ميلو-دراما رخيصة.

+ 18

Archive for the ‘أيامُ اشتراكية.’ Category

- الفن: الماركسية وعلم الجمال.

with 2 comments


  • هذه اطروحات تتناول مختلف الاشكاليات وكتبتها لدحض اطروحات بعض النقّاد المثاليين الذين يدّعون بأن الفن والجمال ليس لهما علاقة بالماركسية. إننا هنا نعرض طرحاً جدلياً بين الاختزالية للفنون في السياسة الثورية وبين محاولات خلع الفنون من العالم الذي يحكمه الاقتصاد السياسي، واتمنى ان تكون هذه الاطروحات  مفيدة لك أيها الرفيق / الرفيقة.
  •   
  • إن اهتمام الماركسيين بالفن هو ليس بالأمر الغريب، فالمنفستو - البيان الشيوعي – كُتب على يد فريدرك انجلز ، كما ورد في الرسائل المتبادلة بينهما. ولم يضع ماركس إلا اللمسات الأدبية في المانفستو. كانت الصور الفنيّة الشبحيّة من التراث الرومانسي في تلك الحقبة ، التي لها أثر كبير في الإنتاج الراديكالي الفني. و عندما نرجع إلى كتاب امبيرتو ايكو “عن الأديب” ، سنجد بأنه لا يعتبر المنفستو الشيوعي عبارة عن نصاً سياسياً خالصاً ، بل هو فناً جمالياً يستدعي الدراسة و التأمّل: ” أشباحٌ تغزو أوروبا ” كما ورد في مطلع المنفستو .. هذا التعبير مُخيف ومرعب وليس مجرد طرح أسطوري .. كما يحاول أن يتخيّله أحد منا اليوم ، فالخيالات ازدهرت في الحقبة الرومانسية وكانت عبارة عن ثورة للمتمردين على النمط الكلاسيكي في القرن التاسع عشر – الذي تملئوه الثورات على الحقبة الإقطاعية وسيطرة النبلاء والملكيّة المُطلقة. ويطالب ايكو بأن يتم تدريس المنفستو الشيوعي في المدارس مع الروايات والمسرحيات الكلاسيكية لمَ فيه من جماليّات أدبية تحرّض على الخيال والنقد والفهم للإشكاليات المختلفة في المجتمعات الحديثة. ولا يمكن اختزال الصور الفنية المليئة بالطرح الجمالي لدى ماركس في المانفيستو وحسب، بل في اطروحات نقد هيغل، هنالك العديد من الصور الأدبية الرائعة، على سبيل المثال في نقد الدين عندما قال: ” انه زفرة الإنسان المضطهد . . و روح في عالم بلا روح . . عالم منزوع الرحمة .. إنه أفيون الشعوب ” ، وطوّر الماركسي جلبير الأشقر تلك الصور عبر تحليل سياسي دقيق للدين بوصفه: ” كوكايين ” و ” أفيون ” بنفس الوقت – وهذا الجدل بينهما يمكن اكتشافه أكثر عبر قراءة مقال جلبير الاشقر حول الماركسية ونقد السلفية ، عندما حلل جلبير الدين على انه وسيلة لحشد الطاقات وفي نفس الوقت وسيلة لتخديرها.
  • jakoburnian:<br /><br />
<p>Work, buy, consume, die.<br /><br /><br />
” width=”424″ height=”301″ /></li>
<li style=
  • كان الوصف الفني دائماً حاضراً لدى الماركسيين، فلقد سخر ماركس من أحدهم عندما وصفه بـ دون كخيوته ، تلك الرواية الفرنسية المعروفة التي تصوّر اغتراب الفارس الذي يعيش في حقبة ما بعد الفروسية. لقد أصبحت كل التقاليد الكلاسيكية للفرسان بلا معنى في الزمن الحديث. وأيضا نجده يستلهم النقد المادي من بعض الصور الفنية الإغريقية في الأدب، عندما وصف المال بالعاهرة \ القوّاد ، أو في اقتباسه لشكسبير من مقاطع من تاجر البندقية في نقد استغلال الأطفال في المصانع – عندما تحدّث عن العقد التجاري الذي ينتصر على المتطلبات الإنسانية. وتحدّث في الفلسفة عن الانطلاق من الأرض إلى السماء، بدل الفلسفة المقلوبة لدى المثاليين، في التحليل بدأ من السماء هبوطاً إلى الأرض. هذا بحد ذاته وصفاً فنياً وطرحاً واقعيا للفلسفة , من منظومة التفسير لمنظومة التغيير. وعندما كتب بوردون كتابه الشهير: “فلسفة البؤس” ، رد عليه ماركس بكتاب بعنوان: ” بؤس الفلسفة “ ، ولم تنتهي تلك المعارك هنا ، بل ضاق ماركس ذرعاً بالفلسفة الهزيلة لدى بعض الثوريين فرد عليهم رداً لا يخلو من المزج بين الفلسفة والتصوير الساخر بفن مُتقن عندما قال: ” ذات مرة ، قفزت إلى ذهن أحد المغامرين رؤية مفادها: إن الناس يغرقون في الماء فقط لأن فكرة الجاذبية تتملكهم كلياً ، لكن إذا استطاع احد ما أن يطرد هذه الفكرة من رأسه بالقول مثلاً: إنها فكرة سطحية أو وهم ديني فسيصبح حتماً محصناً ضد مخاطر الغرق. وبهذا يقضي المغامر حياته كلها مناضلاً ضد وهم الجاذبية الضار والذي من الناحية الأخرى تثبت كل النتائج العلمية والتجريبية صحته .. مع الأسف ، إن الفلاسفة الألمان هم من طينة هذا المغامر” ، إذن, نحن هنا نجد ماركس يثور على العالم الفكري المحض عبر الدلالة العلمية والفنية بطرح الأمثلة والسخرية اللاذعة من المثالية البائسة التي تختزل تحليل الأشياء في عالم الأفكار، فهم كما وصفهم ماركس: يضعون العربة أمام الحصان ، و ليس العكس – يبحثون في الأفكار ويتناسون عالم الإنسان، ولا يُحللون العالم المادي ولا يُعيرون له اهتماماً، بل يعتقدون انها مجرد أزمة وعي. ومن هنا نجد أن الفن والجمال لدى ماركس ، مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالعالم المادي وليس منفصلا عنه – ولو ان العلاقة اكثر تعقيداً وسيأتي شرحها في الاطروحات القادمة. 
