوز
في 4 مارس 1972.

Written by حليمْ

18 أكتوبر 2012 at 1:19 ص

- لماذا نحن ماركسيون؟

leave a comment »


- 0 -

ولد آلان وودز في سوانسي، ويلز، سنة 1944. وهو حاليا يعيش بلندن. سياسي وكاتب تروتسكي، وقائد للتيار الماركسي الأممي. حاصل على شهادة الدراسات العليا في فقه اللغة الروسية والسلافية من جامعات ساسكس (بريطانيا) وصوفيا (بلغاريا). ورئيس تحرير مجلة النداء الاشتراكي وموقع الدفاع عن الماركسية.

- 1 -

لقد مر عقدان من الزمن منذ أن نشر فرانسيس فوكوياما كتابا بعنوان “نهاية التاريخ والإنسان الأخير”، معلنا الانتصار النهائي لاقتصاد السوق والديمقراطية البرجوازية. بدا كما لو أن هذه الفكرة قد تأكدت بفعل ما يقرب من 20 سنة من ازدهار الأسواق وارتفاع النمو الاقتصادي دون انقطاع تقريبا. وصار السياسيون ومحافظو البنوك المركزية ومديرو وول ستريت على قناعة بأنهم قد تمكنوا أخيرا من القضاء على الأزمات الاقتصادية.

الآن، وبعد مرور عقدين على سقوط الاتحاد السوفييتي، لم يبق هناك حجر على حجر في صرح أوهام البورجوازية تلك. فالعالم يواجه أعمق أزمة منذ الثلاثينات. أمام هذا الوضع الكارثي على الصعيد العالمي أصيبت البرجوازية في أوربا والولايات المتحدة واليابان بحالة من الذعر. في سنوات الثلاثينات قال تروتسكي إن البرجوازية كانت “تنزلق إلى الكارثة بأعين مغلقة”. إن هذه الكلمات تنطبق تماما على الوضع الراهن، كما لو أنها كتبت بالأمس.

طيلة السنوات العشرين الماضية تفاخر الاقتصاديون البرجوازيون بأنه لن يكون هناك مزيد من دورات الازدهار والركود، وأنه تم إلغاء الدورة. ومن الحقائق المعروفة أن الاقتصاديين البرجوازيين لم يتمكنوا طيلة عقود من توقع أية دورة ازدهار أو دورة ركود. لقد فبركوا نظرية رائعة جديدة تسمى “فرضية كفاءة السوق”. في الواقع، ليس هناك أي شيء جديد في هذه النظرية. إنها تعود إلى الفكرة القديمة القائلة بأن : ” السوق إذا تركت لحالها سوف تتمكن من حل كل شيء. وسوف تحقق التوازن تلقائيا. وما دامت الحكومة لا تتدخل، فإنه عاجلا أم آجلا كل شيء سيكون على ما يرام “. وهو ما علق عليه جون ماينارد كينز قائلا:”، عاجلا أم آجلا سنكون جميعا في عداد الأموات”.

في العقد الأول من القرن 21، أصبح من الواضح بشكل متزايد أن الرأسمالية قد استنفدت كل إمكاناتها التقدمية. وبدلا من أن تطور الصناعة والعلوم والتكنولوجيا، تعمل على تقويضهم باطراد. فقوى الإنتاج راكدة، والمصانع تغلق كما لو أنها علب أعواد الثقاب، ويلقى بالملايين إلى البطالة. كل هذه الأعراض تدل على أن تطور القوى المنتجة على الصعيد العالمي قد تجاوز الحدود الضيقة للملكية الخاصة والدولة القومية.

هذا هو السبب الأساسي الجوهري للأزمة الحالية، والتي كشفت عن إفلاس الرأسمالية بالمعنى الحرفي للكلمة. وتوفر المحنة التي تعيشها ايرلندا واليونان تأكيدا واضحا للحالة المرضية للرأسمالية الأوروبية. وغدا ستنتشر العدوى إلى البرتغال واسبانيا. لكن بريطانيا وإيطاليا ليستا بعيدتان. وستتبعهما فرنسا وألمانيا والنمسا حتما على هذا المسار التنازلي.

يبذل الاقتصاديون والسياسيون البرجوازيون، وقبل كل شيء الإصلاحيون من كل نوع، قصارى جهدهم للبحث عن حل للخروج من هذه الأزمة. وهم يتطلعون إلى استعادة دورة الأعمال لنشاطها كوسيلة للخلاص. ويعتقد قادة الطبقة العاملة والقادة النقابيون والاشتراكيون الديمقراطيون أن هذه الأزمة شيء مؤقت. يتوهمون أنه يمكن حلها عن طريق إدخال بعض التعديلات على النظام القائم، وأن كل ما تحتاجه هو المزيد من الرقابة والتنظيم، وهكذا يمكن العودة إلى الأوضاع السابقة. لكن هذه الأزمة ليست أزمة عادية، كما أنها ليست مؤقتة. إنها تمثل نقطة تحول رئيسية في السيرورة، حيث وصلت الرأسمالية إلى نقطة الإفلاس التاريخية. أفضل ما يمكن توقعه هو حدوث انتعاش ضعيف، يرافقه ارتفاع معدلات البطالة وفترة طويلة من التقشف وخفض مستويات المعيشة.

أزمة الإيديولوجية البرجوازية

الماركسية في المقام الأول هي فلسفة ونظرة إلى العالم. إننا لا نجد في الكتابات الفلسفية لماركس وإنجلز نظاما فلسفيا مغلقا، بل سلسلة من الأفكار والمؤشرات الرائعة، والتي من شأنها، إذا ما تم تطويرها، أن توفر إضافة قيمة إلى الترسانة المنهجية للعلوم.

ليس هناك من مكان تظهر فيه أزمة أيديولوجية البرجوازية أكثر وضوحا مما هي عليه في عالم الفلسفة. في مراحلها الأولى عندما كانت البرجوازية تقدمية، كانت قادرة على إنتاج مفكرين كبار: هوبز ولوك، وكانط وهيغل. لكن في عهد احتضارها، لم تعد البرجوازية قادرة على إنتاج أفكار عظيمة. بل إنها، في الواقع، غير قادرة على إنتاج أي أفكار على الإطلاق.

بما أن البرجوازية الحديثة غير قادرة على إنتاج تعميمات جريئة، فإنها صارت تنفي مفهوم الإيديولوجية نفسه. هذا هو السبب الذي يجعل مفكري ما بعد الحداثة يتكلمون عن “نهاية الأيديولوجية”. إنهم ينكرون مفهوم التقدم ببساطة لأنه في ظل الرأسمالية لم يعد من الممكن تحقيق أي التقدم. كتب إنجلز ذات مرة قائلا : “بين الفلسفة ودراسة العالم الفعلي نفس العلاقة التي بين الاستمناء باليد والحب الجنسي”. إن الفلسفة البرجوازية الحديثة تفضل الأول على الأخير. وفي سياق صراعها ضد الماركسية أجبرت الفلسفة على العودة إلى أسوء فترة من ماضيها القديم، البالي والعقيم.

المادية الجدلية وجهة نظر دينامية لفهم طريقة عمل المجتمع، والطبيعة والفكر. إنها أبعد ما تكون عن فكرة بالية من القرن التاسع عشر، إنها نظرة للطبيعة والمجتمع حديثة بشكل باهر. إن الديالكتيك ينفي الطريقة الجامدة في النظر إلى الأشياء التي تميزت بها المدرسة الفيزيائية الكلاسيكية الميكانيكية القديمة. وتبين أنه في ظل ظروف معينة يمكن للأشياء أن تتحول إلى نقيضها.

لقد لاقى المفهوم الجدلي القائل بأنه يمكن لتراكم تدريجي لتغييرات صغيرة أن يتحول في لحظة حرجة إلى قفزة عملاقة، تأكيدا باهرا بفضل نظرية الفوضى الحديثة ومشتقاتها. لقد وضعت نظرية الفوضى حدا للحتمية الميكانيكية الاختزالية الضيقة التي هيمنت على العلوم لأكثر من مائة سنة. لقد عبر الديالكتيك الماركسي في القرن التاسع عشر عما تؤكده نظرية الفوضى رياضيا الآن: الترابط الداخلي بين الأشياء، الطبيعة العضوية للعلاقة بين الجزيئات.

تشكل دراسة التحولات المرحلية واحدة من أهم مجالات الفيزياء المعاصرة. وهناك عدد لا حصر له من الأمثلة على الظاهرة نفسها. التحول من الكم إلى النوع هو قانون عام. وقد أوضح مارك بوكانان في كتابه الوجود المطلق (Ubiquity) هذه الظواهر على أنها تغييرات متنوعة مثل النوبات القلبية والانهيارات الثلجية وحرائق الغابات، وازدياد ونقصان قطعان الحيوانات، وأزمات البورصة، والحروب، وحتى التغييرات في الموضة والمدارس الفنية. والمدهش أكثر هو أنه يمكن التعبير عن هذه الأحداث بصيغة رياضية معروفة باسم قانون القوة.

لقد سبق لماركس وإنجلز، اللذان وضعا فلسفة هيغل الجدلية على أسس علمية (أي مادية)، أن توقعا هذه الاكتشافات الهامة منذ فترة طويلة. في كتابه المنطق (1813) كتب هيغل : “لقد أصبح من المسلم به في التاريخ أن الآثار الكبيرة تنشأ عن أسباب صغيرة”. كان هذا قبل وقت طويل من ظهور “نظرية تأثير الفراشة”. إن الثورات هي، مثلها مثل الانفجارات البركانية والزلازل، تأتي نتيجة لتراكم بطيء للتناقضات على مدى فترة طويلة. تصل السيرورة في نهاية المطاف إلى نقطة حرجة تحدث خلالها طفرة مفاجئة.

المادية التاريخية

كل نظام اجتماعي يعتقد أنه يمثل النموذج الوحيد الممكن لوجود الجنس البشري، وأن مؤسساته، ودينه، وأخلاقه هي أسمى ما يمكن أن يوجد. هذا ما كان أكلة لحوم البشر، والكهنة المصريون، وماري انطوانيت والقيصر نيكولاس يعتقدونه بشدة. وهذا ما كان فرانسيس فوكوياما يرغب في إظهاره عندما أكد لنا، دون أي أساس، أن نظام ما يسمى بـ “المقاولة الحرة” هو النظام الوحيد الممكن- بالضبط عندما بدأ يغرق.

ومثلما شرح تشارلز داروين أن الأنواع ليست ثابتة، وأنها تمتلك ماض وحاضر ومستقبل، وأنها تتغير وتتطور، شرح ماركس وإنجلز أن كل نظام اجتماعي معين ليس شيئا ثابتا إلى الأبد. إن التشابه بين المجتمع والطبيعة هو، بطبيعة الحال، تقريبي فقط، لكن حتى أكثر الدراسات التاريخية سطحية تبين أن التفسير التدريجي للتاريخ ليس له أي أساس. إن المجتمع، مثله مثل الطبيعة، يعرف فترات طويلة من التحول البطيء والتدريجي، لكنه يشهد أيضا انقطاع الخط بفعل التطورات المتفجرة – الحروب والثورات، التي تتسارع خلالها عملية التغيير بشكل كبير. في الواقع هذه الأحداث هي التي تشكل القوة المحركة الرئيسية للتطور التاريخي.

السبب الجذري للتغيرات الثورية هو واقع أن نظاما اجتماعيا واقتصاديا قد وصل إلى حدوده القصوى وصار غير قادر على تطوير القوى المنتجة كما كان يفعل من قبل. تحلل الماركسية العوامل الرئيسية الخفية التي تكمن وراء تطور المجتمع البشري منذ المجتمعات القبلية حتى العصر الحديث. إن المفهوم المادي للتاريخ يمكننا من فهم التاريخ، ليس كسلسلة من الحوادث الغير مترابطة والغير متوقعة، وإنما كجزء من عملية مترابطة ومفهومة بشكل واضح. إنه سلسلة من الأفعال وردود الأفعال التي تشمل السياسة والاقتصاد ومجموعة كاملة من التطورات الاجتماعية.

إن العلاقة بين كل هذه الظواهر هي علاقة جدلية معقدة. كثيرا ما تبذل محاولات لتشويه الماركسية عن طريق اللجوء إلى وصف منهجها في التحليل التاريخي بصورة كاريكاتورية. والتشويه المعتاد هو القول بأن ماركس وإنجلز “اختزلا كل شيء إلى الاقتصاد”. لقد رد ماركس وإنجلز عدة مرات على هذه السخافة، كما هو واضح في المقتطف التالي من رسالة لإنجلز إلى بلوخ :

“وفقا للمفهوم المادي للتاريخ، يعتبر العنصر الحاسم في التاريخ هو، في نهاية المطاف، إنتاج وإعادة إنتاج الحياة. ولم نؤكد لا أنا ولا ماركس على أكثر من هذا. وبالتالي، فإذا ما قام شخص بتحويل هذا إلى القول بأن العنصر الاقتصادي هو العنصر المحدد الوحيد، فإنه يحول هذا الموقف إلى عبارة لا معنى لها ومجردة وفارغة”.

البيان الشيوعي

أكثر الكتب التي يمكن للمرء أن يقرأها اليوم راهنية هو البيان الشيوعي، الذي كتب سنة 1848. صحيح أنه من الممكن إدخال التغييرات على هذا التفصيل أو ذاك، لكن من حيث الجوهر ما تزال أفكار البيان الشيوعي راهنية وصحيحة مثلما كان عليه الحال عندما كتبت لأول مرة. وعلى النقيض من ذلك، فإن الغالبية الساحقة من المؤلفات التي كتبت منذ قرن ونصف من الزمان لم يعد لديها اليوم سوى أهمية تاريخية.

الشيء الأكثر لفتا للنظر في البيان هي الطريقة التي يتوقع بها أكثر الظواهر الأساسية التي تشغل اهتمامنا على الصعيد العالم في الوقت الحاضر. دعونا نتأمل مثالا واحدا: في الوقت الذي كان ماركس وإنجلز يكتبان فيه البيان، كان عالم الشركات المتعددة الجنسيات ما يزال لحنا من المستقبل البعيد جدا. لكنهما على الرغم من هذا، أوضحا كيف أن “التجارة الحرة” والمنافسة ستقودان حتما إلى تركز رأس المال واحتكار القوى المنتجة.

من المضحك قراءة البيانات التي أدلى بها المدافعون عن “السوق” بخصوص خطأ ماركس المزعوم بشأن هذه المسألة، بينما هي في واقع الأمر واحدة من أكثر توقعاته براعة ودقة. والحقيقة التي لا جدال فيها اليوم هي أن عملية تركز رأس المال التي توقعها ماركس قد حدثت وتحدث، بل في الواقع وصلت إلى مستويات لم يسبق لها مثيل في غضون السنوات العشر الماضية.

على مدى عقود طويلة حاول علماء الاجتماع البرجوازي دحض هذا التأكيد و”إثبات” أن المجتمع أصبح أكثر مساواة، وأن الصراع الطبقي، نتيجة لذلك، صار مسألة بالية مثل النول والمحراث الخشبي. قالوا إن الطبقة العاملة اختفت وإننا صرنا جميعا من الطبقة المتوسطة. أما بالنسبة لتركيز رأس المال، فإن المستقبل للشركات الصغيرة، و”كل صغير جميل”.

كم تبدو هذه المزاعم مضحكة اليوم! الاقتصاد العالمي بأسره يوجد تحث سيطرة ما لا يزيد عن 200 شركة عملاقة، أغلبها في الولايات المتحدة. وقد وصلت سيرورة الاحتكار أبعادا غير مسبوقة. في الربع الأول من عام 2006 بلغت عمليات الدمج والتملك في الولايات المتحدة عشرة مليارات دولار في اليوم. لكن هذا النشاط المحموم لا يعني تطويرا حقيقيا للقوى المنتجة، بل العكس. ووتيرة الاحتكار لا تقل بل تزداد. في 19، 20 نوفمبر2006 بلغت قيمة عمليات الدمج والتملك في الولايات المتحدة مستوى قياسيا بلغ 75 مليار دولار – في غضون 24 ساعة فقط! عمليات الاستيلاء [التي تقوم بها الشركات على بعضها البعض] هي نوع من أكل لحوم البشر يتبعها حتما نزع الأصول وإغلاق المصانع والتسريحات، أي أنه بواسطة هذا التدمير المتعمد لوسائل الإنتاج تتم التضحية بآلاف مناصب الشغل على مذبح الربح.

وفي الوقت نفسه هناك زيادة مستمرة في عدم المساواة. في جميع البلدان تسجل حصة الأرباح من الدخل القومي أعلى مستوى، في حين أن حصة الأجور هي عند مستوى منخفض بشكل قياسي. السر الحقيقي وراء النمو الحالي هو أن الرأسماليين يستخرجون كميات قياسية من فائض القيمة من الطبقة العاملة. ففي الولايات المتحدة الأمريكية ينتج العمال في المتوسط أكثر بنسبة الثلث مما كانوا ينتجون قبل عشر سنوات مضت، ورغم ذلك فإن الأجور الحقيقية جامدة أو أنها تنخفض بالأرقام الحقيقية. الأرباح تتصاعد والأثرياء يزدادون ثراء أكثر من أي وقت مضى على حساب الطبقة العاملة.

دعونا نأخذ مثالا آخر أكثر إثارة للانتباه : العولمة. إن الهيمنة الساحقة للسوق العالمية هي المظهر الأكثر أهمية في عصرنا، وهذا يفترض أن يكون اكتشافا حصل مؤخرا. في الواقع إن العولمة قد تم توقعها وشرحها من قبل ماركس وإنجلز منذ أكثر من 150 عاما مضت. لكن عندما كتب البيان، لم تكن هناك عمليا أية معطيات ملموسة لدعم هذه الفرضية. كان الاقتصاد الرأسمالي الوحيد المتقدم حقا هو الاقتصاد الانجليزي. كانت الصناعات الناشئة في فرنسا وألمانيا (التي لم تكن موجودة حتى ككيان متحد) ما زالت محمية وراء حواجز جمركية مرتفعة- الأمر الذي تنساه الحكومات الغربية والاقتصاديون البرجوازيون بسهولة اليوم، في الوقت الذي تقدم فيه المحاضرات لبقية العالم بشأن الحاجة إلى فتح اقتصاداتها.

نتائج عولمة “اقتصاد السوق” على الصعيد العالمي مرعبة. في عام 2000 كان أغنى 200 شخص في العالم يمتلكون ثروة تساوي ما يملكه 2 مليار من الأشخاص الأكثر فقرا. ووفقا لأرقام الأمم المتحدة، يعيش 1. 2 مليار شخص بأقل من دولارين في اليوم. ومن بين هؤلاء يموت ثمانية ملايين من الرجال والنساء والأطفال كل عام لأنهم لا يملكون ما يكفي من المال من أجل البقاء. يتفق الجميع على أن قتل ستة ملايين شخص في المحرقة النازية جريمة فظيعة ضد الإنسانية، لكن لدينا هنا هولوكوست صامت يقتل ثمانية ملايين من الأبرياء كل عام ولا أحد يقول أي شيء عن هذا الموضوع.

جنبا إلى جنب مع أبشع أشكال البؤس والمعاناة الإنسانية هناك فورة في الأرباح والثروات الفاحشة. هناك في العالم اليوم 945 مليارديرا يمتلكون ثروة إجمالية قدرها 3. 5 تريليون دولار. كثير منهم مواطنون أمريكيون. بيل غيتس يمتلك ثروة شخصية تقدر بنحو 56 مليار دولار، ولا يبتعد عنه وارين بوفيت كثيرا بثروة تبلغ 52 مليار دولار. وهم يتباهون الآن بالقول بأن هذه الثروات تمتد إلى “الدول الفقيرة”. من بين أكبر الأثرياء هناك 13 مواطن صيني، 14 مواطن هندي و19 مواطن روسي. ومن المفترض أن يكون هذا سببا للاحتفال!

الصراع الطبقي

تعلمنا المادية التاريخية أن الظروف المادية تحدد الوعي. والمشكلة هي أن الوعي ما يزال متخلفا عن تطور الشروط الموضوعية، والمنظمات الجماهيرية ما تزال متخلفة خلفهما، وفوق كل شيء ما تزال قيادة الطبقة العاملة متأخرة أبعد من ذلك. هذا هو التناقض الرئيسي في الفترة الحالية. يجب أن يحل هذا التناقض، وسوف يحل.

دائما ما يقدم المثاليون الوعي باعتباره القوة المحركة لكل التقدم البشري. لكن حتى الدراسة الأكثر سطحية للتاريخ تظهر أن الوعي البشري يميل دائما إلى التخلف عن الأحداث. إن الوعي أبعد ما يكون عن الثورية، إنه بالفطرة محافظ للغاية. معظم الناس لا يحبون فكرة التغيير، ناهيك عن الاضطرابات العنيفة التي تغير الظروف القائمة. إنهم يميلون إلى التشبث بالأفكار المألوفة، والمؤسسات المعروفة، والأخلاق التقليدية ودين النظام الاجتماعي القائم وقيمه. لكن جدليا، تتغير الأمور إلى نقيضها. عاجلا أو آجلا، سوف يصير الوعي متماشيا مع الواقع بطريقة متفجرة. وهذا هو بالضبط ما تعنيه الثورة.