  •   عندما نبحث في نصوص الماركسيين السياسية وأدبيّاتهم الحزبية، دائما سنجد تلك الأوصاف الفنية الحادة التي لا تخلوا من الجمال الفني. فعلى سبيل المثال وصف تروتسكي الحزب الثوري بمقولة رائعة: “ الحراك الثوري مثل محرّك البخار ، فالجماهير هي مثل البخار والحزب مثل المكبس، فالبخار من دون مكبس سيكون غير قابل للعمل بشكل سليم، والمكبس من دون بخار سيكون غير فعّال ولا فائدة منه ” ،  ولو عدنا إلى نصوص الماركسي توني كليف، لوجدنا كماً هائلاً من الأمثلة على ذلك، حيث وصف أحد الببغاوات الذين يكررون العبارات باستمرار، وفجأة كررها وأصاب، فرد عليه كليف قائلاً: “حتى الساعة المعطوبة تُصيب مرتين في اليوم” ، أو عندما نقَد الاصلاحيين الذين لا يؤمنون بالثورة بل بإصلاح المنظومة السياسية من الداخل، فرد عليهم كليف: ” مثل المظلّة من الورق، هي مفيدة، على شرط ان لا تُمطر السماء ” – وسماء الرأسمالية دائما ممطرة بالكوارث. وهناك أيضاً نصوص جميلة في الوصف لدى الماركسي جون مولنيو عندما سأله احد الثوّار عن رأيه في المؤسسات الخيرية ، فأجاب قائلاً: ” حاول ان تواجه نار تجتاح المُدن بأكملها بنصف كأس من الماء – بالطبع سيجيبون عليك: (كل محاولة ولو كانت بسيطة فهي مفيدة وكافية) ، لكن الكوارث والنيران التي تجتاح المدن تحتاج إلى حلول جذرية، لا لكؤوس منازلكم التي توشك على الاحتراق “. وأحد الماركسيين المحلّيين وصف علاقة الماركسية بالستالينية قائلاً: ” مثل علاقة جدّتي برقصة البالية ” ، تلك العلاقة المستحيلة والصياغة الفنيّة الساخرة للدفاع عن الماركسية ضد محاولات التشويه التي تشنها البرجوازية. وفي وصف أليكس كالينيكوس للديالكتيك (الجدل والتناقض) ، قال: “ مثل غليان الماء ، ففي تناقض مكوناته عبر الغليان مع التصاعد الحراري يتحوّل من الكم إلى النوع – من الماء إلى البخار ، وهذا التحوّل والتغيير يحدث مع تصاعد البرودة أيضاً ” ، وكتب الناقد الماركسي الألماني والتر بنجامين في شتاء 39/1940 نصًا متميزًا تحت عنوان “ أطروحات حول فلسفة التاريخ ” هاجم فيه الاعتقاد الشائع وسط اليسار حول حتمية تحقق الاشتراكية نتيجة للتطور التاريخي. وقال “ لم يُفسد الطبقة العاملة الألمانية شيئًا بقدر ما أفسدتها فكرة أنها تتحرك في اتجاه التيار ” الثورة ليست نتيجة معينة لتقدم البشرية عبر زمن فارغ متجانس”. بل هي “ وثبة نمر إلى الماضي ” تحشد ذكريات معاناة الماضي وقهره ضد الطبقة الحاكمة. واختتم بنجامين فكرته بالإشارة إلى التراث اليهودي المسيحي، الذي جاء فيه أن “ كل ثانية من الزمن بمثابة بوابة ضيقة قد يمرق منها المسيح ”. وبعبارة أخرى: ” الثورات ليست نتيجة متوقعة لحركة التاريخ للأمام، بل أنها انفجار مفاجئ غير متوقع، في تاريخ يمثل كارثة واحدة، يتراكم داخلها الحطام فوق بعضه البعض ”. يا للوصف المذهل! “وثبة نمر” – تحليل دقيق لحركة التاريخ بإبداع فني ومنهجية علمية في آن واحد. أما الماركسي مارتن سميث ، فعندما يُلقي محاضرة عن تاريخ العنصرية العرقيّة ، لا يُلقيها في قاعة عاديّة ، بل على مسرحاً وخلفه فرقة موسيقية من العازفين لموسيقى الجاز .. يحملون الساكسفون والكمان والطبل والجيتار، ويتحدّث عن ” المخفيّون ” في صورة فنية تمثّل تهميش الفقراء الذين ينتجون فناً ثوري ومخفي، وأيضا للتعبير عن الطبقة الكادحة التي لا تجد تمثيلاً في وسائل الاعلام وفي الإنتاج الفني. وبعد المحاضرة تعزف الفرقة موسيقى جون كولترين ( آلباما ) التي هي ايقاع لمجاراة خطبة مارتن لوثر كينج التي القاها عندما كان يُعزّي أم قتلت السلطات أطفالها، فكان التعبير فنياً وسياسياً صاخباً للتعبير عن روح التضامن مع ضحايا العنصرية. اما المناضل الراحل كريس هارمان ، فلم يعنون كتابه الاخير بـ الرأسمالية والازمات الدورية، بل كان العنوان: zombie capitalism ، ماذا يعني ذلك؟ انه تطوير للصورة الكلاسيكية التي طرحها كارل ماركس بأن: الرأسمالي مثل مصّاص الدماء، والدم هو الربح ، ولا يستطيعون الرأسماليون الاستمرار في العيش من دون ان يمتصوّا دماء البشر. (الكادحين). هنا طوّر هارمان تلك الصورة ، من الكائن الغريب (VAMPIRE) إلى Zombie ، و هو شرح للإقتصاد العالمي الجديد وعلاقته بالطبقة الكادحة، ليس كائناً غريباً، بل انها الإنسانية مُصابة بفايروس رأس المال، ذلك الفايروس الذي يحوّل جزء من البشرية إلى مصاصي دماء. في عام 2011، ألقى الفيلسوف المجنون جيجيك خطاباً أمام الثوّار في الحركة الاحتجاجية في وول ستريت قائلاً: “ كلنا خاسرون، ولكن الخاسرين الحقيقيين هم هناك في وول ستريت. لقد أُطلق سراحهم بكفالةٍ من مليارات من جيوبنا. وُصِفنا بالاشتراكيين، ولكن هنا دائمًا اشتراكية للأغنياء. يقولون اننا لا نحترم الملكية الخاصة، ولكن في الانهيار المالي لعام 2008، دُمِّرَت الملكية الخاصة المُكتسَبة بشكل أعنف مما لو قمنا جميعًا بتدميرها ليل نهارٍ لأسابيع. سيخبرونكم اننا حالمون. الحالمون الحقيقيون هم هؤلاء من يظن ان الأمور يمكنها ان تستمر إلى أجلٍ غير مسمّى على ذات المنوال. لسنا بحالمين. نحن المستيقظون من حلمٍ يتحوّل إلى كابوس. إننا لا ندمّر شيئًا. نحن فقط نشهد كيف يدمّر النظام نفسه. كلنا يعرف المشهد التقليدي من الرسوم المتحركة. تصل القطة إلى شفير الهاوية ولكنها تستمر في السير، متجاهلةً حقيقة انه لا يوجد شيء تحت سطح الأرض. فقط عندما تنظر إلى الأسفل وتلاحظ الأمر تسقطُ. هذا ما يحصل هنا. اننا نخبر الشباب هناك في وول ستريت “ أنتم، انظروا إلى الأسفل! ” آه . . إنها خطبة رائعة! تعجّ باللغة الفنية والصور الجماليّة المعبّرة.
  • من أهم الثوّار الماركسيين العرب هو المناضل اللبناني العظيم مهدي عامل الذي قال ذات مرة: “ لست مهزوماً ما دمت تقاوم! ” وقال أيضاً: ” إن لم يكن الفكرُ نقدياً ، فهو مخصيا ” – ولهذا القول دلالة عميقة على ضرورة النقد ، بوصف فني حاد وخارق. وقال أيضا: “ فلتتضح كلّ المواقف ولْتتحدّد كلّ المواقع ولْتكن المجابهة في الضّوء ! إن من لا ينتصر للديمقراطية ضد الفاشية ، للحرية ضد الإرهاب ، للعقل والحب والخيال ، وللجمال ضد العدمية وكل ظلامية في أي بلد من عالمنا العربي وعلى امتداد أرض الإنسان . . من لا ينتصر للثورة في كل آن ، مثقف مزيف وثقافته مخادعة مرائية ! ” جماليّة الموقف في الحقبة التي تروّج فيها الأفكار الرجعية بحجة الحياد – الضوء الذي يخترق العتمة ، ” الحرية والحب والخيال ”  ونقض التزييف والخداع ، كلها صور جماليّة طرحها الشهيد مهدي عامل باسلوب متفرّد ومبدع ، أتقن فيها الأدوات اللغوية لإنتاج نصاً سياسياً ثورياً. ولم يكتفي الماركسيون بذلك وحسب ، بل إن الأمثلة لا نهاية لها ، فعندما تأمّلت النقد الليبرالي للماركسية لدى الكتّاب المحليين في أن الماركسية تختزل جميع الإشكاليات العلمية والأدبية في الطبقيّة ، أجبتهم ساخراً: “ بالطبع لا تُختزل الزلازل في الإشكالية العلمية لطبقات الأرض ، بل الموضوع أكبر من ذلك بكثير ، إن السبب الرئيسي هو دار عُهر في الطابق العشرين ، وعقوق الوالدين ، والدراما التركيّة والمسلسلات الكويتية! ” – و لا ينتهي التفاعل لهذا الحد ، فلقد اقتبست بعض المشاهد القبانية في الوصف لإسقاطها على حثالة الكتّاب البليدين وأبواق السلاطين في بلادنا، عندما وصفتهم بالـ ” أرانب خشبية عاجزة عن الحسّ والفهم ، نملة عرجاء لم تستطع أن تقطع سنتيمتراً واحداً باتجاه النقد المنهجي، وإن كان للكلاب خاصية الوفاء ، فأن للنقاد الرسميين في الصحف المحلية خاصيّة الانسياق كالخرفان خلف الحمير، إلى أين؟؟ إلى الهاوية بالتأكيد “