توضح الماركسية ان مفتاح كل التطور الاجتماعي، في آخر التحليل، هو تطوير القوى المنتجة. فما دام المجتمع يسير إلى الأمام، أي طالما أنه قادر على تطوير الصناعة والزراعة والعلوم والتكنولوجيا، فإن الغالبية العظمى من الناس ينظرون إليه باعتباره يستحق البقاء. في ظل هذه الظروف، لا يميل الرجال والنساء عموما إلى التشكيك في المجتمع القائم، والأخلاق والقوانين السائدة، بل على العكس من ذلك، ينظرون إليها على أنها أمر طبيعي وحتمي مثل شروق الشمس وغروبها.

الأحداث العظيمة ضرورية لتمكين الجماهير من التخلص من عبء التقاليد والعادة والروتين الثقيل، وتبني أفكار جديدة. هذا هو الموقف الذي يتبناه المفهوم المادي للتاريخ، والذي أعرب عنه كارل ماركس ببراعة في العبارة الشهيرة “الواقع الاجتماعي يحدد الوعي”. لا بد من أحداث عظيمة لفضح اختلال النظام القديم وإقناع الجماهير بضرورة القضاء عليه بشكل نهائي. هذه العملية ليست تلقائية وتستغرق وقتا.

في الفترة الماضية بدا كما لو أن الصراع الطبقي في أوروبا صار شيئا من الماضي. لكن الآن كل التناقضات المتراكمة بدأت تصعد إلى السطح، ممهدة الطريق لانفجار الصراع الطبقي في كل مكان. حتى في بلدان مثل النمسا، حيث تمكنت الطبقة الحاكمة لعقود من شراء السلام الاجتماعي بواسطة الإصلاحات، ها هي الأحداث العاصفة بدأت تتحضر. إن الوضع يتضمن تغيرات حادة مفاجئة.

عندما كتب ماركس وإنجلز البيان، كانا شابان في التاسعة والعشرين والسابعة والعشرين من عمرهما على التوالي. كانا يكتبان في ظل فترة ردة رجعية هائلة. وكانت الطبقة العاملة تبدو جامدة. البيان نفسه كتب في بروكسل، حيث اضطر كاتباه إلى الفرار كلاجئين سياسيين. لكن وفي اللحظة التي رأى البيان الشيوعي فيها النور، فبراير 1848، كانت الثورة قد اندلعت بالفعل في شوارع باريس، وانتشرت على مدى الأشهر التالية كالنار في الهشيم في كل أوروبا تقريبا.

إننا ندخل مرحلة انفجارات قوية ستستمر لعدة سنوات، مشابهة للمرحلة التي عاشتها اسبانيا من سنة 1930 حتى 1937. ستكون هناك هزائم ونكسات، لكن في ظل هذه الظروف سوف تتعلم الجماهير بسرعة كبيرة. بالطبع يجب علينا ألا نبالغ، فما زلنا في البدايات المبكرة لعملية التجدر. لكن من الواضح جدا هنا أننا نشهد بداية تغيير في وعي الجماهير. عدد متزايد من الناس صاروا يشككون في الرأسمالية، وهم منفتحون على الأفكار الماركسية بطريقة لم تشهد من قبل. وفي المرحلة المقبلة ستصير الأفكار التي كانت مقتصرة على مجموعات صغيرة من الثوار راية لملايين الأشخاص.

يمكننا بالتالي أن نجيب السيد فوكوياما على النحو التالي : إن التاريخ لم ينته. إنه في الواقع، بالكاد بدأ. وعندما ستنظر أجيال المستقبل إلى الوراء إلى “الحضارة” الحالية، سيكون لديهم تقريبا نفس الموقف الذي لدينا من مجتمع آكلي لحوم البشر. إن الشرط المسبق لتحقيق مستوى أعلى من التطور البشري هو إنهاء الفوضى الرأسمالية ووضع خطة إنتاج عقلانية وديمقراطية يمكن بواسطتها للرجال والنساء أن يأخذوا حياتهم ومصائرهم بأيديهم.

سيقول لنا “الواقعيون” المزعومون “هذه يوتوبيا مستحيلة!”. لكن الأمر الغير واقعي تماما هو أن نتصور أنه يمكن حل المشاكل التي تواجه البشرية على أساس النظام الحالي الذي دفع العالم إلى حالته المزرية هذه. إن القول بأن البشرية غير قادرة على إيجاد بديل أفضل لقوانين الغاب هو تشهير بشع بالجنس البشري.

من خلال تسخير الإمكانات الهائلة للعلوم والتكنولوجيا، وتحريرها من قيود الملكية الخاصة والدولة القومية الخانقة، سوف يصبح من الممكن حل جميع المشاكل التي تنهك عالمنا وتهدده بالدمار. سوف يبدأ التاريخ البشري الحقيقي فقط عندما سيقضي الرجال والنساء على العبودية الرأسمالية ويقطعون الخطوات الأولى نحو عالم الحرية.

Written by حليمْ

15 أكتوبر 2012 at 1:10 ص

الإنتهازيّة بين النخب الليبرالية و الاحزاب الثورية / نون.

leave a comment »


- 0 -

- 1 -

إنّ العلاقة الطرديّة بين النخبة الليبرالية و مسألة التحزّب الثوري هي ليست بظاهرة حديثة ، بل لها تاريخ طويل. و يرى الكثير ممن ينتمون للتيارات الليبراليّة بأن التحزّب الثوري ماهو الا انعكاس لفئة انتهازيّة تريد ان تستأثر بالسلطة على حساب الجماهير التي اشعلت الثورات بأرادتها العفويّة. و هذا يعود للتنظير البحت من دون العودة الى تاريخ الممارسة الثورية و علاقتها الجذريّة بالطبقة ، فالانتهازيّة هي في الاساس ممارسة متجذّرة في الاحزاب الليبراليّة مع كل حملة انتخابيّة تروّج للأحلام و الوعود الكاذبة و تؤثّر سلبياً على الوعي الجماهيري. فهي اذاً ليست ظاهرة ثوريّة ، بل الانتهازيّة هي ممارسة اعتياديّة لدى احزاب تمثّل طبقة انتهازيّة – استحوذت على رأس المال و على السلطة السياسية و في نفس الوقت تنادي بالديمقراطية مع انها هي الطبقة الوحيدة المستفيدة من الحروب و الأفقار – الا وهي الطبقة البرجوازية. و مع ذلك ، لقد تم تشويه الحراك الثوري الحقيقي على يد انتهازيون ثوريون من امثال كاسترو و عبدالناصر و ماو ، و هذا لا يؤثّر سلبياً على المنهج الثوري بمجمله ، بل يجعلنا نتسائل جدياً عن علاقة تلك الاحزاب بالطبقة العاملة ، لأن كاسترو و ماو و عبدالناصر لم يمثّلو الطبقة العاملة – فكانت الانتهازيّة هي الطريقة الوحيدة لتلبية مصالحهم الطبقيّة. بينما الاحزاب الاشتراكية تؤمن بأن التنظيم هو مسألة حتميّة لنجاح اي ثورة حتى و لو بدأت بعفويّة ، لأن التطوّر من الوعي الإصلاحي الى الوعي الثوري يحتاج الى تنظيم والتطور من الوعي النقابي الى الوعي الإشتراكي ايضاً يحتاج الى تنظيم، وكل الاسئلة المهمة بخصوص علاقة السلطة بالفرد و الفرق بين الديمقراطية البرجوازية و الديمقراطية العمالية لا يتم العثور عليها عن طريق الفضفضة بعفويّة. ان دور الاحزاب الاشتراكية في الصراع هو استقطاب اكثر الفئات التقدميّة من الطبقة العاملة و توظيف جهودهم الثوريّة لقيادة الطبقة العاملة بمجملها ، نظراً لأن الوعي الجماهيري متفاوت و متباين ، و لو كان الامر غير ذلك: لبصقوا عمّال العالم على الطبقة البرجوازية و جعلوهم يموتون غرقاً – و انتهى الامر ، لكن الحقيقة هي ان التنظيم هو مهم لتوحيد جهود الطبقة المضطهدة ضد الطبقة التي تسبب لها الاضطهاد ، و في حفظ ذاكرة الصراع و تعميم التجربة الثوريّة لدى كل العمال. ان الانتهازيّة هي سمة نخبويّة ايضاً ، فتجاهل القضايا الاساسية التي تعاني منها الطبقة العاملة كمسألة العدالة الاجتماعية هي في قمّة الانتهازية التي اصبحت مسألة متجذّرة في الطرح الليبرالي المحلي. الطريقة التي يفهمون فيها الصراع – كما لو هو مختزل بين الخرافة و العلم – هو ايضاً نظريّة في قمة الانتهازية ، نظرتهم للمرأة كما لو انها كائن مجرّد من العلاقات الاجتماعية سواء كانت تسكن القصور او تسكن العشش – فالطبيعة واحدة ، و منهج التحرر هو واحد ، هذا ايضاً انتهازيّة. التعامل مع مؤسسات السلطة كما لو هي فقط بحاجة الى القليل من الاصلاح هو فعلاً انتهازيّة ، فمن الغريب ان ينتقد تيّار بأكمله الانتهازية و هو كل مافيه انتهازي !!

هناك انقسام واضح في صفوف المثقّفين و فهمهم للحراك الثوري ، فهناك من يتعامل مع “رجل الشارع” كما لو هو مجرّد كائن يستقبل الخرافة و الدجل و الكذب السياسي و يطبّق كل شيء من دون نقض او رفض ، وهناك من يؤمن بأن الجماهير الغفيرة من “رجال الشوارع” – و لاحظ ان لا يوجد امرأة شارع في لغتهم العنصريّة – سوف تستطيع بجدارة ان تغيّر المجتمع بشكل حتمي و عفوي و لا يحتاجون الى اي تنظيم او قيادة او حزب. و كلى الرؤيتين لا تخلوا من المغالطات ، لأنهم كما اسلفنا ، لا يعتمدون على التجربة العمليّة و التاريخ الثوري. ان الحزب الثوري هو ليس مجرد حفنة من البيروقراطيين الذين يبحثون عن مكاسب سياسية ، بل ينشأ الحزب الثوري كنقيض للسياسات الانتهازية التي تقودها احزاب تعتاش على هذا النمط من السياسة ، بينما سياسة الحزب الثوري مغايرة تماماً: هو طليعة الطبقة العاملة ، كما وصفها لينين. لقد وصف تروتسكي الحزب الثوري بمقولة رائعة مشبهاً الحراك الثوري مثل محرّك البخار ، فالجماهير هي مثل البخار و الحزب مثل المكبس ، فالبخار من دون مكبس سيكون غير قابل للعمل بشكل سليم ، و المكبس من دون بخار سيكون غير فعّال و لا فائدة منه. اذن لا فائدة من حزب من دون طاقة و حراك جماهيري ، و ستكون حركة الجماهير غير منظمة مما قد يؤدي الى فشلها اذا لم يكون هناك حزب يدير طاقتها بشكل فعّال. ان الكثير من المثقفين الذي يحاولون الوقوف على الحياد في الحقبة الثورية ، هم في الحقيقة لا يقفون ابداً على الحياد ، بل ان الثورة ما هي الا نتيجة عكسيّة ضد المؤسسات الحكومية و الاقتصادية المتحيّزة ضد الجماهير. و المثقّف لا يعيش خارج المجتمع ، بل له موقع و دور اجتماعي في ضمن العلاقات الاجتماعيّة الموجودة. لذلك يخفق الكثير من المثقفين في فهمهم للثورة ، فيقولون لو حدث تغييراً استثنائياً في السعودية على سبيل المثال ، فلربما تحولنا مثل دولة الكويت بنظامها البرلماني الديمقراطي. و الديمقراطية لم تمنع البرلمان الكويتي من سنّ اكثر القوانين عنصرية و قمعية و التي اتت بمباركة جماهيرية سواء في تعاملهم مع قضية البدون او القوانين التي تنتهك حرية التعبير. مع ذلك ، يجب ان نفهم بأن الديمقراطية الشكليّة في النظام الكويتي هي ليست ديمقراطية حقيقية ، وأن النظام السياسي المستنسخ لديهم ليس نظام مبني على العدالة الاجتماعية. بل يمكن للأمير ان يحلّ الحكومة و يطلب منها ان تذهب للجحيم متى ما أراد ، و كل الاعضاء المنتخبين لا يمثّلوا الشعب الكويتي ، بل هم منشغلين تماما لإدارة شؤون الطبقة البرجوازية الكويتية ، لذلك لا نسمع عن البرلمان الكويتي انه قام بحلّ قضية اجتماعية مهمة. هو برلمان يدير شؤون الاقليّة على حساب الاغلبيّة ، و لن تنعم الشعوب بالديمقراطيّة حتى تحصل على القوة الاقتصادية و السياسية – بل كما قال توني كليف: “مالفائدة في ان يعيش شخص نصف ساعة من الحرية و حياة بأكملها من العبودية” ، بالفعل .. إن المواطن الكويتي لا يمارس الديمقراطية الا خمس دقائق كل بضع سنوات ، و بعدها يستقيل من اللعبة السياسية و يرجع الى نمط العبودية ، فإذا أضفنا كل خمس دقائق بطريقة تراكمية على معدل حياة المواطن سنكتشف بأنه لا يمارس عملية الانتخاب الا نص ساعة من حياته ، ولا يستطيع شخص غير مدعوم من القوى البرجوازية ان يصل الى المقعد البرلماني وإن وصل بأعجوبة سيكون محاصر بشتى القوانين الصارمة و لن يستطيع التغيير او الاستمرار، خصوصاً و ان الحملات الانتخابية ليست دعايات مجانية ، بل تحتاج الى ثروة طائلة و احتراف في الترويج الكاذب كي يحصل على الاصوات. نحن نتحدّث عن ديمقراطيّة تخترق كل شؤون الحياة – الصغيرة و الكبيرة – و لا تقف عند حدّ معيّن. ديمقراطيّة في مكان العمل و في اختيار رئيسك في العمل و في اختيار القضاة و في اختيار كل القرارات الرئيسية في المجتمع ، و هذه الحرية لا تمنح على طبق من ذهب بل تؤخذ عبر سيرورة ثورية من الاحتجاجات و التنظيمات التي تحدث بإستمرار في حياتنا اليومية.

إنّ كل الثورات السابقة نجحت عبر تنظيمات ، و التي اخفقت كان اخفاقها لأسباب تنظيميّة. فلو عدنا للثورة الفرنسية في عام 1871 كانت عبر كمونة باريس التي تعتبر تنظيم سياسي ، و نجح هذا التنظيم في ادارة باريس لعدة اسابيع ، و كان للمرأة دور بارز في نجاح الثورة الفرنسية. و ايضاً لو رجعنا لثورة 1917 في روسيا لوجدنا بأن الفضل يعود الى الحزب البلشفي و السوفيت بقيادة تروتسكي و لينين ، و هذا بحدّ ذاته تنظيم ، و هناك العديد من الامثلة التاريخية مثل: اسبانيا في الثلاثينات و الميليشيات الثورية ، و هنغاريا في الخمسينات و اللجان العمالية ، و فرنسا في ال 68 ، و امثلة كثيرة اخرى و منها علاقة التنظيمات النقابيّة في تونس و مساهمتها الثورة التونسيّة ، و اضرابات الملايين من العمّال في المحلّة و السويس و حلوان و القاهرة و الاسكندرية و مساهمتهم الفاعلة في اسقاط نظام مبارك.

إنّ الانتهازيّة و النفعيّة هي ليست نظرية تحتاج المجابهة وحسب ، بل هي ايضاً مسألة تكتيكية عند بعض القياديين النقابيين و العمال الثوريين و الاشتراكيين و الشيوعيين ، حيث احياناً نجد بأن هناك شخص يتفوّه بكلمات طائفيّة في مظاهرة حقوقيّة ، اذا لم نردّ عليه كثوّار اصبحنا نفعيين و انتهازيين ، و هناك العديد من الحركيين يرون بأن السكوت هو وسيلة لتوحيد الصفوف ، لكن هذا في قمة الانتهازية. و لو تركنا المظاهرة لأن فيها عدة اشخاص طائفيين لأصبحنا متعصبين و هذا التعصّب يؤثّر على مصلحة الطبقة العاملة وتوحيد صفوفها في الصراع. بل يجب ان لا نختار لا هذا و لا ذاك ، يجب ان نواجه العنصرية و الطائفيّة و الاستغلال بكل وضوح و في نفس الوقت يجب ان نكرّس روح التضامن بين افراد الطبقة الكادحة ، لذلك علينا كـ اشتراكيين ثوريين أن نكافح و نناضل من اجل تنظيم حزب ثوري مستقل، وايضاً نكافح ضد الانتهازيّة و التعصّب في كل ميادين الصراع من اجل مستقبل أفضل للبشريّة.

                                                                                                                                             

Written by حليمْ

4 أغسطس 2012 at 6:42 ص

- على قفا من يشيل ..

leave a comment »


1

يضربون سعود لكنهم في ذات الوقت يدعون له بالشفاء, يتعجبون من تصرفاته وهو ضحيتهم, يكفخه بدر طراقين على خده: فقط لأنهُ قاطعه في الكلام. مجنون. لأنه يقول الحقيقة كما هي. مجنون: لأنه يصرخ في الشارع, ثورة ثورة حتى النصر وتوت توت عابيروت. يقومون, يتركون محلاتهم حينما يدخل. يتكلم عن اليسوع, عن ثورة الخضر, عن الخميني, عن سقراط, عن سعد زغلول. عن آسيا والدة موسى, فيسرح كبحر مشقوق ويقول: على الرغم من أنني لا ألبس مآي آندر وير إلا أنني نبي يا أغبياء, الحسد كما العري فلسفة, وهل كانوا الأنبياء أنفسهم؟ ألا يسمح لنا نحن الأنبياء بيوم عطلة؟ ألم يطمع كل نبي بأن يكون أفضل من النبي الذي سبقه؟ هل كانوا وحي, أمل أو اعتراف رباني في غاية التهذيب؟ هل كانوا تأويل؟ هل كانوا إسقاط؟ هل كانوا غيرهم؟ هل كانوا مرضى نفسيين مثلي أنا؟ هل كانوا سيحبون طعام مستشفى الأمل؟ هل يملكون معجزاتي؟ ماذا كانوا سيفعلون أمام ثقافة الاستهلاك وعقيدة ضبط الذات وهيجان الأنا الاقتصادي؟ هل يستطيعون منع هستيريا الاستهلاك وبناء حواجز إسمنتية تشغل الميدان المتروك لثقافة الربح وعصابات الكسب المئطور لحالة الانجذاب إلى الربح الجاهز؟ كيف نوقف قوة ديكتاتورية الدعاية والإعلان والعولمة أمام مثابرات الناس البسطاء؟ هو مريض نفسي من الدرجة الثانية: بتقديري. لا شك في ذالك. لكنه ليس بمجنون. نحنُ المجانين. هذا المجتمع مجنون. سعود ليس إلا ضحية رجال الدين: نسفتهُ الخرافات والأحقاد والحوافز الفردوسية, نسفته النشوة الغير اعتيادية في اللاشعور عند من يوقعون صكوك الغفران بعد صلاة الفجر. تبريراً لهذا الهجوم العنيف على علماء الدين الأفاضل: هو ضحية مجتمع بأكمله, هذا الجيل والجيل السابق وكل جيل. سقطوا في التناقض بشكل تعاقبي, علمونا المبادئ الصورية للصبر وللحب وطبقوا علينا الكراهية والعجلة المادية, أساساً: متى آخر مرة تكلمت فيها مع والدك أو والدتك عن الحب والتسامح والرحمة وفعل الخير وكف الأذى عن الطريق وتغسيل المواعين وحلاقة شعر العانة وإعفاء شعر الدبر؟ أليس هكذا يكتب العبقري , النابغة سلمان العودة ومن هم مثله؟ فبوجود هذا الكم الهائل من الشفافية وطالبي الثواب من عند مايسمون بالعامة, لا أستغرب أبعاد مرض سعود النفسي فهو يعترف بذالك بنفسه ولم يحاول أن يعتم على هذا الاعتراف لا إعلامياً ولا ثقافياً ولا محلياً ولا عالمياً ولا رياضياً ولا فيزيائياً, لكنني أستغرب مثابرة الناس في مشاركة رجال الدين والسياسة في هذه اللعبة القذرة حتى صاروا مثلهم, يبرعون في الإقناع وإسفاف الفكر والتلاعب بالعقول و يتسللون بصورة ماهرة إلى سلوك النفس البشرية ويدعون الوعي والثقافة وهم ليسوا إلا إفرازات مأساوية انتهازية لأنظمة خانعة غاشمة متجعدة, يستمدون شبابهم وقوتهم من خطايا البشر وهواجس الانحلال والأمراض النفسية: ما أتفه حالومياتكم!