  • عندما سألوا المفكر الشهير غارودي عن حياة الأديب فرانز كافكا ، قال: ” كان ممزقا بين مهنته في النهار التي تحوّله إلى أداة في جهاز ميت ، وبين ميله في الليل إلى عمل واع يؤرّقه ويدوخه ويبدع فيه بالمادة التي حصل عليها من كوابيس الحياة “. كافكا – هو أديب تشيكي, صاحب الرواية المشهورة: ” المحاكمة ”  والتي هي أطروحة بارعة استعرض فيها الكاتب الأدب الوجودي من جهة ، ونقد مباشر للبيروقراطية من جهة أخرى. ومع ذلك .. لا يمكن احتكار إنتاج كافكا الأدبي في موضوع معيّن ، لان أدبه امتداد لحياته العصيبة بكل اشكالياتها ولا يمكن أن نتناسى معاناته على يد السلطات الأوروبية ومشكلته النفسية مع والده . . السافل. الإنتاج الفني لدى كافكا ليست أعمالا مخلوعة عن الإنتاج الاجتماعي للفن ، بل هي إعادة إحياء للإشكاليات والمصاعب اليومية بصورة جماليّة تستدعي التأمل والدراسة ، فكما عبّر عن ذلك قائلا: “ الأحداث اليوميّة في ذاتها أشياء خارقة ومهمتي تقتصر على توصيلها ” ،هذه مسألة حرجة للقراء والكتّاب الذين يعشقون الهروب من الواقع بحجة الفن من أجل الفن أو الكتابة من أجل الكتابة، يرد كافكا عليهم قائلاً: “ إن الأدب هو المسعى الذي يسلك طريقا فوق طاقة البشر. وكل الأدب عبارة عن هجوم على الحدود والحواجز ” وقال أيضا: ” إن الفن هو أن تبهر أنظارنا الحقيقة ، فليس هناك ضوء حقيقي إلا الضوء الساقط على الوجه القبيح المتراجع ، الفن يحوم حول الحقيقة وهو عاقد العزم على أن يحترق بها “. بالرغم من أن نصوص كافكا ليست نصوص مباشرة ، من كان يعتقد بأن ” المحاكمة ” هي رواية نقدية ضد الستالينية؟! هو أدبا وجودياً في الفن ، ويتوغّل في العلاقة المتأزّمة بين الفنان والسلطة ، إلا أن كل ذلك منتج فني غير مباشر ويعبّر عن مختلف الإشكاليات بطريقة جمالية فريدة. وكتب كافكا في اليوميّات أطروحة في انتقاد المجتمع الذي يسيطر عليه رأس المال: ” الرأسمالية نظام لعلاقات التبعيّة التي تتحرّك من الداخل إلى الخارج و من الخارج إلى الداخل ، ومن أعلى إلى أسفل ، ومن أسفل إلى أعلى. فكل شيء هنا يخضع لتدرّج هرمي صارم و يرسف في قيود حديديّة. إن الرأسمالية وضع مادي و معنوي أيضا ” ، و هذا شرح لعلاقة الفرد بالمجتمع المادي و نتاجها المعنوي والنفسي أيضاً.
  • عندما نبحث في الادب ، سنجد نماذج كثيرة لماركسيون عبّروا عن البؤس الاجتماعي بأروع الفنون ، ومنهم الشاعر المناضل سيزار فييخو ، حيث يقول: “ طوبى للبشر البائسين ”. وهذا البيت بداية أحد مقاطع قصيدة عنوانها “ تائه بين نجمين ” يبدأها ببيت من الشعر يقول: “ ثمة بشر بائسون إلى درجة أنه لا جسد لهم ” يبدأ الشاعر بالعديد من مقاطع قصيدته بأبيات هي أقرب إلى اللازمة منها: “ طوبى للإنسان الذي يوجد قمل في فراشه . . الإنسان الذي ينتعل جزمة مثقوبة تحت المطر . . الإنسان الذي لا عيد ميلاد له . . الإنسان الذي فقد ظله وسط النار ” أو “ طوبى للإنسان الذي يعمل كل يوم، كل ليلة، كل ساعة، الإنسان الذي يتعرق من الألم أو العار ” كتبت القصيدة في عشرينات القرن المنصرم، وهي قصيدة تسخر من الانهيار الأخلاقي والاجتماعي في المجتمع الرأسمالي، مصاغة بأسلوب سريالي، وبروح من السخرية الحادة العبقرية. وهناك امثلة عديدة لماركسيين أبدعوا في الإنتاج الفني بعرض مختلف الاعمال الفنية التي لا تخلو من الجمال ، مثل الشاعر الحائز على جائزة نوبل – نيرودا ، الذي كان مؤمناً بالثورة البلشفية طيلة حياته ، وكان لا يكتب إلا بالقلم الأخضر تعبيراً عن الأمل الذي لا ينضب في روحه الثائرة. والموسيقار اللاتيني فيكتور جارا ، و قصائده التي تنتقد البؤس والشقاء البشري في ظل الرأسمالية، ويُعبّر عن ذلك بجمال لا يفنى في إنتاجه الفني المذهل. والشاعر المنتحر مايكوفسكي وقصيدة: ” امر لجيش الفن ” وقصيدة: ” غيمة في سروال ” كلها من روائع الفن العالمي.