2 

قالوا: تعذبوا الآن, تحملوا السياط والقمع والاضطهاد والسحل والصخور والمشانق والعويل, تحملوا الصياح والماء البارد والنهم القديم والليل الطويل, لهم هذه الدنيا الحقيرة الوضيعة الغريبة, لهم القصور والدبور والذهب والبترول والشوارع النظيفة والخمور, لنا الجنة في الآخرة يا فئران الحياة الخشبية! خسرنا المعركة لكننا – قطعاً – سنربح الحرب الأخيرة.فتحوا صناديق الوحشة واليأس والصبر وقالوا هيّا, مدوا أيديكم, وكي تضمنوا التجول في الجنة والجلوس مع من تحب بعيداً عن أعين الهيئة والأهل والجرسون والصحافة وكاميرات الجوال والشيطان والدول الأجنبية : سموا بناتكم مريم, سميها عائشة, سميها فاطمة, سميها زينب, سميها خديجة, ولا تنسى أيها الرجل الكامل: المرأة لا يمكن أن تكون مستقيمة فهي مولودة من ضلع أعوج! وضحوا لنا الأمر, أيها الخطباء والأدباء والتجار والحاصلين على الأوسمة, أو من هم في طريقهم للحصول على أوسمة, واجهوا الواقع, لا, ففي الواقع لا نصيب لنا من الواقع, فالواقع أمر دنيوي بحت, صريح, ليس له علاقة بما يحدث لنا على أرض الجنة المبروكة هذه!  

3 

أيها المواطنون الأحرار, المقدامين, المتعلمين, الرقيقين: لماذا كل هذا البؤس؟ صفقوا, صفقوا, لا تتخاطبوا همساً, من سيسمعك في هذا المدرج الروماني الثائر؟ صفقوا: بعدد كوابيس الفقراء والمظلومين والتحيات اليومية في يوم العطل الاعتباطية اللا رسمية , بعدد الألم القاسي في أعماق المسجون و العاشق والعامل والطفل والعاطل والحلاق والزبال والراعي والمخبر والجزار والقهوجي والمهرج والسباك, صفقوا بعدد أولاد الحرام والجثث المدفونة بالحظ والإبداع ألذي نراه في أتفه الأشياء من المنشئات الحكومية والقصور ودار الإفتاء وشاليهات الأثرياء والأسواق التجارية والفنادق النبراسية والملتقيات الثقافية المتحدة مع القضية وصولاً للحدائق العامة والمكتبات والمقابر والمتاحف والمسارح والسينمات والأحياء الشعبية وسائقي السيارات والتكاسي والمسابقات الرياضية والحمامات الجوفية والمدارس الرادارية الحديثة, صفقوا للعدل المنتشر بيننا كالبعوض, كالياسمين, كراحة البال, كالهواء النقي الجميل بل العدل هُنا: على قفا من يشيل: كدبابات الاحتلال والفساتين.

Written by حليمْ

29 ديسمبر 2011 at 7:03 م

- بقولو صغير بلدي *

leave a comment »


- مضى أكثر من 150 يوم.

- لا نستطيع أن نعيش في عزلة عن الجماهير.

- لا نستطيع ممارسة الانتقاد ضد الآخر من دون ممارسة الانتقاد الذاتي, بل والتشديد كثيراً على اخطائنا. 

- لا نستطيع أن نبني مفاهيمنا السلبية للنضال ضد شيء ما, علينا اقامة نضالنا الإيجابي ضد كل الأشياء السلبية!

- لا نستطيع أن ننتظر مكتوفي الأيدي وأن تمنعنا الشروط الموضوعية والذاتية المتحققة بفعل الآلية المعقدة لنضال الطبقات على منعنا من محاولة اسقاط السُلطة بين يدي الشعب كما تسقط الثمرة اليانعة.

- لا نستطيع أن نتجاهل المعطيات الضرورية ألتي ستساعدنا وتقودنا إلى طريق النصر. أن نعرف كيف نتراجع ومتى نتقدم إلى مدى أبعد, فالهدف الجوهري هو استغلال أوقات التقهقر الاجتماعي والسير نحو أوضاع جديدة أفضل.

- لا نستطيع أن نتقدم في كفاحنا دون الاعتراف بكمية المفاهيم التأخرية الرجعية الهائلة ألتي أدخلتها القوة الحاكمة في أذهاننا. لذالك يجب علينا أن نروي نضالنا الغريزي بكافة الاطروحات التقدمية التاريخية المتاحة لنا اليوم.

- سوف يصفعنا الواقع بقوة إذا لم يعي الشعب ضرورة التغيير وظل هكذا يفتقر إلى اليقين بامكانياته الذاتية.

- مهمتنا أن نخلق هذه الامكانية في أرض هذا الوطن كله!

- معظم حالات الثورة تتميّز بفروقاتها وليس بنقاط تشابهها.

- قال المؤرخ الفرنسي ميشيليه في القرن التاسع عشر عن فرنسا عام 1789 : فِي ذالك اليوم كان كل شيء ممكناً, فالمستقبل كان حاضراً, هذا يعني أنّ الزمن لم يعد موجوداً, وبات كل شيء كوميض الأزليّة!

- ألذين يتحدّثون عن زوال الثورات لا يدركون أنّ ” الثورات هي أشبه بالهجرة إلى المستقبل حيث توجد أرض الميعاد في أذهان الذين يؤمنون بها “

- راتب موظف بالمرتبة السادسة عام 1402 : 4000 ريال. راتب موظف بالمرتبة السادسة عام 1432 : 6065 ريال , أي انّ نسبة الفرق بين راتب عام 1402 و 1432 = 66 % , مع الأخذ بعين الاعتبار ارتفاع متوسط الأسعار بنسبة 765. جميل جداً, إذا هذه المعلومات دقيقة وصحيحة لا يسعني إلا أن أقول : بسم الله الرحمن الرحيم, أيها المواطن السعودي المغوار, المختلف, العبقري, الحالة الخاصة, الملائكي : ادفع بطائفيتك وخرافات شيوخك وولائك وعبوديتك ثمن الكفرات والهايلوكس أبو غمارة والحليب والفجل وكرتون الأندومي والحفاظات والكاندومات وحبوب منع الحمل والهم والبطاطا و الطماطا والسمك وفواتير الكهرباء.لا شيء قد ارتفع حقاً منذُ ذالك العام حتى الآن سوى جهلك ومخاوفك وفضائحك وأحقادك!

- أيها الظلم ألذي يعم العالم : كان من الأجدر بك أن تنظف الأرصفة قبل رحيلك وتزهر الغابات وتقتل الوحشة وتنحر التشفي وتوفر الحليب والملابس والكتب لكل طفل. لكنك وغد. وغد. كم أتمنى أن تصطدم قصبة ساقك في زاوية الباب!

- أكاد أنتهي من تلخيص كتاب إميل سيوران ” يوتوبيا وتاريخ ” , إلا أنني عالق كالكستناء المشوية في شتاء تداخل أفكارنا والستائر الصيفية السميكة ألتي تفصل بين شبابيك اللغة وشارع المعنى. غرقت في العتمة. سأتحدث عنه عندما انتهي منه. الحرب مستمرة. إلى الكلام!

- مصر ..
” غشيم يقتل فقير ليرضي حقير بتأييد من غبي! “

- أخيراً
” وبعد الثمانين تأتي ثمانون أخرى
وأرقد في اليوم عشرين ساعة
لأرتاح مما خلقت وممن خلقت
ومن دولة ستعمر فيّ وتركع : سمعاً وطاعة
وتنهار بعدي إذا نمت أكثر مما أنام.
ولاشيء بعدي
فمن يعبدون ؟
وكيف تعيشون بعدي؟
ومن سوف ينقذكم من زمان الجنون؟
ومن سوف يحرس أبوابكم من جراد المطر
ومن سوف يحمل ريح الشمال إليكم
ويحميكم من ذئاب الشجر؟
ومن تعبدون
لمن ترفعون تراتيلكم ولمن تسجدون ،
وتتلون آيات من ؟ “

Written by حليمْ

20 ديسمبر 2011 at 10:52 م

- رسالة دستوفسكي لأخيه بعد حكم الإعدام.

with one comment


أخي الحبيب وصديقي: حصل ماحصل ،وحكم علي بالسجن أربع سنوات وبعدها أعود لألتحق بالجيش ..في هذا اليوم نادونا وقرأوا علينا حكم الإعدام .ثم أمرونا أن نلثم الصليب، ونزعوا ملابسنا وألبسونا قمصاناً بيض .وربطوا ثلاثة منا الى عامود ليطلقوا النار عليهم .وكان دوري السادس وكان النداء على ثلاثة كل مرة ..لم يكن عندها باقياً لي من الحياة سوى دقيقة، وقد ذكرتك ايها الاخ أنت، وأولادك، وعرفت مقدار حبي لك، وقد تمكنت من أن أقبل”بلاتسياف ودوروف”..وكانا واقفين بجانبي وودعتهما .وأخيراً نفخ البوق وأُعلن الأمر بالرجوع ،وحل الذين كانوا قد ربطوا بالعامود.وقرأ علينا أمر الأمبراطور بمنحنا حياتنا والحكم علينا بالسجن..

وقد أبلغت أنهم ياأخي الحبيب سيرسلونني اليوم أو غداً. وقد طلبت رؤيتك فأخبروني أن هذا محال وأن كل مايستطيعونه أن يسمحوا لي بالكتابة إليك. وأنا أخشى أن يكون قد بلغك الحكم علينا بالإعدام ، فقد نظرت من نافذة العربة التي حملتنا الى ساحة الإعدام ورأيت في الطريق جمهوراً كبيراً وخشيت أن يكون من رأوني قد أبلغوك وآلموك بذلك . ولكن الآن يمكن أن تهنأ بشأني ياأخي .

لاتظن أن الحكم قد هدني أو غم علي.. فالحياة في كل مكان هي الحياة. هي بداخلنا وليست فيما هو خارج عنا…وسيكون قريباً مني أناس وسأكون رجلاً بينهم،وأبقى كذلك للأبد، ولن يهن قلبي أوتفشل عزيمتي أمام المصائب.وهذا في إعتقادي هو الحياة أو الواجب في الحياة. وقد حققت ذلك وصار هذا الخاطر جزءاً من لحمي ودمي .أجل فهذا الرأس الذي كان يبتكر ويعيش سمو الحياة الفنية والذي حقق أسمى الحاجات الروحية ،هذا الرأس قد قطع من عاتقي ولم يبق عندي سوى الذكريات والخيالات التي أخترعها ولكنها لم تتجسم في ذاتي بعد ،وأعرف أنها ستمزقني .ولكن مايزال باقياً لي قلبي وهذا اللحم والدم الذي مايزال قادراً على الحب والألم والرغبة.ولاتنس أن هذه هي الحياة.أجل.مازلت أرى الشمس ..

قبل زوجتك وأولادك وأذكرني عندهم كيلا ينسوني فعلنا نلتقي يوماً ما.أخي أوصيك بالعناية بنفسك وأولادك وأن تعيش في هدوء ويقظة .وأن تفكر في مستقبل أولادك. عش عيشاً إيجابياً إني ماشعرت قط بوفرة الحياة الروحية في شخصي كما أشعر بها الآن وأنا مريض .ولكني لاأبالي بذلك .أخي لقد كابدت من الحياة الشيء الكثير حتى مايكاد شيء يخيفني الآن في العالم فليكن ماهو كائن وسأكتب اليك في أول فرصة وأرجو أن تضغط على أيدي الجميع وتصافح جميع أولئك الذين لم ينسوني. وأكتب خطابا الى إخوتي وأخواتي وأفعل ذلك باسمي وأدعوا لهم بالسعادة .

ربما نلتقي ياأخي في المستقبل .لاتهمل العناية بنفسك بل عش وأبق حياً فعلنا نتعانق يوماً ونذكر شبابنا ذلك الوقت الذهبي ،ذلك الشباب وتلك الآمال التي أمزقها الآن من قلبي ودمي كي أدفنها هل يمكن أن أتناول القلم بيدي مرة أخرى؟أظن أني سأعود للكتابة بعد هذه السنوات الأربع وسأرسل لك كل شيء أكتبه إذا أنا كتبت .وارباه ..كم من خيالات عشت فيها , أخترعتها ستموت وتنطفىء في دماغي ،أوتتمزق وتسير في دمي كالسهم أجل .اذا لم يسمح لي بالكتابة فإني سأموت .وخير لي من ذلك أن أسجن خمس عشرعاماً ويكون في يدي قلم .أكتب لي كثيراً وأكتب بالتفصيل والإسهاب وأذكر لي حقائق كثيرة .وفي كل خطاب أكتب لي عن الأسرة مع التفصيل ومع ذكر ألأشياء التافهه .ولاتنس هذا، الخطابات تعيد لي الرجاء والحياة.آه لو تعرف كم أحيتني وأتعستني رسائلك التي وصلتني وأنا في القلعة.. والشهرين والنصف الماضيه حين منعوني من كتابة الرسائل أوتسلمها من أشق ما كابدته وقد كنت مريضاً.

ولما أهملت أنت إرسال النقود إلي ساورني القلق من أجلك لأني فهمت من عدم إرسالك للنقود إنك في حاجة شديدة .قبل الأطفال مرة أخرى ,فوجوههم الصغيرة لاتغيب عن بالي. ولاتحزن لأجلي وثق إني لم أهن والرجاء لم يهجرني، وبعد أربع سنوات سأعود وأعانقك لقد كنت في قبضة الموت ثلاثة أرباع الساعة وعشت هذه المدة بهذا الخاطر. وبلغت آخر لحظة من الحياة وهاأنا ذا حي مرة أخرى .. وإذا كان أحد يتذكرني بسوء ،أوإذا كنت قد تشاجرت مع أحد أوأسأت إليه فأخبره إذا لقيته بأن ينسى الإساءة وليس في نفسي مرارة أونقمة على أحد ،وأود أن أعانق في هذه اللحظة كل واحد من أصدقائي السالفين ،وقد شعرت اليوم بالراحة وأنا أودع أحبابي الأعزاء قبل الموت، وخطر ببالي في هذا الوقت أن خبر إعدامي سيقتلك ولكن إسترح الآن فأنا مازلت حياً .

أسأل ماذا تفعل،وبماذا فكرت اليوم ،وهل عرفت شيئاً عنا ، وماهو مقدار البرد اليوم .آه ماأشوقني الى أن يصل خطابي هذا اليك بسرعة.إذا تأخر فاني سأبق أربع أشهر بدون خطاب منك.وقد رأيت الرسائل التي أرسلت فيها النقود لي منذ شهرين وكان عنواني مكتوباً عليها بخطك سررت برؤية الخط.عندما التفت الى الماضي وأتذكر مقدار الوقت الذي ضاع عبثاً وكم منه ضاع في الأوهام والكسل والجهل بالعيش،وكيف أني لم أقدرالوقت حق قدره،وكيف جنيت على قلبي وذهني ,أحس أن قلبي يسيل دماً.أجل ان الحياة عطية وهي سعادة وكان من الممكن أن نجعل من كل دقيقة منها عصراً طويلاً من السعادة.

والآن حياتي تتغير وأنا أولد من جديد في شكل آخر .أخي .أقسم لك أني لن أفقد الأمل وسأصون روحي وقلبي في الطهارة ،وميلادي الجديد سيكون الى حال أحسن من حالي الماضية .وهذا كل رجائي وعزائي.ان حياة السجن قد قتلت في جسمي مطالب اللحم التي لم تكن كلها طاهرة، ولم أكن قبل هذه الحياة أعنى بنفسي كثيراً أما الآن فالحرمان لاقيمة له عندي ولذلك لاتخشى علي من المشاق المادية وتحسب أنها ستقتلني ،لن يحدث هذا..

وداعاً.وداعاً يا أخي .إني أعانقك بقوة وأقبلك بحرارة ،تذكرني بلا ألم في قلبك، فأرجو أن لاتحزن..وسأخبرك في خطابي الآتي بما يتم لي ..وتذكر عندئذٍ ما أخبرتك به:لاتعش جزافاً دائماً دبر حياتك ورتب حظك وتفكر في أولادك.آه لو أراك اني أنزع نفسي الآن من كل شيء أحببته.وهذا النزاع مؤلم .ومن الموجع أن أقطع نفسي نصفين وأشق قلبي شقين ..وداعاً ولكني سأراك، أنا واعٍ فلاتتغير وأحبني ولاتدع ذاكرتك تبرد..وذكراك ستكون أحسن شيء في حياتي …ومرة أخرى وداعاً .وداعاً لكم جميعاً..

لما قبض علي أخذوا مني كتباً عدة ولم يكن بينها سوى كتابين ممنوع تداولهما.فهل لك أن تطلب الباقي لنفسك ،ولكن لي طلباً وهو أن أحد الكتب يحتوي على مؤلفات فاليرمان مايكوف.وهو مقالاته الأنتقادية .وهذه النسخة كنت أخذتها من أوجينيا بتروفنا .وكانت تعدها كنزاً وقد أقرضتها لي ،ولما قبض علي طلبت من الشرطي أن يرد اليها الكتاب وأعطيته عنوانها .ولاأعرف إذا كان قد رده .أسأل عن ذلك ،لأني لاأحب أن أحرمها هذه الذكرى وأخيراً وداعاً

على الهامش: لاأعرف هل أمشي أم أركب فرساً.وأظن أنهم سيركبون الخيول.ربما.قبل يد أميلي فيدروفنا وقبل الصغار وأذكرني عند كريافسكي .وأكتب لي عنك..

قلعة بطرسبورج في 22 ديسمبر 1849
أخوك ف.دستوفسكي .


Written by حليمْ

14 ديسمبر 2011 at 4:48 ص

خطاب على قبر كارل ماركس .

leave a comment »


توفي ماركس يوم 14 مارس 1883. وبعد ثلاثة أيام ألقى انجلز هذا الخطاب باللغة الانجليزية على ضريح ماركس بمقبرة هايغايت بلندن حيث دفن هناك. تكلم انجلز بالانجليزية وظهر الخطاب في صحيفة ألمانية في ترجمة ألمانية ثم نشر الخطاب بالانجليزية مترجما عن الألمانية.

في الرابع عشر من مارس وعلى الساعة الثالثة إلا ربع ظهرا توقف أعظم مفكر عن التفكير. لقد ترك وحيدا لدقيقتين بالكاد وحينما عدنا وجدناه جالسا في كرسيه نائما في هدوء ولكن إلى الأبد.

إنها خسارة لا تـقاس ضربت كلا من الطبقة العاملة المناضلة في أوروبا وأمريكا وعلم التاريخ بوفاة هذا الرجل. إن الثغرة التي نجمت عن رحيل هذه الروح العظيمة ستبرز بجلاء قريبا.

فمثلما اكتشف داروين قانون تطور الطبيعة العضوية اكتشف ماركس قانون تطور التاريخ البشري: الحقيقة البسيطة التي تخفيها هيمنة الايديولوجيا وهي أن الإنسان يجب أولا أن يأكل ويشرب ويجد المأوى والملبس قبل أن يصبح في استطاعته الإهتمام بالسياسة والعلم والفن والدين الخ… وبالتالي فإن إنتاج الوسائل المادية الضرورية للعيش ومن ثمة درجة التطور الاقتصادي المحققة من طرف شعب ما أو في حقبة ما تشكل الأساس الذي تقوم عليه مؤسسات الدولة والمفاهيم الشرعية والفن وحتى الأفكار حول الدين التي يختص بها هذا الشعب أو ذاك وعلى ضوئها يجب أن تفسر وليس العكس كما هو الحال.

ولكن ليس هذا كل ما في الأمر. فقد اكتشف ماركس أيضا القانون الخاص بالحركة الذي يحكم نمط الإنتاج الرأسمالي لعصرنا والمجتمع البرجوازي الذي خلقه هذا النمط من الإنتاج. إن اكتشاف فائض القيمة سلط الضوء فجأة على المشكلة محاولا حل ما عجزت عن حله جميع البحوثات السابقة من لدن الاقتصاديين البرجوازيين وكذلك النقاد الاشتراكيين.

إن هذين الاكتشافين لأمر كاف في حياة شخص. وسيكون سعيدا ذاك الذي يتسنى له تحقيق ولو إحدى هذين الاكتشافين.

علاوة على ذلك فإنه وفي كل حقل بحث فيه ماركس – ولئن بحث في حقول عديدة ولم يكن ذلك بسطحية في أي منها – حتى في حقل الرياضيات قام ماركس باكتشافات مستقلة.