  • <br /><br />
<p>” width=”434″ height=”298″ /></li>
</ul>
<ul>
<li style=
  • إن الفن العربي لا يخلو من الإنتاج الفني الثوري، بل هناك صور جماليّة رائعة ، فعلى سبيل المثال، وصف البرغوثي للطفل الفلسطيني وهو يواجه المدرّعات بالحجارة: “ ودار مقلاع الطفل بيده / دورة صوفي مسّه ولعُ ” ، أو في الشعر الشعبي المصري مصطفى إبراهيم، له ديوان بعنوان منفستو ينتقد سيطرة العسكر على الموارد وقيادتهم للثورة المضادة عبر إسقاط رمزي و جمالي رائع – في تصوير روح الإمام الحسين عليه السلام بأنه باقي على قيد الحياة رغم أنوف العساكر. وفي الموسيقى، هناك أيضاً تعبيراً فنيا فريداً ضد القمع والاعتقال التعسفي، عندما غنّت مكادي نحّاس أغنية: ” يا ظلام السجن ” – و الكاتب نجيب الريّس هو الذي كتبها عندما كان في سجون الاستعمار الفرنسي البائس ولكن وجدت القصيدة نفسها عندما غنتها نحّاس بصوتها الشجي والتحوّل الفني من القصيدة إلى الأغنية في هذا الوقت بالذات هو تعبير صارخ عن أزمة الاعتقالات التعسفية تحت رعاية الأنظمة العربية الراهنة التي لا تختلف كثيراً في جوهرها عن أنظمة الاستعمار. ومن أجمل الأغاني التي تحتوي على تعبيراً سياسياً مباشراً هي أغنية المجنون زياد الرحباني: ” شو هالايام ” ، عندما قال: ” كأنّ المصاري قشطت لحالها .. عـ هيدا نتفه وهيدا كتير ” ، يصف فيها الاستبداد الطبقي في المجتمعات الرأسمالية بطريقة فنية مذهلة. أما أغنية “ بلا و لا شي ” الشهيرة – فهي تعبير رومانسي عن الحب والعشق الذي يتناقض تماماً مع النمط السائد ، والحياة المادية التي حوّلت المرأة  والعلاقات الاجتماعية إلى علاقات مادية بحتة – ” بلا ولا شي .. بلا مصاري و لا مجوهرات و لا أراضي و لا عقارات .. بحبّك بلا و لا شي“. أما المصوّر الماركسي ياسر علوان ، فلقد صوّر الفرد الكادح و أبرز طابع التفرّد بصور واقعية وفنية جميلة لطفل مستغلّ في منطقة المحلّة في مصر ، بعكس التصوير الاعتيادي لبعض الثوريين الذين يلغون جماليات التفرّد عبر اختزال التصوير في التقاط وإبراز الحراك الجماهيري – ولو ان الأولى لا تلغي أهمية الثانية، والعكس صحيح.  الرفيق حسام الحملاوي التقط أجمل مشاهد الحراك الجمعي ، ويحمل دلالات القوة النابضة من التفاعل الجماهيري ضد العنف الممنهج ضدها ، فهو لا يُلغي الفردية ، إنما يُبرز ضرورة الوحدة في الحركة ، ويلتقط مشاهد ملغيّة و مشفّرة و يُبرزها كحقائق و يؤرّخ الفعل الناتج عن خبرة الجماهير في النضال وحركتها و طموحاتها نحو التغيير.
  • necspenecmetu:<br /><br />
<p>Giuseppe Cesari (Cavaliere d’Arpino), The Passion of Christ, 17th century<br /><br /><br />
” width=”403″ height=”524″ /></li>
</ul>
<ul>
<li style=
  • إن محاولات الماركسيين لإبراز الفن السياسي المباشر لا تكمن في اختزال الفن في السياسة – بل لكونه مهمشاً ، وكونه أداة مهمة للإلهام و التأثير. فمن المقبول أن تستغل البرجوازية الفن وتهيمن عليه وتسيطر على الإنتاج الفني بكل اشكاله ، أما عندما يتشكّل الاعتراض الثوري في مادة فنية – فهذا يُعتبر غير مقبول وخروج عن النسق وتسييس للفن – وكأنما الفن يُنتج في عالماً ميتافيزيقياً خارج الواقع الراهن. إن هذا المنطق السائد يستوجب النقد الجذري ، فحتى جون مولنيو الذي كان مدركاً أن الفن يستجيب لكل المتطلبات الإنسانية ولا يمكن اختزاله في التعبير السياسي المباشر، كان يرعى معرضاً سنوياً تحت شعار: ” الرؤية اليسارية ” ، و كان مؤمناً وداعماً للفن الثوري – فهو أول الداعمين وأهمهم لياسر علوان ، عبر نشر كتاب يحمل صوره والتكفّل بطباعته في بريطانيا. مفهوم التحرر لدى الماركسيين لا يُختزل في المأكل والمسكن ، بل حرية الاختيار الحقيقية والتي تتناقض مع المعايير البرجوازية المفبركة ، هي حرية أيضا للفنان وللمفكر وللكاتب ، حرية مفقودة في الأسواق الرأسمالية. فعلى سبيل المثال، هنالك العديد من الموسيقيين الذين إذا خرجوا من الموسيقى الشعبية ووصلوا إلى شركات الإنتاج الفني ، يتم تغيير طبيعة إنتاجهم ، ويتم تسييس الموسيقى التي ينتجوها ، كما حدث مع فرقة الروك (Against me )  فتخلّت تماماً عن الإنتاج الراديكالي الأناركي ، وأصبحت كلمات الموسيقى مشوّهه وضعيفة في إنتاجهم الحديث ، مقارنة بماضيها قبل توقيع العقود مع الشركات – من حيث ضعف الطرح و ضعف الأداء الفني. إذن في المجتمع الرأسمالي ، لك مطلق الحرية ، في أن تموت جوعاً وأنت تعزف في الشارع , أو أن تكون فناناً بالمقاييس المطلوبة من قبل السلطة. في المجتمع الرأسمالي أيها الناس: إما أن تستجيب للقيود أو تعود إلى الشارع لتموت جوعاً. بينما التحرر الطبقي ، هو أيضاً تحرر فني و ثٌقافي بالضرورة.