هكذا كان ماركس رجل علم. إلا أن ذلك لم يكن يمثل ولو نصف هذا الرجل. لقد كان العلم بالنسبة لماركس حركية -دينامية- تاريخية وقوة ثورية. ومهما كان سروره عظيما بأي اكتشاف جديد في العلوم النظرية ولئن كانت تطبيقاتها مستحيلة البلوغ فإنه كان يعيش سرورا من نوع آخر حين يشمل الاكتشاف الجديد تغييرا ثوريا مباشرا في الصناعة وفي التطور التاريخي عموما. فعلى سبيل المثال كان متابعا عن قرب لتطور الاكتشافات المحققة في مجال الكهرباء وآخرها تلك لمارسال دوبري Marcel Deprez.

كان ماركس قبل كل شيء ثوريا. وكانت مهمته الأولى في الحياة المساهمة بطريقة أو بأخرى في الإطاحة بالمجتمع الراسمالي وبمؤسسات الدولة التي جلبها معه وكذلك المساهمة في تحرير البروليتاريا الحديثة الذي كان أول من جعلها تعي بموقعها وحاجاتها وتعي بشروط تحررها. لقد كان الكفاح أمرا أساسيا بالنسبة له فكافح بحب وعزم ونجاح لا ينافسه فيهم إلا قليلون. وكان عمله في الجريدة “الرينانية الأولى” 1842 وفي “إلى الأمام” الباريسية 1844 Vorwarts- وفي جريدة “البروكسالي” Brussler الألمانية 1847 وفي “الرينانية الجديدة” 1848-1849. وفي “التريبيون” النيويوركيةNew York Tribune 1852-1861. وبالاضافة إلى ذلك إشرافه على نشريات نضالية وعمله في منظمات في باريس وبروكسال ولندن وأخيرا توج كل ذلك بتكوينه جمعية الرجال العاملين العالمية. كان ذلك انجازا بإمكان محققه أن يفخر به حتى ولو لم ينجز شيئا غيره.

وكنتيجة لذلك كان ماركس أفضل المكروهين وأكثر المشهَّرين بهم في عصره فقامت حكومات مطلقة وجمهورية على حد السواء بترحيله عن أراضيها وتنافس البرجوازيون من المحافظين أو من أقصى الديمقراطيين بالتشهير والثـلب لشخصه. لقد أزاحوا ماركس كما تزاح خيوط العنكبوت. لكن لم يعر ماركس اهتمامه بذلك ولم يردّ إلا عندما دعته الضرورة إلى الرد. ومات محبوبا ممجدا ونعته الملايين من العمال الثوريين من مناجم سيبيريا إلى كاليفورنيا وفي كافة أنحاء أوروبا وأمريكا.

ولمن المهم القول أنه برغم خصومه العديدين فبالكاد كان له عدو شخصي واحد.

سيخلد إسمه على مر العصور وكذلك أعماله !

 

خطاب ألقاه انجلز  في 17 مارس 1883 في مقبرة هاي غايت Highgate Cemetery في لندن

Written by حليمْ

13 ديسمبر 2011 at 4:33 ص

برونوباور: « المسألة اليهودية » كارل ماركس في خريف عام 1843.

leave a comment »


يطالب اليهود الألمان بالتحرر، فبأي تحرر يطالبون ؟ التحرر كمواطنين، التحرر السياسي.

يجيبهم برونو باور (1): ليس ثمة من هو متحرر سياسيا في ألمانيا. نحن أنفسنا لسنا أحرارا، فكيف نستطيع تحريركم ؟ أنتم اليهود أنانيون. حين تطالبون لأنفسكم كيهود بانعتاق خاص، عليكم أن تعملوا كألمان من أجل انعتاق ألمانيا السياسي، و كبشر من أجل الانعتاق البشري. وألا تشعروا أن النوع الخاص لاضطهادكم و لذُلكم استثناء عن القاعدة وإنما هو تأكيد لها.

أم ترى أن اليهود يطالبون بالمساواة مع أبناء الرعية المسيحيين ؟ إنهم يعترفون بذلك بشرعية الدولة المسيحية و طبقا لذلك بسلطة الاستعباد العام. لماذا يستهجنون نيرهم الخاص إذا كان النير العام يعجبهم ! لماذا ينبغي للألماني أن يهتم بتحرِر اليهود إذا كان اليهودي لا يهتم بتحرير الألماني ؟

لا تعرف الدولة المسيحية إلا الامتيازات، و اليهودي يملك فيها امتياز كونه يهوديا. وله كيهودي حقوق ليست للمسيحيين. فلماذا يطالب بحقوق ليست له، يتمتع بها المسيحيون ؟

حين يريد اليهودي التحرر من الدولة المسيحية فإنه يطاب أن تتخلى الدولة المسيحية عن حكمها الديني المسبق. فهل يتخلى هو اليهودي عن حكمــه الديني المسبق ؟ أفيكون من حقه أن يطلب من غيره أن يتخلى عن الدين ؟

لا تستطيع الدولة المسيحية تبعا لجوهره أن تعتق اليهودي، ولكن لا يستطيع اليهودي أيضا من حيث جوهره أن ينعتق، كما يضيف باور. طالما بقيت الدولة مسيحية واليهودي يهوديا فإِن كليهما على السواء غير قادر على منح التحرر أو تلقيه.

لا تستطيع الدولة المسيحية أن تسلك إزاء اليهود إلا بطريقة الدولة المسيحية، هذا يعني بطريقة منح الامتيازات، أيِ بأن تسمح بتمييز اليهود عن بقية أبناء الرعية، ولكنها تجعله يشعر بضغط المجالات الأخرى المتميزة، وبصورة أشد حين يكون اليهودي في تعارض ديني مع الدين السائد. ولكن اليهودي أيضا لا يستطيع أن يقف من الدولة إلا موقفا يهوديا، هذا يعني أنه يقف من الدولة موقف الغريب، بأن يضع قوميته الوهمية مقابل القومية الحقيقية ويضع قانونه المتوهم مقابل القانون الحقيقي بأن يظن أن من حقه أن يتمايز عن البشرية، بأن يحجم مبدئيا عن المشاركة في الحركة التاريخية، بأن يطمح في مستقبل لا يجمعه بالمستقبل العام. للإنسان شيء، بأن يعتبر نفسه عضوا في الشعب اليهودي ويعتبر الشعب اليهودي الشعب المختار.

إذن فباسم أي شيء تطالبون أيها اليهود بالإنعتاق ؟ أمن أجل دينكم ؟ إنه الدين الأكثر عداء لدين الدولة. كمواطنين ؟ ليس في ألمانيا مواطنون. كبشر ؟ لستم بشرا، شأنكم شأن من توجهون إليهم نداءكم.

طرح باور مسألة تحرر اليهود طرحا جديدا بعد أن وجه الانتقاد إلى الطروحات والحلول التي كانت قائمة حتى ذلك الوقت. إنه يتساءل: ما هي طبيعة اليهودي الذي يريد التحرر والدولة المسيحية التي يفترض أن تحرره ؟ وهو يجيب من خلال نقد للديانة اليهودية، فهو يحلل التناقض بين اليهودية والمسيحية ويوضح جوهر الدولة المسيحية، وكل هذا بشجاعة ووضوح وظرافة وعمق، بأسلوب يتصف أيضا بالدقة والمتانهَ والحيوية.

كينا يحل باور إذن المسألة اليهودية ؟ وما هي النتيجة ؟ إن صياغة مسألة ما تتضمن حلها. ونقد المسألة اليهودية هو جواب عن المسألة اليهودية. الخلاصة هي ما يلي:

علينا أن نحرر أنفسنا قبل أن نكون قادرين على تحرير الآخرين.

أكثر أشكال التناقض بين اليهودي والمسيحي صلابة هو التناقض الديني. كيف يحل المرء تناقضا ما ؟ بجعله مستحيلا. وكيف يجعل المرء تناقضا دينيا مستحيلا ؟ من خلال إلغاء الدين. وحالما يرى كل من اليهودي والمسيحي دين الآخر مجرد مراحل تطور مختلفة للفكر الإنساني ويتعرفا فيهما على جلدي أفعى سلخهما التاريخ و على الإنسان الذي يمثل الأفعى التي كانت في هذين الجلدين، فلن تكون العلاقة بينهما علاقة دينية وإنما علاقة علمية نقدية وحسب، علاقة إنسانية. يكون العلم وحدتها. أما التناقضات في العلم فيحلها العلم نفسه.

يواجه اليهودي الألماني خاصة انعدام التحرر السياسي بوجه عام ومسيحية الدولة الواضحة. إلا أن المسألة اليهودية تكتسب في رأي باور أهمية عامة مستقلة عن الظروف الألمانية. إنها مسألة علاقة الدين بالدولة والتناقض بين التحيز الديني والتحرر السياسي. يطرح التحرر من الدين كشرط أمام اليهودي الذي يريد أن يتحرر سياسيا والدولة التي ينبغي أن تحرره وتكون نفسها متحررة،على السواء.

يقول المرء حسنا، ويقولها اليهودي نفسه أيضا، إذ لا ينبغي لليهودي أن يحرر كيهودي، وليس لأنه يهودي، وليس لأنه يملك مبدأ إنسانيا عاما مصيبا للأخلاق، بل أكثر من ذلك سيتراجع اليهودي خلفالمواطن و يكون مواطن رغم كونه يهوديا وينبغي أن يبقى يهودي. هذا يعني أنه يهودي ويبقى يهوديرغم كونه مواطن و يعيش في ظروف إنسانية عامة: إن طبيعته اليهودية المحدودة تنتصر دائما و أخيرا على واجباته الإنسانية والسياسية. يبقى الحكم المسبق رغم ذلك بطغيان المبادئ العامة عليها. ولكنها حين تبقى فإنها تطغى على كل ما عداها”.

“لا يستطيع اليهودي أن يبقى يهوديا في الحياة العامة للدولة إلا سفسطائيا فقط، ظاهريا. وإذا أراد أن يبقى يهوديا سيصبح المظهر المجرد وجوده الجوهري وينتصر، هذا يعني أن حياته في الدولة تصبح مجرد مظهر أو استثناء مؤقتا للجوهر والقاعدة. (“قدرة يهود ومسيحيي اليوم على التحرر” الملزمة الحادية والعشرون، ص 57)

لنسمع من ناحية أخرى كيفا يطرح باور مهمة الدولة.

«  القد منحتنا فرنسا مؤخرا (مناقشات مجلس النواب في 26 ديسمبر 1840) فيما يتعلق بالمسألة اليهودية – كما تفعل في جميع المسائل السياسية الأخرى على الدوام– مشهد حياة حرة، ولكنها تخرق حريتها في القانون، و هكذا تجعل منه أيضا مظهرا، ومن جهة أخرى تنقض قانونها الحر من خلال الفعل. » (المسألة اليهودية، ص 57).

« لم تصبح الحرية العامة في فرنسا قانونا بعد، ولم تحل المسألة اليهودية أيضا، لأن الحرية القانونية – التي يتساوى فيها جميع المواطنين – في الحياة التي تسيطر عليها وتقسمها الامتيازات الدينية تصبح محددة، وانعدام حرية الحياة هذا ينعكس في القانون الذي يرغم بدور على الموافقة على تقسيم المواطنين الأحرار إلى مضطَهَدين ومضطهِدين » (ص 65).

و إذن فمتى ستحل المسألة اليهودية بالنسبة لفرنسا ؟

« يجب أن يكون اليهودي على سبيل المثال قد كف عن يكون يهوديا، حين لا يدع قانونه يعيقه عن اداء واجباته إزاء الدولة وشركائه في المواطنة، أي أن يذهب مثلا في يوم السبت إلى مجلس النواب ويشارك في المناقشات العامة. يجب إلغاء كل الامتيازات الدينية بشكل عام بما في ذلك أيضا احتكار كنيسة ذات امتيازات خاصة، وإذا كان البعض أو العديدون أو الغالبية العظمى لا تزال تعتقد أن عليها أن تؤدي واجبات دينية، فينبغي أن يترك ذلك لهم كمسألة شخصية بحتة. » (ص 65)

« لا يعود ثمة دين حين لا يعود ثمة دين يتمتع بالامتيازات. خذوا الدين قوته المميزة له فلا يعود له وجود. » (ص 66)

«  حسنا، فكما رأى السيد مارتان دي نور في اقتراح عدم ذكر يوم الأحد في القانون طلب الإعلان بأن المسيحية كفت عن الوجود، فإِنه بنفس الحق (و هذا الحق مبرر تماما) سيكون الإعلان بأن قانون السبت لليهود لم يعد ملزما، سيكون إعلان حل اليهودية. (ص 71)

و هكذا يطلب باور أن يتخلى اليهودي عن يهوديته و الإنسان بوجه عام عن الدين من جهة، ليتحرر كمواطن. ومن جهة أخرى يعتبر الإلغاء السياسي للدين كتبعة لذلك إلغاء للدين بشكل عام. إن الدولة التي تشترط الدين لم تصبح بعد دولة حقيقية، دولة واقعية.

« إلا أن التصور الديني يعطي للدولة ضمانات. ولكن أي دولة ؟ أي نوع من الدول ؟  » (ص 97)

في هذه النقطة يظهر المفهوم أحادي الجانب للمسألة اليهودية.

لا يكفي بأية حال من الأحوال أن نبحث: من الذي سيقوم بالتحرِر ومن الذي سيحرر ؟ فعلى النقد أن يقوم بشيء ثالث. عليه أن يسأل: بأي نوع من التحرر يتعلق الامر ؟ أي شروط تقع في صلب التحرر المطلوب ؟ لقد كان نقد التحرر السياسي نفسه هو النقد النهائي للمسألة اليهودية و ذوبانها الحقيقي في “مسألة العصر العامة.”

و لأن باور لم يرفع المسألة إلى هذا المستوى فإنه يسقط في التناقضات. إنه يضع شروطا لا تنتمي إلى طبيعة التحرر السياسي نفسه. وهو يطرح أسئلة لا تدخل ضمن واجباته، ويحل واجبات تترك سؤاله غير محلول. حين يقول باور عن مناهضي تحرر اليهود: « كان خطؤهم فقط هو أنهم افترضوا أن الدولة المسيحية هي الدولة الحقيقية الوحيدة، ولم يخضعوها للنقد الذي نظروا به إلى اليهودية » (ص3)، فإننا نرى خطأ باور في أنه انتقد “الدولة المسيحية” وحدهوليس
الدولة بوجه عام، وأنه لم يتناول بالبحث العلاقة بين التحرر السياسي والتَحرر الإنساني ويضع بذلك شروطا لا يمكن تفسيرها إلا بخلط غير نقدي بين التحرر السياسي والتحرر الإنساني العام. حين يسأل باور اليهود: هل لديكم الحق وأنتم في موقفكم أن تطلبوا التحرر السياسي ؟ فإِننا نطرح السؤال المعاكس: هل لموقف التحرر السياسي الحق في أن يطلب من اليهود التخلي عن اليهودية ومن الناس التخلي عن الدين بوجه عام ؟

تكتسب المسألة اليهودية مفهوما متغيرا حسب الدولة التي يوجد اليهودي فيها. ففي ألمانيا حيث لا توجد دولة سياسية، أي لا توجد الدولة كدولة، فإن المسألة اليهودية هي مسألة لاهوتية محضة. يجد اليهودي نفسه في تناقض دينيمع الدولة التي تقر بأن المسيحية تشكل أساسها. هذه الدولة هي دولة لاهوتية محترفة. و النقد هنا هو نقد اللاهوت، نقد ذو حدين، نقد للاهوت المسيحي وللاهوت اليهودي. ولكننا لا زلنا بهذا نتحرك في اللاهوت مهما أردنا أن نتحرك فيه نقدي.

المسألة اليهودية في فرنسا، الدولة الدستورية، هي مسألة النظام الدستوري، مسألة نصف التحرر السياسي. لأنمظهر الدولة الدينية هنا باق، وإن كان في صيغة متناقضة تفتقر إلى الدلالة، في صيغة دين الأغلبية، فإن علاقة اليهودي بالدولة تتخذ مظهر تناقض ديني لاهوتي.

تفقد المسالة اليهودية معناها اللاهوتي و تصبح مسألة دنيوية حقا في الدول الأميركية الشمالية الحرة فقط، في قسم منها على الأقل. حيثما توجد الدولة السياسية في بنائها الكامل فقط يمكن أن تبرز علاقة الِيهودي ولإنسان المتدين بوجه عام، إزاء الدولة السياسية، أي علاقة الدين بالدولة، في خصوصيتها ونقائها. ويكف نقد هذه العلاقة أن يكون نقدا لاهوتيا حالما تكف الدولة عن أن تقف موقفا لاهوتيا من الدين، أي سياسي. عندئذ يصبح النقد نقد الدولة السياسية. عند هذه النقطة حيث تكف المسألة أن تكون لاهوتية يكف نقد باور أن يكون نقديا.

« لا يوجد في الولايات المتحدة لا دين للدولة ولا دين رسمي للأغلبية، ولا أفضلية عبادة على غيرها. وليس للدولة شأن بأي من العبادات. » (ماري، أو الرق في الولايات المتحدة الخ، ج. دي بومون، باريس 1835، ص 214)

نعم، توجد بعض الولايات الأميركية حيث « لا يجعل الدستور العقيدة الدينية أو ممارسة عبادة معينة شرطا للامتيازات السياسية » (المرجع السابق، ص 225)

و لكن « لا يعتقد المرء في الولايات المتحدة أن الإنسان يمكن أن يِكون إنسانا مستقيما دون دين » (نفس المصدر، ص 224)

و مع ذلك فإِن شمال أميركا هو بلد التدين بصورة خاصة كما يؤكد كل من بومون وتوكفيل والانكليزي هاملتون بالإجماع. الولايات الأميركية الشمالية هي بالنسبة لنا مجرد مثال. فالسؤال هو:ما هو موقف التحرر السياسي الكامل من الدين ؟ المسألة هي: كيف يقف التحرر السياسي الكامل من الدين ؟ فإِذا كنا نجد حتى في بلد التحرر السياسي الكامل ليس وجود الدين وحسب و إنما وجود الدين المفعم بالحياة والقوة أيضا، يكون الدليل قد قدم على أن وجود الدين لا يتعارض مع قيام الدولة الكاملة. ولكن لأن وجود الدين هو وجود لنقص، فإن مصدر هذا النقص لا يمكن أن يبحث عنه إلا في جوهر الدولة نفسه. لا يعود الدين بالنسبة لنا هو الأساس وإنما كظاهرة للمحدودية الدنيوية وحسب. ومن هنا فإننا نفسر اللاموضوعية الدينية للمواطنين الأحرار بلاموضوعيتهم الدنيوية. لا ندعي أن عليهم أن يتخلوا عن محدوديتهم الدينية، ليزيلوا حواجزهم الدنيوية. بل نزعم أنهم سيتخلون عن محدوديتهم الدينية حالما يزيلون حواجزهم الدنيوية. إننا لا نحول المسائل الدنيوية إلى مسائل لاهوتية، وإنما اللاهوتية إلى دنيوية. نحل الغيبيات في التاريخ بعد أن انحل التاريخ وقتا كافيا في الغيبيات. تصبح مسألة علاقة التحرر السياسي بالدين بالنسبة لنا علاقة التحرر السياسي بالتحرر البشري. إننا ننتقد الضعف الديني للدولة السياسية حين ننتقد الدولة السياسية في بنيتها الدنيوية بصرف النظر عن الضعف الديني. إننا نؤنسن تناقض الدولة مع دين معين، كاليهودية مثلا، في التناقض بين الدولة وعناصر دنيوية معينة والتناقض بين الدولة والدين بوجه عام، في التناقض بين الدولة وشروطها بوجه عام.

التحرر السياسي لليهودي والمسيحي والإنسان المتدين بوجه عام هو تحرر الدولة من اليهودية والمسيحية ومن الدين بوجه عام. تتحرر الدولة في شكلها، الذي يتضمن جوهرها الخاص كدولة، من الدين بتحررها من دين الدولة، هذا يعني بعدم إقرار الدولة كدولة بدين، بل بإِقرارها بكونها دولة. ليس التحرر السياسي من الدين هو التحرر من الدين المطبق والخالي من التناقضات، لأن التحرر السياسي ليس الأسلوب المطبق والخالي من التناقضات للتحرر البشري.

تبدو حدود التحرر السياسي في الحال في قدرة الدولة على تحرير نفسها من حاجز لا يكون الإنسان متحررا منه فعلا، وفي أن الدولة يمكن أن تكون دولة حرة [تلاعب لفظي على كلمة Freistaat التي تعني أيضا جمهورية] دون أن يكون الإنسان حر. يعترف باور نفسه بذلك ضمنا حين يضع الشرط التالي للتحرر السياسي:

« يجب إلغاء كل امتياز ديني بوجه عام بما في ذلك احتكار كنسية تتمتع بالامتيازات، وإذا كان البعض أو العديد أو الغالبية العظمى لا تزال تعتقد أن عليها أن تؤدي واجبات دينية، فإِن هذا الأداء مسألة خاصة تماما متروكة لها. »

و هكذا يمكن للدولة أن تكون قد انعتقت من الدين، حتى حين تكون الغالبية العظمى متدينة. ولا تكف الغالبية العظمى من خلال ذلك أن تكون متدينة، أن تكون متدينة في حياتها الخاصة.

و لكن موقف الدولة والجمهورية [Freistaat] خاصة من الدين، إنما هو موقف الناس الذين يشكلون الدولة من الدين وحسب. والخلاصة هي أن الإنسان من خلال الوسيط الذي هو الدولة يتحرر سياسيا من حاجز بأن يرتفع فوق هذا الحاجز بطريقة تجريدية ومحدودة وجزئية متناقضا مع نفسه. وأبعد من هذا أن الإنسان يتحرر بتحرره سياسيا، بطريقة غير مباشرة من خلال وسيط، ولو كان هذا الوسيط ضروريا. وأخيرا يبقى الإنسان حتى حين يعلن إلحاده بوساطة الدولة، هذا يعني حين يعلن إلحاد الدولة، يبقى مع ذلك متحيزا للدين، ذلك أنه يعترف بنفسه بطريقة غير مباشرة، من خلال وسيط فقط. فالدين هو الاعتراف بالإنسان بطريقة غير مباشرة، عبر وسيط. الدولة هي الوسيط بين الإنسان وحريته، فكما أن المسيح وسيط يحمله الإنسان كل ألوهيته، كل تحيزه الديني فإِن الدولة هي الوسيط الذي يضع فيه كل بشريته وكل تحيزه البشري.

يشترك ارتقاء الإنسان السياسي فوق الدين مع الإرتقاء السياسي بكل النقائص والفضائل بوجه عام. فقد تلغي الدولة كدولة الملكية الخاصة على سبيل المثال، فيعلن الفرد بطريقة سياسية أن الملكية الفردية قد ألغيت، حالما يجعل التعداد العام أساسا لقابلية المرء أن يُنتخَب أو ينتخِب، كما حصل في عدد كبير من ولايات أميركا الشمالية. يفسر هاملتون هذه الواقعة من منطلق سياسي تفسيرا صحيحا تماما:

« القد حققت العامة الانتصار على المالكين والثروة النقدية. » (توماس هيملتون “الناس و التصرفات في أمريكا”، مجلد 2، ايدنبرغ، 1833، ص 146)

أليست الملكية الخاصة في وضع نموذجي حين يكون من لا يملك قد أصبح المشرع للمالك ؟ والتعداد العام هو آخر شكل سياسي يمكن أن يعترف بالملكية الخاصة.

إلا أنه مع النفي السياسي للملكية الخاصة لا ينتفي إلغاء الملكية الخاصة فقط وإنما يصبح شرطا. تلغي الدولة فرق الأصل والمكانة الاجتماعية والمهنة بطريقتها حين تقرر أن الأصل والمكانة الاجتماعية و المهنة هي فوارق غير سياسية، وحين تعلن دون مراعاة لهذه الفوارق عن كون كل فرد من أفراد الشعب مشاركا متساوي في السيادة الشعبية إذا ما تعامل مع جميع عناصر حياة الشعب الحقيقية من وجهة نظر الدولة. ومع ذلك تترك الدولة الملكية الخاصة والتأهيل والعمل تؤثر على طريقتها الخاصة، هذا يعني كملكية خاصة وتأهيل وعمل، مؤكدة طبيعتها الخاصة. إنها بعيدة كل البعد عن إلغاء هذه الفوارق، بل أنها توجد فقط في ظل هذه الشروط، وتشعر أنها دولة سياسية وتجعل عموميتها نافذة في مواجهة عناصرها هذه. ومن هنا فإن هيغل يحدد العلاقة بين الدولة السياسية والدين تحديدا صحيحا تاما حين يقول:

« كي تقوم الدولة كواقع واع وأخلاقي للعقل، فإِنه من الضروري تمايزها عن شكل السلطة والعقيدة. ولكن هذا التمايز لا يظهر إلا بمقدار ما تقوم به الكنيسة من جانبها بالفصل. هكذا فقط اكتسبت الدولة بوقوفها فوق الكنائس الخاصة شمولية الفكر ومبدأ شكلها الذي تظهره للوجود. » (هيغل” فلسفة الحق” الطبعة الأولى، ص 346).

حقا تتشكل الدولة هكذا فقط مرتفعة فوق العناصر الخاصة كمؤسسة للمجموع.

الدولة السياسية المكتملة طبقا لطبيعتها هي حياة النوع الإنساني على العكس من حياته المادية. فجميع الشروط لهذه الحياة الأنانية تبقى موجودة في المجتمع البورجوازي خارج مجال الدولة، ولكن كخصائص لهذا المجتمع. فحيثما بلغت الدولة نموها الحقيقي يعيث الإنسان حياة ْمزدوجة ليس فقط في الفكر أو الوعي وإنما في الواقع، في الحياة، حياة سماوية و أخرى أرضية، الحياة في المجتمع السياسي حيث يعتبر نفسه كائنا عاما و الحياة في المجتمع البورجوازي، حيث يمارس حياته الخاصة، ويعتبر الآخرين وسيلة، ويتحول نفسه إلى وسيلة ولعبة في أيدي قوى غريبة. و تقف الدولة السياسية إزاء المجتمع البورجوازي بمثل روحانية السماء إزاء الأرض. إنها تقف في نفس التناقض معه وتتغلب عليه بنفس الطريقة التي يتغلب بها الدين على محدودية العالم الدنيوي. هذا يعني بأن تعترف به أيضا، تنشئه، وتصبح خاضعة له. الإنسان في واقعه الأكثر مباشرة في المجتمع البورجوازي هو كائن دنيوي. هنا حيا يعتبر بالنسبة لذاته و للآخرين فردا يكون ظاهرة غير حقيقية. وعلى العكس في الدولة حيث يعتبر الإنسان نوعا يكون العضو الخيالي لسيادة وهمية، وتسرق منه حياته الفردية الحقيقية وتملأ بجماعية غير واقعية.

إن الصراع الذي يجد الإنسان نفسه فيه كمعتنق لدين خاص ومواطن لدولة مع الناس الآخرين كأعضاء في المجتمع، يتقلص إلى الانشطار الدنيوي بين الدولة السياسية والمجتمع المدني. « فالحياة في ظل الدولة بالنسبة للإنسان البورجوازي [هنا بمعنى عضو من المجتمع المدني، الحياة الخاصة] هي مجرد مظهر أو استثناء مؤقت يتعارض مع الجوهر و القواعد. »
حقا أن البورجوازي يبقى في حياة الدولة مثل اليهودي بصورة سفسطائية، كما يبقى المواطن بصورة سفسطائية يهوديا أو بورجوازيا. لكن هذه السفسطة ليست شخصية. إنها سفسطة الدولة السياسية نفسها. الفرق بين الإنسان المتدين والمواطن هو الفرق بين التاجر وبين المواطن، بين العامل بأجر يومي والمواطن، بين المالك العقاري والمواطن، بينالفرد الحي و المواطن. والتناقض الذي يقوم بين الإنسان المتدين والإنسان السياسي هو التناقض نفسه الذي يقوم بين البورجوازي والمواطن، بين عضو المجتمع البورجوازي وجلد الأسد السياسي الذي يرتديه.

هذا النزاع الدنيوي الذي تنحصر فيه المسألة اليهودية في الآخر،علاقة الدولة السياسية بشروطها، سواء كانت هذه عناصر مادية مثل الملكية الخاصة وما إلى ذلك، أو فكرية مثل التعليم والدين، الصراع بين المصالح العامة والمصلحة الخاصة، الانشطار بين الدولة السياسية و المجتمع البورجوازي، يترك باور هذه التناقضات الدنيوية قائمة، بينما يطعن في التعبير الديني عنها.

« إن أساسها بالذات، الحاجة التي تؤمّن للمجتمع المدني بقاءه وتضمن ضرورته، يعرض وجوده لخطر دائم، ويغذي في داخله عنصرا غير مأمون، و يأتي بذلك الخليط المتناوب من الفقر والغنى، من العوز والازدهار و بشكل عام التغير. »

يقارن المرء مقطع « المجتمع المدني » بكامله (ص 8-9) ، والذي صيغ وفق الملامح الأساسية لفلسفة الحق لدى هيغل. يعترف بالمجتمع المدني في تناقضه مع الدولة السياسية كضرورة، لأن الدولة السياسية معترف بها كضرورة.

التحرر السياسي خطوة تقدمية كبير حقا، ورغم أنها ليست الشكل الأخير للتحرر الإنساني بشكل عام لكنها الشكل الأخير للتحرر الإنساني ضمن النظام العالي القائم حتى الآن. نحن نتحدث هنا بالطبع عن التحرر الحقيقي، العملي.

يتحرر الإنسان سياسيا من الدين بإِقصائه من الحق العام إلى الحق الخاص. إنه لا يعود روح الدولة، حيث يتصرف الإنسان – ولو بطريقة محدودة وضمن شكل خاص وفي مجال خاص – ككائن نوعي، بالاشتراك مع الناس الآخرين، و إنما يكون قد أصبح روح المجتمع البورجوازي ومجال الأنانية وحدب الجميع ضد الجميع. إنه لم يعد جوهر المجموع وإنما جوهر الاختلاف. و أصبح تعبيرا عن انفصال الإنسان عن طبيعته الاجتماعية، بينه وبين الناس الآخرين – وهو ما كانه في الأصل. إنه لم يعد سوى الاعتراف المجرد بالخطأ الخاص والنزوة الشخصية والاعتباطية. أن التشظي اللانهائي للدين في أميركا الشمالية مثلا يعطيه ظاهريا شكل قضية خاصة محضة. لقد ألقي به في عداد الاهتمامات الخاصة وهجر كموضوع عام من قبل الجماعة. و لكن لا ينبغي أن يعترينا الوهم بشأن حدود التحرر السياسي. إن انشطار الإنسان إلى إنسان عام وآخر خاص ونقل الدين من الدولة إلى المجتمع البورجوازي، ليسا مرحلة وإنما هما اكتمال التحرر السياسي الذي لا يلغي التدين الحقيقي للإنسان كما لا يسعى لإلغائه.

أن تفكيك الإنسان إلى يهودي ومواطن، إلى بروتستانتي ومواطن، إلى إنسان متدين ومواطن، هذا التفكيك ليس كذبة ضد المواطن، ولا التفافا على التحرر السياسي، إنه التحرر السياسي نفسه. إنه الطريقة السياسية للتحرر من الدين. تستطيع الدولة بلا شك ويتوجب عليها في الفترات التي تولد فيها الدولة السياسية من المجتمع البورجوازي بالقوة ويسعى التحرر البشري أن يحقق نفسه في صورة التحرر السياسي، أن تمضي حتى إلغاء الدين، حتى القضاء على الدين، ولكن تمضي على هذا النحو فقط إلى أبعد حد كما تفعل لإلغاء الملكية الخاصة، إلى المصادرة، إلى الضرائب التصاعدية، كما تمضي إلى إلغاء الحياة، إلى المقصلة. وفي اللحظات الخاصة من إحساسها بذاتها تبحث الحياة السياسية عن شروطها، فتحاول سحق المجتمع البورجوازي و عناصره لتقيم نفسها كحياة للنوع الإنساني، حقيقية وخالية من التناقض. إنها تستطيع هذا فقط من خلال تناقض عنيف مع شروط حياتها الخاصة، فقط بأن تعلن أن الثورة مستديمة فتنتهي المأساة السياسية من هنا بالضرورة كذلك بإِعادة الدين والملكية الخاصة وجميع عناصر المجتمع البورجوازي، كما تنتهي الحرب بالسلام.

أجل، ليست الدولة المسماة مسيحية، التي تعترف بالمسيحية كأساس لها و كدين للدولة وتميز نفسها بهذا عن الديانات الأخرى هي الدولة المسيحية الكاملة، وإنما الدولة الملحدة، الدولة الديمقراطية، الدولة التي تضع الدين ضمن باقي عناصر المجتمع البورجوازي. لم تنجح بعد الدولة التي لا تزال لاهوتية والتي تقر باعتناق المسيحية بصورة رسمية، التي لا تجرؤ بعد على إعلان نفسها كدولة، لم تنجح هذه الدولة بعد في التعبير عن الأساس البشري في شكل دنيوي بشري، تكوك المسيحية التعبير الدافق عنه. إن ما يسمى بالدولة المسيحية هو ببساطة اللادولة، إذ لا تستطيع المسيحية كدين وإنما الخلفية البشرية للدين المسيحي فقط أن تطرح نفسها في إبداعات إنسانية حقيقية.

إن ما يسمى بالدولة المسيحية إنما هو النفي المسيحي للدولة، ولكنه ليس تحقيقا للمسيحية من قبل الدولة بأي حال من الأحوال. الدولة التي لا تزال تقر بالمسيحية على شكل دين، لا تقر بها على شكل دولة، فهي لا تسلك سلوكا متدينا إزاء الدين، هذا يعني إنها ليس التحقيق الفعلي للأساس الإنساني، لأنها لا تزال تقود إلى الوهم، إلى الهيئة الخيالية لهذه النواة الإنسانية. إن ما يسمى بالدولة المسيحية هو الدولة غير المكتملة، والدين بالنسبة لها تكملة وعلاج لنقصها. من هنا يصبح الدين بالنسبة لها بالضرورة وسيلة، وهي دولة النفاق. إنه لفرق كبير فيما إذا اعتبرت الدولة المكتملة الدين ضمن شروطها بسبب نقص يكمن في الطبيعة العامة للدولة، أو أعلنت الدولة غير الكاملة بسبب النقص الذي يكمن في وجودها الخاص كدولة ناقصة الدين كأساس لها. ويصبح الدين في الحالة الأخيرة سياسة غير كاملة. وفي الحالة الأولى يظهر نقص السياسة الكاملة في الدين. يحتاج ما يسمى بالدولة المسيحية إلى الدين المسيحي ليكتمل كدولة.

أما الدولة الديمقراطية، الدولة الحقيقية فهي لا تحتاج إلى الدين من أجل اكتمالها السياسي. وأكثر من ذلك فهي تستطيع أن تطرح جوانب كثيرة من الدين لأن الأساس الإنساني للدين متحقق فيها بطريقة دنيوية. وعلى العكس يقف ما يسمى بالدولة المسيحية موقفا سياسيا إزاء الدين ودينيا إزاء السياسة. وحين تحط هذه الدولة من الأشكال السياسية ظاهريا فإِنها تحط من الدين ظاهريا بنفس القدر.

لنتفحص من أجل توضيح هذا التناقض البناء الذي يطرحه باور للدولة المسيحية، وهو بناء منبثق عن دراسة الدولة المسيحية الجرمانية.

يقول باور « من أجل إثبات عدم إمكانية أو عدم وجود الدولة المسيحية نبه المرء أكثر من مرة مؤخرا إلى أقوال الإنجيل، تلك التي لا تمتنع الدولة عن العمل بها وحسب وإنما لا تستطيع حتى العمل بها إذا لم تحل نفسها نهائيا. »

لكن الأمر ليس بهذه السهولة. فبم تطالب تلك الأقوال الإنجيلية ؟ إنكار الذات فوق الطبيعي، خضوع لسلطة الوحي، العزوف عن الدولة، إلغاء العلاقات الدنيوية. إلا أن هذا كله هو ما تطالب به و تحققه الدولة المسيحية. لقد تمثلت روح الإنجيل، وإذا كانت لا تعكسها بنفس الحروف التي يعبر بها الإنجيل عنها فإِن ذلك ناتج عن أن الدولة تعبر عن هذه الروح بأشكال سياسية، هذا يعني بأشكال مستمدة من كيان الدولة في هذا العالم حقا، ولكنها في انبعاثها الديني الذي كان عليها أن تمر به اختصرت إلى مظهر وحسب. إنه العزوف عن الدولة مستخدما من أجل تحققه أشكال الدولة. (ص55)

يتابع باور شرح كيف أن شعب الدولة المسيحية ليس شعبا، فهو لم يعد يملك إرادة خاصة به ويكمن وجود الحقيقي في الرئيس الذي يخضع له، والذي هو في الأصل وبناء على طبيعته غريب عنه، هذا يعني أنه معطى من الله، وقد جاء إليه دون تدخل منه، كيف أن قوانين هذا الشعب ليست من عمله الخاص و إنما هي وحي ايجابي، وكيف يحتاج الرئيس إلى وسطاء متميزين بينه وبين الشعب الفعلي، الجماهير، وكيف تتفتت هذه الجماهير نفسها إلى دوائر خاصة تشكلها وتتحكم فيها الصدفة، وهي تختلف في مصالحها وأهوائها الخاصة وأحكامها المسبقة وتحصل على جواز الانفصال عن بعضها كامتياز،الخ. (ص 56)

وحده باور يقول بنفسه:

« لا يجوز للسياسة أن تكون سياسة إذا توجب عليها ألا تكون سوى دين، كما لا يجوز أن يكون غسل قدور الطبخ مسألة اقتصادية، إذا ما تعين اعتبارها شأنا دينيا. » (ص 108)

لكن الدين في الدولة الجرمانية المسيحية هو “مسألة اقتصادية”، كما أن “المسألة الاقتصادية” دين. فسلطة الدين في الدولة المسيحية الجرمانية هي دين السلطة.

فصل “روح الإنجيل” عن “حروف الإنجيل” هو عمل مناف للدين. والدولة التي تدع الإنجيل يتحدث بحروف السياسة، بحروف أخرى غير حروف الروح القدس، ترتكب خرقا للدين إن لم يكن في نظر الناس فمن وجهة نظرتها الدينية الخاصة. يجب مواجهة الدولة التي تعتبر المسيحية قانونها الأعلى و الكتاب المقدس ميثاقها بكلمات الكتاب المقدس، فالكتاب مقدس حتى الكلمة. تقع هذه الدولة كما هو الحال بالنسبة للنفايات البشرية التي تشكل قاعدتها في تناقض مؤلم لا يمكن حله من منظور الوعي الديني حين يِحيلها المرء إلى أقوال الإنجيل التي « لا تهمل اتباعها فقط وإنما لا تستطيع حتى اتباعها إذا لم تشأ أن تحل نفسها كدولة كليا. » ولم لا تريد أن تحل نفسها كليا ؟ لا هي نفسها ولا أحد آخر يستطيع الإجابة عن هذا لسؤال. الدولة المسيحية الرسمية أمام وعيها الخاص واجب لا يمكن حقيقه و هي تثبت حقيقة وجودها بالكذب على نفسها ومن هنا تبقى دائما موضوعا مشكوكا فيه، غير موثوق به ومعضلا. وهكذا فإن النقد على حق تماما حين يرغم الدولة التي تستند إلى الكتاب المقدس على زحزحة وعيها، حيث لا تعرف هي نفسها ما إذا كانت وهما أم واقعا، وحيث تقع دناءة أغراضها الدنيوية التي تتخذ من الدين ستارا لها في تناقض لا حل له مع نزاهة وعيها الديني الذي يبدو له الدين غاية العالم. لا تستطيع هذه الدولة أن تخلص نفسها من عذابها الداخلي إلا حين تصبح خادما طاغيللكنيسة الكاثوليكية، وإزاء هذه الكنيسة التي تعلن أن السلطة الدنيوية هي الجسد الذي يخدمها، فإن الدولة لا حول لها، لا حول للسلطة الدنيوية التي تدعي سيادة الروح الديني.

ليس الإنسان هو المهم في ما يسمى بالدولة المسيحية وإنما الاغتراب. والإنسان الوحيد المهم وهو الملك، يختلف عن الناس الآخرين، وهو في ذلك كائن متدين يرتبط بالسماء وبالله مباشرة. إن العلاقات التي تسود هنا لا تزال علاقات قائمة على الإيمان، فالروح الديني لم يصبح بعد دنيويا حقا.

و لكن الروح الديني لا يمكن أن يصبح دنيويا حق، فأي شيء يكون هو نفسه إن لم يكن الشكل غير الدنيوي لمرحلة تطور العقل البشري ؟ يمكن للروح الديني أن يتحقق بقدر ما تبرز درجة تطور العقل البشري، والذي هو تعبير عنها، وتنشأ في شكلها الدنيوي. وهذا يحدث في الدولة الديمقراطية. ليست المسيحية وإنما الأساس الإنساني للمسيحية هو أساس هذه الدولة. يبقى الدين هو الوعي المثالي غير الدنيوي لأعضائها، لأنه الشكل الأمثل لدرجة التطور البشري التي تتحقق فيه.