  • إن الإنتاج الفني العربي أيضاً يخضع لهذه النّظم من السيطرة ، حيث يتم عرض العديد من الأعمال الفنيّة الضعيفة ، بحكم أنها مثيرة و مفيدة لتشويه الوعي العام. فعلى سبيل مثال: الأعمال الفنية التاريخية في مسلسلات شهر رمضان ، كلها تدعوا إلى العودة إلى الخلف ، وتقديس رموز تاريخية و تأليهها ، ومحاولات لطمس الحاضر المختلف كلياً عن تلك الحقبة. فالإنسان العربي اليوم ، عندما ينظر إلى الخلف ، يتوقع بأنه سيكون إمبراطورا بعد مشاهدة هذه الأعمال ، ولا يعلم بأن تلك المجتمعات تعجّ بالعبيد والفقراء والمهمشين والمساجين. فيتم تسليط الضوء على القصور ، وعلى الفتوحات ، وعلى أخلاق السلاطين – ولا يتأمل الفرد الحقيقة خلف تلك الدوافع وحقيقة البنية الاجتماعية ونتاج تلك الحقبة من الدمار النفسي والإفقار المادي والقمع السياسي والفكري. عندما ننظر إلى الإنتاج الفني المعاصر للفلم والمسلسل الخليجي ، ننظر إلى تسليط الضوء على الإشكاليات الاجتماعية و كما لو أنها إشكاليات تخرج من العدم ، وليست نتيجة حتمية لمجتمعات تحكمها ظروف تجذّرت فيها هذه الإشكاليات عبر الاستبداد السياسي والاستحواذ الاقتصادي والتمييز ضد المرأة وكل مستويات الهيمنة. فالجريمة لها دوافع ، يُخفيها الفن السائد عبر التشفير المزدوج لحقيقة العلاقات الاجتماعية المتباينة في هذه المجتمعات. إذن هل نُلغي القديم ؟ لا ليس بالضرورة ، أبدا .. لا ندعو لذلك. فلقد كتبت سيناريو صاخب قبل عدة سنوات، و هو عبارة عن تجديد للرواية الإغريقية التي تتحدّث عن القرصان واسكندر المقدوني – تشرح الفارق الكبير بين نتاج النهب لدى القراصنة ، والنهب المنظّم لدى الإمبراطور – فارق كمّي ونوعي ، و لكن الأول شرعي والثاني جريمة ضد القانون. كتبت السيناريو واسقطت المشهد على زمن الخلافة.  لو تأمّلنا ذلك السيناريو لوجدنا العديد من الإسقاطات التي لا علاقة لها بالخلافة ، بل هي تعني اليوم .. تعني الآن .. تعنيننا نحن!
  • يتأوّه أديب مغترب في مجتمعه ، قائلاً: ” أين الشعر؟ أين المسرح؟ أين الفن ؟ أين الموسيقى؟ ” الشعراء يعتاشون من التكسّب عبر المؤسسات الموجودة تحت ادارة الطبقة الحاكمة – أو احيأنا التكسّب المباشر في البلاط ، لأن لا يوجد مهنة للشاعر ، ولا يوجد مهنة للفنان ، ولا يمكن ان نتوقع من الفنان ان يكون فنانا اذا لم يحصل على المتطلبات الاساسية للعيش ، فمنظومة الأفقار المادي هي أيضاً افقار فني للطبقة العاملة التي تُشكّل اغلبية المجتمع اليوم ، ومنظومة الافقار الاقتصادي هي أيضاً منظومة افقار معرفي. اذن أين الفنّانون؟ انهم مخلوعون تماماُ عن الإنتاج الحقيقي والفعلي، وهذا يعود إلى ما شرحه ماركس باسهاب في رأس المال: ” تقسيم العمل “. فالعمل هنا مفكك ومُقسّم ، كي يتم انتاجه بأسرع ايقاع – من دون ان يعرف العامل اي شيء عن نُظم اتخاذ القرارات والادارة للأنتاج. ومع كل هذه العوائق ، نجد بأن الرأسمالي او الادارة التنفيذية تغيب في شركة أو مؤسسة أو حتى جامعة ، بينما العمل لا ينقطع ولا يتوقف ، إلا ان هؤلاء المنتجين لا يملكون ادنى فرصة لانتاج اي شيء أو تقرير أي شيء خارج عن مهامّهم التي اوجدها ربّ العمل. انه لقمع منظّم للقوى الإنسانية المنتجة والمبدعة و إجهاض لكل انماط الابداع الفردي عبر الاستغلال الجمعي وتحويل الإنسان إلى ماكينة. 