إن أعضاء الدولة السياسية متدينون من خلال الثنائية القائمة بين الحياة ْالفردية وحياة النوع، بين حياة المجتمع البورجوازي والحياة السياسية، متدينون حيث يعتبر الإنسان حياة الدولة في الطرف الآخر من فرديته الحقيقية، حياته الحقيقية، متدين بقدر ما يكوك الدين هنا روح المجتمع البورجوازي وتعبير عن الفصل وابتعاد الإنسان عن الإنسان. الديمقراطية السياسية مسيحية حيث لا يعتبر الإنسان فيها إنسانا واحدا و حسب وإنما يكون كل إنسان كائنا مستقلا أسمى، لكن الإنسان في مظهره اللامتحضر واللااجتماعي، في وجوده بالصدفة، الإنسان كما هو، الإنسان كما أفسده كل تنظيم مجتمعنا، أضاع ذاته، بيع، ووضع تحت سيطرته عناصر ظروف غير إنسانية، بكلمة واحدة، الإنسان الذيِ لم يصبح بعد كائنا نوعيا حق. إن الصورة الخيالية، الحلم، مسلمات المسيحية، استقلال الإنسان، و لكن كغريب، ككائن يختلف عن الإنسان الحقيقي كل ذلك في الديمقراطية حقيقة ملموسة، حاضر وقاعدة دنيوية.

يبدو الوعي الديني واللاهوتي لنفسه في الديمقراطية الكاملة أكثر تدينا و لاهوتية مما هو كحياة آخرة، حين لا يكون له معنى سياسي وأغراض أرضية و يكون شأنا من شؤون المشاعر المتهيبة أمام ما هو دنيوي، وتعبيرا عن محدودِة الفهم، ونتاج الهوى والخيال. تبلغ المسيحية هنا التعبير العملي لمعناها الديني الشامل حيث تتجمع مختلف الرؤى الفلسفية إلى جانب بعضها في صيغة المسيحية، وتتعزز أكثر من خلال عدم مطالبتها الآخر أن يكون مسيحيا وإنما أن يعتنق دينا ما فقط (قارن عمل بومون المذكور). إن الوعي الديني ينعم بثراء التناقض الديني وتنوعه.

و هكذا فقد أظهرنا أن التحرر السياسي من الدين يدع الدين قائما ولكن دون امتيازات. إن التناقض الذي يجد تابع دين معين نفسه فيه مع كونه مواطن دولة ما هو إلا جزء فقط من التناقض الدنيوي العام بين الدولة السياسية والمجتمع البورجوازي. واكتمال الدولة المسيحية هو الدولة التي تقر بكونها دولة وتنفصل عن دين أعضائها. وتحرر الدولة من الدين ليس هو تحرر الإنسان الحقيقي من الدين.

و هكذا فإننا لا نقول لليهود مع باور: لا يمكنكم أن تتحرروا سياسيا دون أن تتحرروا جذريا من اليهودية. بل إننا نقول لهم أكثر من ذلك: لأنكم تستطيعون أن تتحرروا سياسيا دون أن تنفكوا نهائيا ودون تناقضات عن اليهودية، لذلك فإِن التحرر السياسي نفسه ليس التحرر الإنساني. إذا أردتم أيها اليهود أن تتحرروا سياسيا، دون أن تحرروا أنفسكم إنسانيا، فإِن النقص والتناقض لا يكمن فيكم فقط وإنا يكمن في جوهر وفي مصطلح التحرر السياسي، إذا كنتم تشعرون بالارتباك من هذا المصطلح فإنكم تشاركون في ارتباك عام. وكما تكون الدولة إنجيلية رغم أنها دولة و تتصرف كدولة مسيحية إزاء اليهودي، فإِن اليهودي يتسيس، رغم أنه يهودي و يطاب بحقوق المواطنة.

و لكن إذا استطاع الإنسان أن يتحرر سياسيا، حتى لو كان يهوديا، ويحصل على حقوق المواطنة، فهل يستطيع أن يطالب بما يسمى حقوق الإنسان و يتمتع بها ؟ ينكر باور هذا.

« المسألة هي ما إذا كان اليهودي كيهودي، بمعنى، اليهودي الذي يقر نفسه أنه مرغم بسبب جوهره الحقيقي أن يعيث منفصلا عن الآخرين إلى الأبد، قادرا على تلقي حقوق الإنسان العامة والإقرار بها للآخرين. »

« لم تكتشف فكرة حقوق الإنسان في العالم المسيحي إلا في القرن الماضي. لا يملكها الإنسان بالولادة، بل إنها تنتزع في الكفاح ضد التقاليد التاريخية التي نشأ عليها الإنسان حتى الآن. وهكذا فحقوق الإنسان ليسا منحة من الطبيعة، وليست صداق التاريخ المنصرم وإنما هي ثمن كفاح ضد صدفة الميلاد وضد الامتيازات التي أورثها التاريخ من جيل إلى جيل حتى الآن. وهي نتيجة للتعليم ولا يستطيع أن يملكها إلا من اكتسبها و استحقها. »

« هل يستطيع اليهودي إذن أن يمتلكها فعلا ؟ إنه ما دام يهوديا فإن الجوهر المحدود الذي يجعل منه يهوديا ينتصر حتما على الجوهر الإنساني الذي يفترض فيه أن يربطه كإِنسان بالبشر الآخرين، ويفصله عن غير اليهود. إنه يعلن من خلال هذا التمايز أن الطبيعة المتميزة التي تجعل منه يهوديا هي جوهره الحقيقي الأعلى الذي ينبغي أن يتراجع أمامه جوهر الإنسان. »

« و بنفس الطريقة لا يستطيع المسيحي أن يكفل حقوق الإنسان كمسيحي. » (ص 19-20)

على الإنسان، كما يرى باور، أن يضحي بـ “امتياز العقيدة” ليستطيع تلقي حقوق الإنسان العامة. فلنتأمل لحظة ما يسمى بحقوق الإنسان في شكلها لدى مكتشفيه الأميركيين الشماليين والفرنسيين. هذه الحقوق هي حقوق سياسية في جزء منه، حقوق لا يمكن ممارستها إلا ضمن الجماعة. فالمشاركة في الجماعة تشكل محتواها، وبالذات في الجماعة السياسية، في الدولة. فهي تندرج تحت مصطلح الحرية السياسية، تحت مصطلح الحقوق المدنية التي لا تشترط بأي حال من الأحوال إلغاء الدين الايجابي والخالي من التناقضات كما رأينا، كذلك أيضا الدين اليهودي. يبقى علينا تأمل القسم الآخر من حقوق الإنسان بالقدر الذي تختلف فيه عن حقوق المواطنة.

تدخل في إطارها حرية الضمير، حق ممارسة العبادة التي يريدها المرء. و يعترف بامتياز العقيدة بصورة مؤكدة إما كحق من حقوق الإنسان أو كتبعة لحق من حقوق الإنسان هو الحرية.

« لا ينبغي أن يضايق أي إنسان بسبب قناعاته، بما فيها الدينية. » (إعلان حقوق الإنسان 1791، المادة العاشرة)

و قد كفل دستور عام 1791 في الباب الأول:

« حرية كل فرد في ممارسة العبادة التي ينتسب إليها، كحق من حقوق الإنسان. »

و يورد إعلان حقوق الإنسان لعام 1793، المادة السابعة، “حرية ممارسة العبادات.” وجاء في سياق حق الإنسان في نشر أفكاره وآرائه وعقد الاجتماعات وممارسة العبادة « إن ضرورة إعلان هذه الحقوق تفترض وجود الاستبداد أو ذكراه القريبة. » قارن دستور عام 1795، الباب الثاني عشر، المادة 354. دستور بنسلفانيا، المادة التاسعة، الفقرة الثالثة:

« لقد تلقى جميع الناس الحق الحتمي من الطبيعة في الصلاة لله القدير متبعين وحي ضميرهم، و لا يمكن أن يرغم أحد بحكم القانون أن يقر بأي عبادة أو إله، أو يمارسها أو يساندها خلافا لرغبته. ولا يجوز في أي حال من الأحوال أن تتدخل أي سلطة بشرية في قضايا الضمير وتسيطر على قوى الروح. »

دستور نيوهامبشاير، المادة التاسعة، الفقرة الثالثة:

يوجد في الحقوق الطبيعية بعضٌ لا يمكن التخلي عنه بحكم طبيعته، لأنه لا يمكن تعويضه بما يعادل قيمته. وضمن هذا البعض تندرج حقوق الضمير. (بومون، ص 213-214).

لا تكاد استحالة التوفيق بين الدين وحقوق الإنسان تكمن في مصطلح حقوق الإنسان، بل أن حق المرء في أن يكون متدين، متدينا بالطريقة التي يريدها، وأن يمارس عبادات ديانته الخاصة، عد بوضوح ضمن حقوق الإنسان. إن امتياز العقيدة هو حق عام من حقوق الإنسان.

لقد جرى التمييز بين حقوق الإنسان وحقوق المواطنة، فمن هو الإنسان المتميز عن المواطن ؟ لا أحد سوى عضو المجتمع البورجوازي. ولماذا يصبح عضو المجتمع البورجوازي هذا إنسانا، مجرد إنسان، ولماذا تسمى حقوقه حقوق الإنسان ؟ بم نفسرهذا الواقع ؟ من خلال علاقة الدولة السياسية بالمجتمع البورجوازي، من خلال جوهر التحرر السياسي.

نثبت قبل كل شيء أن ما يسمى بحقوق الإنسان، وهي خلاف حقوق المواطن، ليست سوى حقوق أعضاء المجتمع البورجوازي، هذا يعني الإنسان الأناني، الإنسان المنفصل عن الناس وعن المجموع. ينبغي على الدستور الأكثر جذرية، دستور 1793 أن يقول: « إعلان حقوق الإنسان وحقوق المواطن. » المادة الثانية: « هذه الحقوق (الحقوق الطبيعية والحتمية) هي: المساواة، الحرية، الأمن، الملكية. » فيم تتمثل الحرية ؟

المادة 6 « الحرية هي حق الإنسان في أن يفعل كل شيء لا يضر بحقوق الآخرين » أو حسب “إعلان حقوق الإنسان لعام 1791″:« تتمثل الحرية في الحق في فعل كل ما لا يضر الآخرين. »

الحرية هي إذن الحق في فعل كل شيء لا يضر بالآخرين. أما الحدود التي يستطيع كل فرد أن يتحرك فيها دون أن يضر بالآخرين فيحددها القانون كما يرسم وتد السور الحدود بين حقلين يتعلق الأمر بحرية الإنسان كوحدة معزولة منطوية على ذاتها. لماذا لا يستطيع اليهودي، حسب رأى باور، تلقي حقوق الإنسان ؟

« ما دام يهوديا يكون على الجوهر المحدود الذي يجعل منه يهوديا أن ينتصر على الكيان البشري، وهو ما يفترض أنه يربطه كإِنسان بالبشر، و يفصله عن غير اليهود. »

و لكن حق الإنسان في الحرية لا يستند إلى ارتباط الإنسان بالإنسان بل بالأحرى إلى انفصال الإنسان عن الإنسان. إنه حق هذا الانفصال، حق المحدودية، محدودية الفرد بذاته.

إن الاستخدام العملي لحق الإنسان في الحرية هو حق الإنسان في الملكية الخاصة.

أين يقوم حق الإنسان في الملكية الخاصة ؟

المادة 16 (دستور 1793): « حق الملكية هو حق كل مواطن أن يتمتع كما يريد بممتلكاته، ومدخولاته وبثمار عمله واجتهاده و يتصرف بها. »

و إذن فحق الإنسان في الملكية الخاصة هو حقه في أن يستمتع ويتصرف بثروته كما يريد، دون مراعاة الناس الآخرين، وبصورة مستقلة عن المجتمع، حق المنفعة الذاتية. تلك الحرية الفردية، و هذا الاستخدام لها، يشكلان أساس المجتمع البورجوازي. إنها تترك لكل إنسان أن يجد في الإنسان الآخر حدود حريته وليس تحقيقها. إنها تعلن قبل كل شيء حق الإنسان في « أن يتمتع كما يريد بممتلكاته، ومدخولاته و بثمار عمله واجتهاده ويتصرف بها. »

تبقى حقوق الإنسان الأخرى، المساواة والأمن.

المساواة هنا هي بمعناها غير السياسي ليست سوى المساواة في الحرية التي سبق وصفها، ألا وهي: أن ينظر إلى كل إنسان بصورة متساوية كوحدة قائمة بذاتها. يحدد دستور 1795 مصطلح هذه المساواة بما يناسب معناها في:

المادة 3 (دستور 1795) تتمثل المساواة في أن ينطبق نفس القانون على الجميع، سواء حين يحمي أو يعاقب.

و الأمن ؟

المادة 8 (دستور 1793): « يتمثل الأمن في الحماية التي يكفلها المجتمع لكل عضو من أعضائه لحفظ شخصه وحقوقه وملكيته. »

الأمن هو أعلى مفهوم للمجتمع البورجوازي، مفهوم الشرطة، أن المجتمع بأكله موجود فقط ليكفل لكل من أعضائه المحافظة على شخصه وحقوقه و ملكيته. يسمي هيغل المجتمع البورجوازي بهذا المعنى: “دولة الحاجة والعقل.”

لا يرتقي المجتمع البورجوازي من خلال مفهوم الأمن فوق أنانيته. فالأمن هو بالأحرى ضمان أنانيته.

و إذن فلا يتجاوز أيٌ مما يسمى حقوق الإنسان الإنسان الأناني، فالإنسان كعضو في المجتمع البورجوازي، منطو على نفسه وعلى مصالحه الخاصة و رغباته الخاصة، وفرد منفصل عن المجموع. ما أبعد أن يكون الإنسان قد اعتبر فيها كائنا نوعيا بل تبدو حياة النوع نفسها، المجتمع، كإطار خارجي للأفراد وتقييد لاستقلالهم الأصلي. والرابطة الوحيدة التي تمسك بها هي الضرورة الطبيعية، الحاجة والمصلحة الخاصة، أي حفظ ملكيتهم و شخصهم الأناني.

إنه لمن الملغز أن شعبا قد بدأ توا بتحرير نفسه وهدم جميع الحواجز بين أعضاء الشعب المختلفين وتأسيس جماعة سياسية، أن مثل هذا الشعب يعلن محتفلا، مشروعيةَ الإنسان الأناني المفصول عن الناس وعن المجموعة. (إعلان 1791) بل ويعيد هذا الإعلان في لحظة لا يستطيع أن ينقذ الأمة فيها إلا العطاء البطولي، ومن هنا يكون مطلوبا بالضرورة في لحظة يتوجب فيها أن تصبح التضحية بجميع مصالح المجتمع البورجوازي أمرا معمولا به و يعاقب فيها على الأنانية كجريمة (إعلان حقوق الإنسان 1793) وتصبح هذه الواقعة أكثر إبهاما حين نرى أن المواطنة، أن المجموعة السياسية تنحدر من التحرر السياسي وتصبح مجرد وسيلة للمحافظة على ما يسمى بحقوق الإنسان هذه، أي أن المواطن يصبح خادما للإنسان الأناني، وأن المجال الذي يسلك فيه الإنسان ككائن اجتماعي يتدنى تحت المجال الذي يسلك فيه كجزء، وأخيرا يصبح الإنسان الحقيقي في الواقع ليس الإنسان كمواطن ولكن الإنسان كبرجوازي.

هدف جميع الاتحادات السياسية هو المحافظة على حقوق الإنسان الطبيعية و الحتمية. (إعلان الحقوق، 1791، المادة الثانية)

« تعين الحكومة لتكفل للإنسان التمتع بحقوقه الطبيعية والحتمية. » (إعلان 1973، المادة الأولى)

و هكذا تعلن الحياة السياسية، حتى في لحظات حماسها الفتي الذيِ دفعه ضغط الأوضاع إلى الذروة، أنها مجردوسيلة هدفها حياة المجتمع البورجوازي. حقا يتناقض عملها الثوري تناقضا واضحا مع نظريتها. فبينما يعلن الأمن كحق من حقوق الإنسان على سبيل المثال، فإن سرية المراسلة تخرق علنا كل يوم، وبينما تكون « الحرية غير المحدودة للصحافة » مضمونة (دستور 1793،المادة 122) كنتيجة لحق الإنسان في الحرية الفردية، يُقضى على حرية الصحافة قضاء تاما، إذ أنه لا يجوز استخدام حرية الصحافة إذا كانت تمس الحرية العامة (روبيسبير الشاب “تاريخ برلمان الثورة الفرنسية” بقلم روشيز ورو، الجزء 28، ص 109) وهكذا فهذا يعني أن حق الإنسان في الحرية ينتفي حالما يدخل في نزاع مع الحياة السياسية، بينما الحياة السياسية طبقا للنظرية هي الضمان لحقوق الإنسان وحسب، أي حقوق الإنسان الفرد، يجب أن يُتخلى عنها حالما تتناقض مع غايته التي هي حقوق الإنسان. غير أن التطبيق هو الاستثناء وحسب، والنظرية هي القاعدة. ولكن إذا أراد المرء أن يعتبر التطبيق الثوري هو الوضع الصحيح فإِنه يبقى علينا حل اللغز: لماذا تقلب الأوضاع رأسا على عقب في وعي المحرريِن السياسيين فتبدو الغاية وسيلة والوسيلة غاية. لا يزال خداع وعيهم البصري هذا نفس اللغز مع أنه لغز نفسي ونظري.

إن حل هذا اللغز بسيط.

التحرر السياسي هو في نفس الوقت انحلال المجتمع القديم الذي يستند إليه كيان الدولة الغريب عن الشعب، سلطة الحكام. الثورة السياسية هي ثورة المجتمع البورجوازي. ماذا كان طابع المجتمع القديم ؟ كلمة واحدة ترسم ملامحه: الإقطاع. كان للمجتمع البورجوازي القديم طابع سياسي مباشر، هذا يعني أن عناصر الحياة البورجوازية كالملكية والعائلة أو أسلوب العمل ارتقت في شكل الإمارة، المكانة الاجتماعية والنقابة وأصبحت عناصر حياة الدولة. وتقررت علاقة الفرد بالدولة ككل على هذه الصورة، هذا يعني علاقته السياسية، بمعنى علاقته وانفصاله عن مكونات المجتمع الأخرى. فذلك التنظيم لحياة الشعب لم يرفع الملكية أو العمل إلى مستوى العناصر الاجتماعية، بل أنه أتم انفصالها عن الدولة ككل وأنشأ منها مجتمعات خاصة داخل المجتمع. وهكذا بقيت وظائف حياة وظروف المجتمع البورجوازي سياسية، و إن كانت سياسية بما يلائم الإقطاع، هذا يعني أنها فصلت الفرد عن الدولة ككل وحولت العلاقة الخاصة لنقابته بالدولة ككل إلى علاقته الشخصية العامة بحياة الشعب، كما حولت عمله ووضعه البورجوازي المحددين إلى عمل ووضع عام. وكنتيجة لهذا التنظيم تبدو وحدة الدولة كذلك بالضرورة، كما يبدو الوعي والإرادة وعمل وحدة الدولة وسلطة الدولة العامة، كشأن خاص لحاكم معزول عن الشعب ولخدمه.

إن الثورة السياسية التي أسقطت هذه السلطة وجعلت شؤون الدولة شؤون الشعب، والتي أقامت الدولة السياسية كشأن عام، أي كدولة حقيقية، حطت بالضرورة جميع الطبقات والطوائف المهنية والنقابات و الامتيازات وكذلك التعبيرات الكثيرة عن الفصل بين الشعب وكيانه العام. ألغت الثورة السياسية بذلك الطابع السياسي للمجتمع البورجوازي. لقد فتت المجتمع البورجوازي إلى مكوناته البسيطة،إلى الأفراد من ناحية، والعناصر المادية والروحية التي تشكل معنى الحياة والوضع البورجوازي لهؤلاء الأفراد من ناحية أخرى. إنها تعتق العقل السياسي الذي تجزأ وتفكك واندلق في الطرق المغلقة المختلفة للمجتمع الإقطاعي بصورة واحدة، لقد جمعته من هذا الشتات وحررته من اختلاطه بالحياة البورجوازية وشكلته كبيئة للكيان العام، للشعبي العام في استقلال مثالي عن تلك العناصر الخاصة للحياة البورجوازية. انخفضت مكانة المهنة المحددة والوضع الحياتي المحدد ولم يعد لهما سوى معنى فردي. لم يعودا يشكلان العلاقة العامة للفرد بالدولة ككل. بل أصبح الشأن العام بحد ذاته شأنا عاما لكل فرد و أصبحت الوظيفة السياسية وظيفته العامهَ.

كان اكتمال مثالية الدولة وحده اكتمال مادية المجتمع البورجوازي في نفس الوقت. وكان التخلص من النير السياسي تخلصا من الأغلال التي قيدت العقل الأناني للمجتمع البورجوازي في نفس الوقت. كان التحرر السياسي هو تحرر البورجوازي من السياسة في الوقت ذاته، وحتى من مظهر كونه محتوى عاما.

كان المجتمع الإقطاعي قد انحل في أساسه في الإنسان، ولكن في الإنسان الذي هو أساسه حقا، في الإنسان الأناني.