  •  ما دام الوضع هكذا : ” أين أنت أيها الديالكتيك ؟! ” اين التناقضات التي تحدّث عنها الماركسيين ؟ بالرغم من ذلك ، إن الإنسان ليس آلة صمّاء بمعنى الكلمة ، ولا هو كائنا خارج التأثيرات الاجتماعية والطبقية. بل هنالك تناقض ، وهنالك حراك ، وهنالك جدل بين نُظم السيطرة وأطيافها المختلفة وبين المضطهدين و المنفيين عن ملكية الإنتاج المادي والفني. و كلمّا احتد الصراع الطبقي ، احتدّ ايضاُ الإنتاج الثوري، لذلك نرى غانم السليطي أبدع في مسرحية أمجاد العرب ، عندما وصف الحالة العربية من قبل الاعداد الكبيرة من البشر التي تتابع قناة الجزيرة ، بينما لا يوجد حرية حقيقية في تلك البلد التي تدّعي الديمقراطية – فوصف حالة شخص تونسي سمع بأن قطر لديها قناة الجزيرة فهي اذن موطن للحرية ، فقال في مطار قطر: ” أريد أن أفتح حزب سياسي” ، فكانت ردة فعل السلطات عنيفة في المسرحية ، بعدها توغّل الفنان في تاريخ الخليج والتحوّل الاجتماعي ما بين الحقبتين – ما قبل النفط وما بعده ، و كيف أن منظومة الإفقار لم تنتهي مع زيادة الثروات الهائلة التي بأمكانها ان تصنع من الفقر لدينا مهزلة علنيّة إلا ان الفقر مستمر و نفوذ العوائل المهينة أيضاً مستمرا عبر الهيمنة على الإنتاج والاحتكار. هناك أعمال كثيرة تم منعها بسبب الرقابة التي لا تسمح الا بأعمال قليلة للعرض ، ولكننا نعرف انه كلما اشتد الصراع ، اهتزّت نُظم الرقابة. ولذلك نجد بأن الفوارق الكبيرة بين الإنتاج العربي والخليجي. ليس مجرد فوارق في الذهنية المجردة للفنان – بل في مكتسبات الحركة الجماهيرية في فرض ارادتها على السلطة ، عبر تاريخ من الاحتجاج والنضال ضد الطبقة الحاكمة. ولذلك لا يحلم الخليجي بمسرحية كمسرحية الزعيم ، بينما تاريخ مصر حافل بالنضال والحراك الميداني والإنتاج الفني. ان هذا الجدل لا يعني بالضرورة جدلاً مباشراً ، بل هنالك نماذج كثيرة لنتائج غير مباشرة ، مثل انهيار منظومة العبودية ، ليست بفضل حدّة الصراع الطبقي محلياً ، انما التأثير العالمي وانتصارات لنضال خارج الأقاليم المحلية ، فالتأثيرات تصل بصور و طرق مختلفة ، مثل تأثير الربيع العربي على الخليج ، و نتاجها هنا ليس مجرد إلهام للحراك الثوري ، بل ايضاُ نتاجا فنياُ و ذعرا طبقيا من قبل الطبقة البرجوازية والطبقة الحاكمة للتنازل بأي وسيلة كي لا تفقد شرعيتها ولا يصلها السيل الجارف.
  •  إن زيادة الثروات الهائلة للبرجوازية السعودية ، وزيادة الفقر في نفس الموطن ، والجدل بين الأولى والتالية أدى أيضاً لإنتاج فني من المقاطع المختلفة عبر اليوتيوب ، عبر فن السخرية ، والافلام القصيرة ، والرسومات على الحيطان (القريفيتي) ، وغيرها من أنماط الإنتاج الفني وإن اختلفت مستويات الجمال ودرجة الإتقان. لكن من الأمثلة الجديرة بالاهتمام: الفلم القصير مونوبولي ، أو لوحات الفنان التشكيلي لـ زمان الجاسم – حيث يُبرز فيها الفن التشكيلي بصور مختلفة تختلط فيها الأبجدية بالرمز وكأنها موسيقى و ليست مجرد لوحات .. والمضمون هنا هو التعبير الصارخ عن وجود شيء آخر ، طائفة أخرى ، هوية أخرى ، بحاجة للخلاص من النظام الطائفي المستبد. لا يرسم الفنان القطيفي زمان الجاسم وحسب ، بل أيضاً يستخدم اللحام ويعمل على مختلف المواد ، ليشكّل فن فريد ومختلف يصل فيه إلى أعلى مراحل الجمال ، و يُبرز فيه الهوية و الاغتراب و الألم الذي يشعره الفرد في هذا العالم. أما الشاعر المعتقل عادل اللباد ، فقد ابدع في قصيدته – قل للطغاة – بطرحاً جريئاً ، يُخلّد فيه الحراك ويساهم بتأجيجه بأسلوب مباشر ، و لا يخلو من الصور الجماليّة الرائعة ، فلقد نشر أيضاً ديوأنا مليء بالصور الساحرة والاوصاف المعبّرة – بعنوان: ” غضب البحر” ، تمتزج فيها العاطفة والطبيعة بالثورة على الطغيان والاستبداد. هنالك نماذج كثيرة ، للفن المغمور ، و الفنانون المقموعون من قبل النظام ، ومن بينهم المصوّر الرائع: حبيب المعاتيق ، الذي مزج بين الشعر و الصورة – واعتقل من قبل السلطات المحليّة. 