هذا الإنسان، عضو المجتمع البورجوازي هو الآن أساس وشرط الدولة السياسية. وقد اعترف به بهذه الصفة في حقوق الإنسان.

لكن حرية الإنسان الأناني والاعتراف بهذه الحرية هي بالأحرى الاعتراف بالحركة غير المقيدة للعناصر العقلية والمادية التي تشكل محتواها.

و من هنا فإِن الإنسان لم يحرر من الدين وإنما حصل على الحرية الدينية. لم يحرر من الملكية وإنما حصل على حرية الملكية، لم يحرر من أنانية المهنة وإنا حصل على حرية المهنة.

بعمل واحد تمت إقامة الدولة السياسية وحل المجتمع البورجوازي في أفراد مستقلين عن بعضهم – يحدد القانونعلاقتهم، كما كانت الامتيازات تحدد علاقات الطوائف المهنية و النقابات –. فالإنسان كعضو في المجتمع البرجوازي، الإنسان غير السياسي، يظهر بالضرورة بمثابة الإنسان الطبيعي. وتبدو حقوق الإنسان حقوقا طبيعية، حيث أن النشاط الواعي يتركز في الفعل السياسي. الإنسان الأناني هو النتيجة السلبية القائمة للمجتمع المنحل، موضوع اليقين المباشر، أي أنه شيء طبيعي. تفتت الثورة السياسية الحياة البورجوازية إلى مكوناتها دون أن تدخل الثورة إلى هذه المكونات أو تتناولها بالنقد. إنها ترى المجتمع البورجوازي وعالم الحاجات والعمل والمصالح الخاصة والحقوق الخاصة كأساسها لوجودها، كشرط لا يحتاج إلى البرهان، أي كأساسها الطبيعي. أخيرا يعتبر الإنسان، كعضو في المجتمع البورجوازي، الإنسانَ الحقيقي الذي يختلف عن المواطن لأنه الإنسان في وجوده الفردي المحسوس المباشر، بينما الإنسان السياسيهو الإنسان المجرد المصطنع فقط، الإنسان كشخص معنوي أخلاقي. ولا يتعرف على الإنسان الحقيقي إلا في هيئة الفرد الأناني، في هيئة المواطن المجرد.

يصور روسو تجريد الإنسان السياسي تصويرا صحيحا إذ يقول:

من كان يملك الشجاعة لإعطاء شعب النظام القانوني، يجب أن يشعر أنه قادر على أن يغير الطبيعة البشرية، أن يحول كل فرد يشكل بحد ذاته كلا كاملا، إلى جزء من كل أكبر يستمد منه هذا الفرد بطريقة معينة حياته ووجوده، و إحلال وجود جزئي معنوي محل الوجود الفيزيائي المستقل. عليه أن يسلب الإنسان قوته الشخصية ليعطيه بدلا منها قوة غريبة لا يستطيع أن يستخدمها إلا بمساعدة الآخرين (العقد الاجتماعي، الكتاب الثاني، 1782، ص 67)

إن كل تحرر هو إعادة العالم البشري والعلاقات إلى الإنسان ذاته.

التحرر السياسي هو تقليص الإنسان إلى عضو في المجتمع البورجوازي، أي إلى الفرد الأناني المستقل من جهة، وإلى المواطن المعنوي من جهة أخرى.

حين يستعيد الإنسانُ، الفردُ الحقيقي المواطنَ المجردَ إلى ذاته ويكون قد أصبح كإِنسان فرد في حياته التجريبية، في عمله الفردي وعلاقاته الفردية كائنا نوعيا وحسب، حين يكون الإنسان قد تعرف على قواه الخاصة كقوى اجتماعية ونظمها، فلا تنفصل القوة الاجتماعية في هيئة قوة سياسية، عندها فقط يكون التحرر الإنساني قد تحقق.

-2-
« قدرة يهود ومسيحيي اليوم على التحرر »

Einundzwanzig Bogen aus der Schweiz pp.56-71
الملزمة الحادية والعشرون، ص 56-71

تحت هذه الصيغة يعالج باور (2) علاقة الدين اليهودي و المسيحي وعلاقتهما بالنقد. فعلاقتهما بالنقد هي علاقتهما « بالقدرة على أن يكونا متحررين. »

ينتج عن ذلك:

« على المسيحي أن يرتفع درجة واحدة، أن يرتقي فوق دينه، لكي يتخلى عن الدين بشكل عام »،

أي أن يصبح حرا

« أما اليهودي فليس عليه بالعكس أن ينتهي من جوهره اليهودي فقط وإنما أيضا من تطور اكتمال دينه، من تطور بقي غريبا عنه. » (ص 71)

و هكذا يحول باور مسألة تحرر اليهودي هنا إلى مسألة دينية بحتة. الشك الأخلاقي اللاهوتي في من هو الأكثر حظا في أن ينال السعادة الأبدية، اليهودي أم المسيحي، يتكرر في صيغة أكثر تنورا، أي الاثنين أكثر قدرة على التحرر ؟ لم يعد السؤال مطروحا: هل تحرر اليهودية أو المسيحية الإنسان ؟ بل العكس:ما الذي يحرر أكثر نفي اليهودية أم نفي المسيحية ؟

« إذا أراد اليهود أن يتحرروا فإِنه لا يجوز لهم أن يعتنقوا المسيحية و إنما المسيحية الملغاة، الدين الملغى بوجه عام، هذا يعني التنوير، النقد ونتائجه، الإنسانية الحرة. » (ص 70)

لا يزال الأمر متعلقا باعتناق اليهود عقيدة ما، و لكن ليس اعتناق المسيحية وإنما المسيحية الملغاة.

يطالب باور اليهود بالتخلي عن جوِهر الدين المسيحي، وهي مطالبة كما يقول هو نفسه لا تنبثق من تطور الجوهر اليهودي.

و حيث لم يدرك باور، في نهاية المسالة اليهودية، الديانة اليهودية إلا كنقد المسيحية الديني الفج لها، فلا تكتسب لديه إلا أهمية دينية، صار من الممكن التكهن في أن يتحول تحرر اليهود لديه أيضا إلى عمل فلسفي لاهوتي.

يصوغ باور الجوهر المثالي المجرد لليهودي، أي دينه كجوهر كلي له. و يستنتج وهو في ذلك على حق:

« لا يعطي اليهودي للبشرية شيئا، حين يغفل تطبيق قانونه المحدود »، حين يلغي يهوديته بأكملها. (ص 65)

تصبح العلاقة بين اليهود والمسيحيين طبقا لذلك كما يلي: المصلحة الوحيدة للمسيحي في تحرر اليهودي هيإنسانية عامة (نظرية). فاليهودية هي واقع مهين في عين المسيحي الدينية. وحالما تكف عينه عن أن تكون دينية، يكف هذا الواقع عن أن يكون مهينا. أن تحرر اليهود في حد ذاته ليس عملا يناسب المسيحي.

و على العكس فلكي يحرر اليهودي نفسه ليس عليه أن يقوم بعمله فقط وإنما أيضا بعمل المسيحي، أي نقد الأناجيل الأربعة و حياة يسوع، الخ.

« عليهم أنفسهم أن يروا: سيقررون مصيرهم بأنفسهم، فالتاريخ لا يسمح أن يسخر منه. » (ص 71)

إننا نحاول أن نحطم الصيغة اللاهوتية للمسألة. تحيلنا مسألة قدرة اليهودي على التحرر إلى مسألة: ما هو العنصرالاجتماعي الخاص الذي يجب التغلب عليه لإلغاء اليهودية ؟ فقدرة يهود اليوم على التحرر هي علاقة اليهودية بتحرر عالمنا الراهن. تتأتى هذه العلاقة بالضرورة من الموقع الخاص لليهودية في عالمنا المستعبد الراهن.

لنتأمل اليهودي الدنيوي الواقعي، ليس يهودي السبت كما يفعل باور، و إنما اليهودي العادي.
لن نبحث عن سر اليهودي في ديِنه وإنما عن سر الدين في اليهودي الواقعي. ما هو الأساس الدنيوي لليهودية ؟ الحاجة العملية، المنفعة الخاصة. ما هي العبادة الدنيوية لليهودي ؟ التجارة. ما هو إلهه الدنيوي ؟ المال.

حسنا ! سيكون التحرر من التجارة والمال، أي من اليهودية العملية الواقعية تحرير عصرنا لنفسه.

إن تنظيما للمجتمع يلغي التجارة، أي إمكانية التجارة، يجعل وجود اليهودي مستحيلا. سينحل وعيه الديني مثل بخار باهت في هواء الحياة ْالحقيقية للمجتمع. ومن جهة أخرى: إذا أقر اليهودي ببطلان جوهره العملي هذا وعمل على إلغائه، فإنه يعمل انطلاقا من تطوره حتى هذا الوقت، في التحرر البشري العام وينقلب ضد أقوى تعبير عملي للاغتراب الإنساني عن الذات.

و هكذا فإِننا نتعرف في اليهودية على عنصر لاإجتماعي عام راهن دُفع إلى ارتفاعه الحالي من خلال التطور التاريخي الذي أسهم فيه اليهود من هذه الناحية السيئة بحماسة، إلى ارتفاع لا بد له فيه من الانحلال.

إن تحرر اليهود هو في معناه الأخير تحرر البشرية من اليهودية.

لقد تحرر اليهودي فعلا على طريقته اليهودية.

« إن اليهودي الذي لا يُقَبَل في فيينا مثلا إلا على مضض، يتحكم من خلال سلطته المالية بمصير المملكة كلها. واليهودي الذي يمكن أن يكون بلا حقوق في أصغر دولة ألمانية يقرر مصير أوروبا. وبينما تبقى الطوائف المهنية والروابط مقفلة أمام اليهودي أو لا تميل إليه، تسخر شجاعة الصناعة من تعنت مؤسسات القرون الوسطى. » (ب. باور، “المسألة اليهودية”، ص 114)

ليست هذه حقيقة وحيدة. لقد تحرر اليهودي على الطريقة اليهودية، ليس فقط بامتلاكه سلطة المال وإنما أيضا بأن أصبح المال من خلاله وبدونه سلطة عالمية، وأصبح روح اليهودي العملية الروح العملية للشعوب المسيحية. لقد تحرر اليهود بالقدر الذي أصبح فيه المسيحيون يهودا.

يروي العقيد هاملتون على سبيل المثال:

« أن ساكن انكلترة الجديدة الورع و الحر سياسيا هو نوع من الكاهن لاوكون، الذي لا يبذل أقل جهد ليتحرر من الأفاعي التي تلتف حوله. إن عبد المال هو وثنها، إنها لا تصلي له بالشفاه وحدها وإنما بكل قوى أجسامها ومشاعرها. ليست الأرض في نظرها سوى بورصة، وهي مقتنعة أن لا قدر لها في هذه الدنيا سوى أن تصبح أغنى من جيرانها. لقد سيطرت التجارة على جميع أفكارها، وأصبحت تسليتها الوحيد تغيير الأشياء. تحمل حين تسافر أمتعتها التافهة أو مكتب تجارتها على ظهورها، ولا تتحدث عن شيء غير الفوائد والأرباح. وإذا ما غابت تجارتها عن أعينها لحظة فإِنما يحدث ذلك فقط لتتجسس على الآخرين. »

نعم، لقد بلغت سلطة اليهودية على العالم المسيحي في أميركا الشمالية التعبير الطبيعي الذي لا لبس فيه حتى أن التبشير بالإنجيل نفسه ووظيفة التبشير المسيحي أصبحا بضاعة يتاجر بها، والتاجر المفلس في الإنجيل يفعل ما يفعله الإنجيلي الذي أصبح ثريا في التجارة.

« فذلك الذي يقف على رأس رهبانية محترمة قد بدأ تاجرا، ولأن تجارته أخنقه أصبح رجل دين، وبدأ آخر بوظيفة الكاهن وما أن أصبحت لديه كمية معينة من المال حتى استبدلها بالتجارة. والوظيفة الدينية هي سيرة مهنية في نظر الغالبية فعلا. » (بومون، 1، ص 185-186)

و وفقا لباور فإِنه

« لوضع كاذب أن تحجب عن اليهودي الحقوق السياسية على الصعيد النظري، بينما يملك في الواقع العملي قوة هائلة ويمارس تأثيره السياسي الكبير حتى لو كان محددا في التفاصيل. » (المسألة اليهودية، ص 114)

إن التناقض بين السلطة السياسية العملية لليهودي وحقوقه السياسية هو التناقض بين السياسية وسلطة المال بشكل عام. فبينما تحتل الأولى نظريا مكانا فوق الثانية، فإِنها في الواقع مستعبدة لها.

لقد عاشت اليهودية إلى جانب المسيحية ليس فقط كنقد ديني للمسيحية، ليس فقط كشك متضمن في الأصل الديني للمسيحية، وإنما أيضا لأن الروح العملية اليهودية، لأن اليهودية بقيت في المجتمع المسيحي نفسه وحصلت حتى على أعلى نمو لها. فاليهودي الذي يعتبر عضوا خاصا في المجتمع البورجوازي ليس سوى الظاهرة الخاصة ليهودية المجتمع البورجوازي.

لقد بقيت اليهودية ليس رغما عن التاريخ وإنما من خلال التاريخ.

فالمجتمع البورجوازي يولد من أحشائه الخاصة اليهود دون انقطاع.

ما هو أساس الدين اليهودي في ذاته ؟ الحاجة العملية، الأنانية.

و من هنا فإن توحيد اليهودي هو تعدد الآلهة بتعدد الحاجات، هو تعدد آلهة يجعل من بيت الخلاء نفسه موضوعا للقانون الإلهي. الحاجة العملية، الأنانية، هي مبدأ المجتمع البورجوازي، وتبرز على هذا النحو حالما يكون المجتمع البورجوازي قد أتم ولادة الدولة السياسية. إن إله الحاجات العملية والمصلحة الذاتية هو المال.

المال هو إله إسرائيل المتحمس الذي لا ينبغي أن يوجد أمامه إله آخر. يحط المال من قيمة جميع آلهة الإنسان الأخرى ويحولها إلى سلعة. المال هو القيمة العامة القائمة بذاتها لجميع الأشياء. ومن هنا فقد نهب من العالم كله، عالم الإنسان والطبيعة قيمته الخاصة. المال هو الجوهر الغريب عن الإنسان وعمله ووجوده، وهذا الجوهر الغريب لا يسيطر عليه و حسب، وإنما يجعله يعبده.

لقد أصبح إله اليهود دنيويا، وصارت الصيرفة هي الإله الحقيقي لليهودي. إلهه هو الصيرفة الوهمية وحسب.

إن النظرة إلى الطبيعة، تلك التي تنشأ في ظل سيادة الملكية الفردية و المال تعني الاحتقار الحقيقي والحط العملي من قيمة الطبيعة اللذين يوجدان في الديانة اليهودية حقا، ولكنهما يوجدان في الوهم فقط.

يعلن توما مونتسر [في منشور 1524] بهذا المعنى أنه أمر لا يطاق

« أن تكون جميع المخلوقات قد حولت إلى ملكية، الأسماك في الماء، الطيور في الهواء، النباتات على الأرض – يجب أن تكون المخلوقات حرة أيضا. »

إن ما هو مجرد في الدين اليهودي هو احتقار النظرية والفن والتاريخ والإنسان كغاية بحد ذاتها، هذا هو الموقف الحقيقي الواعي، فضيلة إنسان المال. أما علاقة النوع ذاتها، العلاقة بين الرجل والمرأة ..الخ فإنها تصبح موضوعا للتجارة ! تصبح المرأة بضاعة يتاجر بها.

إن القومية الخرافية لليهودي هي قومية التاجر، إنسان المال بشكل عام.

و قانون اليهودي الذي لا أساس له ليس سوى الكاريكاتير الديني للأخلاقية التي لا أساس لها وللقانون بوجه عام وللطقوس الشكلية وحسب، تلك التي يحيط عالم المنفعة الذاتية نفسه بها.

العلاقات القانونية هي هنا أيضا العلاقات الأسمى، العلاقات إزاء قوانين لا تشمله، لأنها انبثقت من إرادته وكيانه الخاصين، وإنما لأنها سائدة و لأن الخروج عليها معاقب عليه.

إن اليعقوبية اليهودية، اليعقوبية العملية نفسها التي يحيلنا باور إليها في التلمود، هي علاقة عالم المنفعة الذاتية بالقوانين السائدة فيه والتي يشكل الالتفاف الذكي عليها الفن الرئيس في هذا العالم.

أجل، إن حركة العالم ضمن قوانينه هو إلغاء حتى للقانون.

نظريا، لم تستطع اليهودية كدين أن تتطور لأن نظرة الحاجة العملية إلى العالم ضيقة الأفق بطبيعتها، تستنفد بعد وقت قصير.

لا يمكن لدين الحاجة العملية بطبيعته أن يبلغ الكمال في النظرية وإنما في التطبيق، لأن حقيقته هي التطبيق.

لم تستطع اليهودية أن تخلق عالما جديدا، وإنما استطاعت فقط أن تجتذب مبتكرات العالم الجديدة وأوضاع العالم إلى مجال نشاطها، لأن الحاجة العملية التي تكون المنفعة الذاتية عقلها، تقف موقفا سلبيا منها ولا تتسع حسب الرغبة وإنما تجد متسعها مع استمرار تطور الأوضاع الاجتماعية.

بلغت اليهودية نقطة الذروة باكتمال المجتمع البورجوازي، لكن المجتمع البورجوازي لا يكتمل إلا في العالمالمسيحي. في ظل المسيحية فقط، التي تجعل جميع العلاقات الوطنية والطبيعية والأخلاقية والنظرية شيئا ظاهريبالنسبة للإنسان استطاع المجتمع البورجوازي أن ينفصل عن حياة الدولة انفصالا تاما ويمزق جميع روابط النوع ويضع الأنانية وحاجة المنفعة الذاتية مكان رابطة النوع ويحل عالم الإنسان في عالم من أفراد مفتتين يعادىِ بعضهم بعضا.

لقد انبثقت المسيحية من اليهودية. ثم عادت وذابت في اليهودية.

لقد كان المسيحي منذ البدء هو اليهودي المنظر، واليهودي من هنا هو المسيحي العملي، وقد أصبح المسيحي العملي يهوديا ثانية.

لقد تغلبت المسيحية على اليهودية الواقعية في الظاهر فقط. وقد كانت أكثر سموا وأكثر روحانية من أن تلغي فجاجة الحاجة العملية بطريقة أخرى غير تصعيدها إلى أثير.

المسيحية هي الفكرة النبيلة لليهودية واليهودية هي الاستخدام العادي للمسيحية، ولكن هذا الاستخدام لم يستطع أن يصبح عاما إلا بعد أن استكملت المسيحية كدين ناجز اغتراب الإنسان عن نفسه وعن الطبيعة نظري.

عند ذاك فقط استطاعت اليهودية أن تصل إلى السيطرة العامة وتبيع (تغيب) الإنسان والطبيعة المتخلى عنهما وتجعلهما قابلين للبيع، وموضوعا لعبودية الحاجة الأنانية والتجارة.

البيع [verausserung] هو الجانب العملي للتخلي (الإغتراب) [Entausserung]. كما يحول الإنسان كيانه إلى شيء ما دام أسير الدين، بأن يجعله كيانا خياليا غريب (مغيبا)، فإِنه لا يستطيع تحت سلطة الحاجة العملية إلا أن ينشط بطريقة عملية، فينتج أشياء عملية بأن يضع منتجاته وكذلك نشاطه تحت سيطرة كائن غريب ويمنحها قيمة كائن غريب –المال–.

تتحول الأنانية الروحية المسيحية في عمله الكامل بالضرورة إلى أنانية الجسد اليهودية، الحاجة السماوية إلى حاجة أرضية، والذاتية إلى منفعة ذاتية. إننا لا نفسر صلابة اليهودي بدينه بل بالأساس البشري لدينه،الحاجة العملية، الأنانية.

و لأن الجوهر الحقيقي لليهودي قد تحقق بشكل عام في المجتمع البورجوازي، و أصبح دنيويا، لم يستطع المجتمع البورجوازي إقناع اليهودي بوهمية جوهره الديني الذي هو ليس سوى المفهوم المثالي للحاجة العملية.

و هكذا فإِننا لا نعثر على جوهر يهودي اليوم في الأسفار الخمسة الأولى من العهد القديم وفي التلمود وحسب، وإنما نجده في المجتمع الراهن، ليس كتجريد وإنما ككائن على أعلى درجة من العملية، ليس فقط كضيق أفق اليهودي وإنما كيهودية المجتمع ضيقة الأفق.

حالما ينجح المجتمع في التغلب على الجوهر العملي لليهودي، على التاجر و شروطه، يصبح وجود اليهودي مستحيلا، لأن وعيه لا يعود يملك موضوعا، و لأن القاعدة الذاتية لليهودية، وهي الحاجة العملية قد اتخذت طابعا إنسانيا، لأن النزاع بين الوجود الفردي المحسوس وبين وجود النوع البشري قد ألغي.

إن التحرر الاجتماعي لليهودي هو تحرر المجتمع من اليهودية.

كتب في آب – ديسمبر 1843
(الحولية الألمانية الفرنسية، باريس 1844)

Written by حليمْ

12 ديسمبر 2011 at 2:23 ص

- الدين لله والهمبرغر للجميع!

leave a comment »



أصبحنا وأصبح الملك لله.

بينما أكتب هذه السطور. أعرف بأن هنالك من يحاول تقطيع شرايينه في الحمام, وعاشق يفكر برمي نفسه من أعلى الجسر, و مناضل معذب شريف يرقد على وجهه في فندق قذر بوطن أقذر , مغلق العينين يتأمل أعماقه الحزينة, وفقير: يغلقون على يده الباب, وسجين يكتب عن وحدته وهو يغني, ومغترب يتأمل كل صباح ملامحه في مرايا الصمت والحنين, وفأر على سفينة بورجوازية يمارس حياته اليومية بالهرب من المصيدة ويحاول أن يسيطر على شهوته القوية أمام قطعة الجبن المسممة, والملايين في افريقيا وشتى بقاع العالم يحتضرون من البرد والجوع والقهر, وانطلاقاً من مقوله جدو ماركس ألتي دائماًً ما يتم اقتطاعها من جملتها الكاملة بشكل ظالم لذالك لن يزعل مني لو عبثت بها قليلاً وعصرنتها: الدين هو همبرغر المخلوق المضطهد, كاتشيب من لا كاتشيب له, مايونيز ظروف لا روح لها, الدين إنهُ ماكدونالدز الشعوب! ماركس ألذي لم يشغل نفسه بالتفكير في سؤال الفلاسفة الديمومي: لم خلق الانسان؟ ومين ياترى شرف علحياة أولاً : البيضة أو الدجاجة ؟ الرطوبة أو البعوض؟ اللغة أو اللسان؟ الحزن أو الفرح؟ المرأة أو الخطيئة؟ القضاء أو القدر؟ صدر اليسا أو العزيمة أو العولمة أو مين بالضبط؟ بل فضل ببساطة السعي خلف السؤال الأهم : كيف يعيش الانسان؟ ليس موضوعنا.

يؤسفني أن أخبرك بأن خوض أي معركة جانبية مع الشيعة سواء عامتهم أو الـ VIP يشبه خوض معركة مع الهمبرغر. همبرغر ماكدونالدز تحديداً! أعرف بأنك تتضور جوعاً لمعرفة الرابط التجاري الاستهلاكي العجيب بين الشيعة وهمبرغر ماكدونالدز. إلا أنني لن أخبرك وسأتركك تفكر وتقول بداخلك : هذا إما عبقري أو مخبول! إذا وقع اختيارك على الكلمة الثانية: أرجو أن تأخذ بعين الاعتبار إدماني اللا محدود على الأندومي في الفترة الأخيرة.

كل طائفة تخبّئ تحت إبطها كتلة من الأحقاد المالحة الراكنة في قاع تشكيلها للوعي. البعض يخبئها في خزائنه لأنها قد صغرت عليه وصار وعيه أكبر منها إن صح التعبير. البعض يمسك بشواربه ويشد قبضته ويضرب على الطاولة ويسارع في الرد على الشبهات واجهاض أفكار الآخر كي يلحق بالمسرحية من أوّلها. أعتقد بأن الانسان المهزوز إيمانياً يميل إلى الدونجوانيّة الاستعراضية الطائفية أكثر من غيره وهذا مايحثه على التحول من انسان مسالم ومعتدل إلى برغوثة غاضبة وعدوانية ودك تلعن جدف جدفها بنت الكذا والهكا لأن لا صِهر لهذا الانسان إلا الروائح الكريهة المنبعثة من سطل براز ثقافته الفاشية وأوهامه الراديكاليّة الأندلسية بأنهُ يخوض آخر وأهم معارك الله على الأرض. ويعتقد بأنه محامي قبيلته, وهرقل عقيدته, ويتصرف كما لو أنه زعيم خارق, مؤمناً بأنه لو ألقى بجسده على الحشود الجماهيريّة لتهافتوا للقفه. نصيحة رومنطيقية, فجرية, صرصورية, شخصية لك : بلاش عباطة واوعى تقفز!

- أتساءل: هل سبب تكاثر المواضيع العنصرية الطائفية واقبال الناس عليها بسبب كثرة المعوقين فكرياً؟ المشوهين نفسياً؟ الممسوخين أخلاقياً؟ المفلسين ثقافياً؟ الأميين منطقياً؟الشحاذين روحانياً؟ المهمشين اجتماعياً؟ المشلولين نقدياً؟ المعطوبين عاطفياً؟ المتوحشين قلبياً؟ الموتى حياتياً؟ الخائفين مستقبلياً؟ المكبوتين بطيخياً؟ المتنيلين على عينهم استحمارياً؟ أم ماذا بالضبط؟

إنّ أفكار كهذه لايمكن أن تصدر من طهرانيه خالصة أو نوايا سلمية – سلمية. نغمها كما تريد! فالمسألة تحمل بُعد سياسي واجتماعي وفسوخ ايدولوجي في ثقافة سائدة بالاحتقان يتم التستر عليها واحتكارها في رسم قوس قوح رافضي مشرق في سماء ناصبية صافية والأمور طيبة واحنا بخير! المسألة أعمق من اعتراض عابر, أو هجوم بربري موسمي على معتقدات مذهب آخر. فلا داعي لأن نكذب على أنفسنا. لا داعي لأن نرفع شعارات رومانسية طوبرية مثل – التركيز على نقاط الالتقاء بين المذهبين وماشابه – فهذا لن يزيد الطين إلا بله! بل الأنيل من ذالك من تمنعه عنصريته وعنجهيته وحقده الفطري كما يبدو على الشيعة بشكل عام في تأمل أحداث هذه الملحمة الوحشية وآثارها وتوابعها على الطائفتين بنظرة علمية مستقلة. بل الأنيل والأنيل من هذا كله من يحاول أن يقف على الحياد في مسألة مفصلية كواقعة كربلاء وينزلها إلى مستوى العادية ويقول وأوراق الخريف تتساقط من خلفه, وصوت الكمنجة الحزين يتشابك مع صوته : سيدنا آل بتشينو رضي الله عنه ئتل سيدنا روبرت دينيرو رضي الله عنه!

يذكر أحد المفكرين الرومان في القرن التاسع عشر أن الملكيّة السيئة تؤدي إلى الجمهورية, والجمهورية السيئة تؤدي إلى الاستبداد. أضيف على كلامه : الاستبداد الجماعي في المجمل يقوي النزاعات الطائفية. فالعيش الإكراهي بنمط حياة تقليدية مكررة وغياب الحريات يؤديان إلى نشوء أمراض ذاتية معقدة. إنّ العنصرية الدينية أو المذهبية أو العرقية أو اللونية أو الجنسية ليست مشكلة جديدة تم اكتشافها قبل اصدار موبايلي عروضها السحرية الأخيرة بقليل! ولا توجد بيانات موثقة عن إجمالي عدد الأشخاص ألذينّ يضمرونها في عقولهم وقلوبهم وأرصدة لا-وعيهم الوضيعة, ولا يمكننا احتكارها على طبقة معينة من الأجناس الاجتماعية أو طائفة مركزية محددة. يقول الأندلسي الجميل أبو وليد الوقاصي : إن للناس علمين فقط . علم حق لا يمكن أن يصلوا إلى حدوده أبداً, وعلم كاذب لا ينفع! ويقال بأن الرسم: هو الانسان ضدّ نفسه. كان من الأجدر أن يقال أن الطائفية: هي الانسانية كلها ضد جميع ذواتها!

لا فائدة من الإلماح رمزاً أو الافصاح تحليلاً. ففكرة ايجاد مقياس عقلي دقيق يقتنع به كل أحد ضرب من الغباء والخيال. فهذا الطفل أو الرجل الشيعي حتى لو ضرب رأسه بفأس أو سيف أو خاشوقة أو بازوكه أو كلينيكس أو وردة : لن يرضي السني العاجز أساساً على استعياب أن مايحركهم ويدفعهم على القيام بهذا الفعل علانية – المشمئز بنظري – هو حبهم و بحثهم وأملهم في الثواب لا الألم. مثله مثل البني آدم ألذي يلف خصره بحزام ناسف ويحشو دبره بالمتفجرات. مع فارق الأذى موضوعياً على المستويين: الاقليمي والعالمي. فكما أن البعض يعجبه التطبير أو التفجير أو اللطم أو الشتم أو سماع فتوة تكفيرية بين الفينة والفينة: البعض الآخر ببساطة يحتقرها. يحتقرها لأنه غير قادر على تقبلها. فلذالك من منتهى السخافة والتفاهة انتهاز هذه الظواهر وأخذها على أنها ذريعة مناسبة أو منهجية فكرية يبني عليها الانسان انحيازه ويبرر بهم تعصبه المقيت فهو هكذا كمن يحاول أن يتخلص من شعور هو لا يشعر به أساساً!

ما أريد قوله معقد قليلاً. لماذا الانسان العربي صار يتمنى الموت كي يبقى على قيد الحياة؟ إنّ الشعور بالدونية هو مقبرة الأخلاق. ربما لهذا السبب نجد بأن الهجمات دائماً ما تبدأ من طرف الطائفة السنية أغلب الأوقات. أنا هُنا لا أعني الهجمات الشخصية. بل أعني انعكاس الصراعات السياسية الطولية على محتوى الهجمات العرضية الفردية. لن يفهم الجملة الأخيرة ألتي كتبتها إلا ناصر الجوهر. لذالك: وكي أكون أكثر وضوحاً وجدية ومن منطلق موضوعي بحت: يبدو لي بأن الانسان السني البسيط محبط وفاقد لهويته أكثر من الانسان الشيعي البسيط لأسباب عديدة أهمها: الانقسامات السنية – السنية الداخلية والطريقة المهينة أوالنهايات المذلة لحكامهم واستقبال مزبلة التاريخ لمعظم رموزهم بالفترة الأخيرة وتفاقم القوة الايرانية وانتصارات حزب الله. قال يوسف ادريس مرّة: انّ في العالم قوتان مخيفتان تهددان البشرية هما ألمانيا الغربية – قبل توحيد الالمانيتين – واليابان. ويعود سبب هذا الاستنتاج إلى ماحققوه من أشياء مهمة في مجالات متعددة وميادين متفرقة أهمها في ميادين التقدم الصناعي. وكل منهما لديه عقدة قوية. الألمان يعانون من عقد التفوق: لديهم شعور بأنهم مبدعون ومتفوقون أكثر من الشعوب الأخرى. اليابانيون على النقيض: يعانون من عقدة الدونية! وهاتان العقدتان تدفعان الدولتين للتغلب على العالم. اشبه قادة الشيعة اليوم بالألمان والسنة باليابان. إلا أن الحقيقة الأهم والغائبة عن نظرنا في فوضى طائفيتنا هي : كلنا معذبون. كلنا خنافس مشوية في أيدي الحكومات والمشاريع الإمبريالية. كلنا حمير بامتياز عميق عند من يشغلون المناصب العليا في البلاد. تتطفح جثثنا في الشوارع بالتساوي وتصعد أرواحنا للغيب وهي زاحفة عبر بخار الفساد وعفن الضمير. انّ الاننشغال في الصراعات المذهبية غير مجدٍ. علينا عدم الانزلاق فيها على الرغم من أننا فعلنا ذالك وخلصنا!

أستغرب من ألذينّ يعتقدون بأنهم قد وصلوا بايمانهم النسبي إلى الحقيقة المطلقة. أستغرب: كيف لطائفة مضطهدة أن تضطهد طائفة أخرى هي أوردي مضطهدة؟ كيف للمسلمين وهم يعانون اليوم من ويلات حرائق الاستبداد والاستهزاء والتحقير والاحتلال والاذلال أن يحولوا غضبهم وأذاهم ومعاناتهم وثورتهم صوب بعضهم البعض؟ أستغرب من ألذينّ هم دائماً على أهب الاستعداد والجهوزية عند وقع أي حدث طائفي أو مصيبة فردية أو تصرفات شاذة. تجده يحفظ دوره جيداً, فمقاطع اليوتيوب دائماً جاهزة, الجماهير في مقاعدها, لا مجال للسير الارتجالي أو الغلط, نفوس الحاضرين, عواطفهم, انفعالاتهم مشدودة, المخرج يصرخ: ستاند باي, كلاكيت 1400 مرة, آكشن! تأخذه الحماسة, فيضرب بتعليمات المخرج عرض الحائط, ينسى نفسه على خشبة المسرح ولا ينزل عنه إلا بعد أن يولعها على الآخر. المؤسف في كل هذا العرض أن الأغلبية تصفق له بحرارة, لكن الأسف الأكبر أن نصدق بأن الأغلبية هي من صفقت!

فعلى هذا, أيها الشعب الازدواجي. أيها الشعب ألذي نصفه مغرر به والنصف الآخر ملعوب عليه: نحنُ بحاجة إلى مواجهة القمع المرير بشجاعة حُلوة مشتركة وتوحيد سلوكنا وكلامنا وتحقيق مايشبه المعجزة بعدم الانخراط في المهاترات الطائفية السنية / الشيعية. علينا بالسعي الحثيث نحو اكتشاف ذواتنا الصالحة وجوهر الأشياء الحياتية والحصول على الحرية بمعناها الانساني الشامل. ان صراع المضطهدين مع بعضهم البعض أمر كارثي على جميع المستويات ويقوي الخرائب في أعماق وعينا الاجتماعي. النزاعات الطائفية: معارك لا يفتعلها إلى المرضى النفسيين الساعيين لتدمير الانسان بمنتهى الوحشية والقسوة والحط من كرامته بكل ماتحمل الكلمة من معنى وجودي عميق.

كونوا واقعيين واطلبوا المستحيل ولا تنسوا أن تركزوا على الهمبرغر!

Written by حليمْ

8 ديسمبر 2011 at 6:56 ص

- بابلو نيرودا.

with one comment


.
.
ميت هو ذاك الذي يصبح عبدا لعاداته، مكررا نفسه كل يوم. ذاك الذي لا يغيّر ماركة ملابسه ولا طريق ذهابه الى العمل ولا لون نظراته عند المغيب. ميت هو ذاك الذي يفضّل الأسود والأبيض والنقاط على الحروف بدلا من سرب غامض من الانفعالات الجارفة، تلك التي تجعل العينين تبرقان، وتحوّل التثاؤب ابتسامة، وتعلّم القلب الخفقان أمام جنون المشاعر. ميت هو ذاك الذي لا يقلب الطاولة ولا يسمح لنفسه ولو لمرة واحدة في حياته بالهرب من النصائح المنطقية. ذاك الذي لا يسافر ولا يقرأ ولا يصغي الى الموسيقى، ذاك الذي لا يقبل مساعدة احد ويمضي نهاراته متذمرا من سوء حظه أو من استمرار هطول المطر. ميت هو من يتخلى عن مشروع قبل ان يهم به، ميت من يخشى ان يطرح الأسئلة حول المواضيع التي يجهلها، ومن لا يجيب عندما يُسأل عن أمر يعرفه. ميت ٌ من يجتنب الشغف ولا يجازف باليقين في سبيل اللايقين من اجل ان يطارد احد أحلامه.

Written by حليمْ

13 نوفمبر 2011 at 9:25 م

مقطع من : بيان من أجل شيوعية تحررية / فرنسا.

leave a comment »


.
.
صراع ثوري

نحن ثوريون، أي أننا نؤيد تغييراً جذرياً للمجتمع. يسعى الصراع الطبقي أن يقود إلى تغيير سلم الأولويات والمعايير في المجتمع. يمكن أن يحل الصراع الطبقي علاقات إنتاج ذاتية الإدارة محل العلاقات الرأسمالية؛ أن يحل ديمقراطيةً ذاتية الحكم وفدرالية محل الدولة؛ أن يحل علاقة عالمية مساواتية جديدة محل النظام الإمبريالي.أن نكون ثوريين فهذا لا يعني أن نكون سلبيين وأن ننتظر قطيعةً “سوف تقوم لا محال”: ليس المستقبل مكتوباً في أي مكان، إنه ما سوف يصنعه الناس، وعند كل حقبة تاريخية تتعدد الإمكانات. ليس ثمة سبب يبرر مقولة أن التاريخ وصل إلى مرحلة أخيرة: الرأسمالية ليست الشكل الأخير للمجتمع الإنساني. إلا أن الاشتراكية ذاتية الإدارة لن تأخذ محل الرأسمالية ميكانيكياً، في نهاية “أزمة أخيرة” ذات مخرج واحد.

أن نكون ثوريين، هذا لا يعني كذلك أن نقطع أنفسنا عن شروط حياة ونضال محدودة فرضها الإطار الرأسمالي، طالما لم يتمَّ بعدُ القضاء على الرأسمالية. نحن نرفض مقولة “الكل أو اللا شيء” ونؤكد على العكس من ذلك أن الطريق الذي يمكن أن يمهد لثورة مقبلة يقوم عبر تناقضات المجتمع الواقعي، وعبر النضالات الجزئية التي يجب خوضها. نحن نرى أن القطيعة الثورية والانتقال من مجتمع رأسمالي إلى مجتمع ذاتي الإدارة هي ثمرة سيرورة صراع طبقي تاريخية وطويلة المدى، كما ثمرة ترشيد وعي الناس حيث يفرض الشغيلة والسكان سلطتهم المضادة تدريجياً.

كثوريين نحن لسنا بالضرورة مؤيدين لحل عنفي. الأساسي في سيرورة التغيير هو العمل البناء الذي يفترض أن يدافع الناس عن ذاتهم للحفاظ على المكتسبات. إلا أن درجة العنف هي أولاً ما تختاره وتفرضه الطبقات الحاكمة المنتصر عليها. يمكن إذاً أن يكون العنف ضرورياً. يجب بالتالي أن نكون حذرين، كي نتنبه لتجاوزات ولخطورة العسكرة.

ما عدا في حالات الحكم الدكتاتوري أو الاحتلال العسكري أو الكولونيالي، نحن معادون للعمليات الأقلوية (الفردية) العنيفة التي تقوم بها مجموعات مسلحة مقطوعة عن السكان والشغيلة، كما نحن نعارض القيام بعمليات تهدد حياة الناس. إن النشاط الأقلوي المسلح القائم في ظروف كهذه يؤدي إلى مواجهة مفتوحة مع الدولة ويشرع تعزيز قواها ويؤدي إلى انعزال بارانويي.

من ناحية أخرى، في إطار الرد النضالي لدى الجماهير ينزع النظام البوليسي والقضائي إلى تجريم أشكال عديدة من النضال الطبقي الجماهيري. لذا فإن علينا أن نقيم خط تماس واضح بين الأعمال الأقلوية المنعزلة والأشكال القاسية التي يمكن أن تتخذها نضالات الشغيلة والناس للدفاع عن مكتسباتها وعن نضالاتها.

كذلك نحن لا نخلط بين العمل المسلح الأقلوي وبين اللاشرعية التي تفرضها على التنظيمات الثورية والطبقة العمالية دولة قوية تتنكر لحق الإضراب أو التظاهر. كما لا نرى في العمل الرمزي للأقليات ضد رموز السلطة والاستغلال مجرد إرهاب أعمى.

أخيراً تجدر الإشارة إلى أن إرهاب الدولة هو المسؤول في أغلب الأحيان عن الأعمال المسلحة الأقلوية (التي يقوم بها مجموعة أفراد)، لا سيما في البلدان المستعمَرة.

خلاصة القول إن عمل الثوريين لا يمكن تحديده بمفهوم احترام الشرعية المفروضة من الدولة، بل هو يتطور طبقاً لوعي الجماهير التي تحدد هي، في نهاية المطاف، معيار مشروعية الأعمال النضالية.

نص مقرَّر
في 18-19-20 أيار 1991.

Written by حليمْ

13 نوفمبر 2011 at 4:34 ص

- وذهبت ..

leave a comment »


.
.
أتيت الاولاد المشردين بالأوراق
وسألتهم ان يرسموا اشجاراً
فرسموا اغصاناً طويلة فارغة
نائمة على الارض
وعليها مدفع وعسكر
فقلت: لا، الا هذا
ارسموا زهراً وبيتاً
فرسموا زهوراً ملقاة في مياه المطر 
و العسكر يدوسها
وقلت: لا، الا هذا
ارسموا عصفوراً يغني
كما كنتم ترسمون من قبل
فرسموا عصفوراً يبكي
و المطر يهطل
فسكت واخذت الاوراق
وذهبت ..


-زياد الرحباني، كتاب صديقي الله،
كتبه وعمره لا يزيد عن 12 ربيعاً.

Written by حليمْ

13 نوفمبر 2011 at 4:26 ص

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 133 other followers