  •  قال المسرحي الماركسي بريخت: ” إن الفنان يحتاج إلى وقت أطول من الوقت الذي يقرر فيه الساسة خوض الحروب ، تلك القرارات السريعة بسرعة الضوء ”  و أنا اقول فعلاً ، إن الكتابة الفنية تحتاج إلى وقت آطول بكثير من الوقت الذي احتاجه مقاتل الصحراء المغوار لشنّ  حملة عسكرية مضحكة على حفنة من الحوثيين! والفنان يحتاج إلى وقت أطول بكثير من الوقت الذي يحتاجه درع الجزيرة لعبور جسر البحرين! – و تطوّر الوعي السياسي الثوري ونشوءه عبر الانتصار على النظام الرأسمالي يسبق الوعي الفني ، فالطبقة المنتصرة لن تتكوّن فنونها بشكل تلقائي كما يعتقد ويزعم بعض الاشتراكيين ، بل تحتاج إلى تراكم في الوعي والخبرة الفنية لأنتاج الفن – من قبل طبقة مهمّشة ومسلوخة عن الإنتاج الفني ، وهذا رد تروتسكي على المدرسة المستقبلية بأننا : “ سنحتاج إلى الفن القديم بل وحتى الفن البرجوازي للأستفادة منه في الحقبة الثورية. ”  بمعنى: علاقة الفن بالثورة ليست علاقة ميكانيكية ولحظية ، لأن الإنتاج الفني مختلف عن الإنتاج العلمي – أو الوعي السياسي – و لا يُقيّم الفن طبقياً وحسب ، بل العمل الفني بحاجة إلى تقييم فني ، والادوات الماركسية تؤهّل الناقد لفهم العمل الفني بنظرة شاملة وغير مختزلة ، وبنفس الوقت .. لا يخرج الفن من التحليل الطبقي ، اذ هو منتج من منتجات المجتمع الطبقي. هل هذا تناقض؟  ابداً .. بل هذه دراسة للتناقضات وفهمها ، حيث أن الفنّان احيانا لا تستهويه السياسة ، وبعد تراكم الاكاذيب في كل حملة انتخابية تُخلف بوعودها للجماهير ، يُصبح الخيال المحض هو نتيجة لاغتراب الفنان ، وتصبح الصورة للسياسي هو الدجل والكذب والاستلاب. لكن الاعمال الفنية البعيدة عن الطرح المباشر في السياسة هي ليست أعمال منبوذة ، بل تحتوي احيأنا على معطيات جماليّة بالغة الاهمية ، و من هنا لو عدنا إلى جون مولنيو ، لوجدنا نصوصه التي تتحدّث عن اهمية لوحة عازف الجيتار لبيكاسو ، التي لو لم يرسمها لما استطاع ان يرسم لوحة غرونيكا التي هي عبارة عن تعبير ثوري يعبّر عن أوجاع و الالام الإسبان الذين تعرّضوا للقصف الفاشي في الثلاثينات. احتاج بيكاسو ان يتمكّن من الفن التكعيبي قبل ان يرسم لوحة غرونيكا ، اذن هناك علاقة تراكمية فنية مهمة في الإنتاج ، لا يمكن تدميرها عبر اطروحات ستالينية أو التنظير المستقبلي للمدرسة المستقبلية. ولا يمكن تهميش أي فن لا علاقة له بالسياسة الثورية المباشرة ، بنفس الوقت لا يمكن أن نلغي الفن الثوري المباشر عبر نقد الاختزال. هنالك مدارس خرجت كثورة فنية مباشرة في الطرح السياسي ، ومن أهمها السريالية ، الذين كانوا مجموعة من الفنّانون الثوريون و المعارضون للحرب و الاستغلال – بل أحد رموزها كان ماركسياً.
  • لما الخوف من الفن السياسي المباشر؟ هل بامكاننا ان نُشيد ونتأمل لوحة فنيّة للثوري لينين ، ام أن هذا تشويه للفن؟! بالطبع الموضوع الفني اكثر تعقيدا من ذلك ، حيث لا يجدون النقّاد أي اعتراض في تعليق لوحة فنية لنابليون في فندق فرنسي ، و بامكاننا ان نعلّق لوحة ونتأملها ببهجة للبرجوازي هنري فورد في متحف امريكي ،  قد يكون الامر مثير ومستحسن لدى النقّاد ، أما لينين وتروتسكي فخط احمر ، وهم فعلاً خطاً احمراً جميلاً ولا اعتراض على الموضوع انما الاعتراض على مقاييس الإبداع في العمل وأهمية استخدام الأدوات الفنية باتقان في الإنتاج الفني. لقد رسمت فريدا لوحاتها ببراعة في الفن التشكيلي و اتقنتها وكانت في قمة الجمال في نقد الرأسمالية ، الا انها أيضاً انتجت فناً مختلفاً وطرحت مُختلف المواضيع المعبّرة التي تُعبّر عن الامومة والمرض و الأمل والحياة – فلا يمكن ان نقدّس عملاً فنياً لأن الموضوع يثير اهتمامنا ، بل يجب أيضاً أن نتأمّل الجمال والإبداع الفني في مُختلف الانماط الفنيّة.
  •  إن نزار قبّاني يُمثّل نموذجاً جيداً في الإبداع الفني ، فقصيدة لا غالب الا الحبّ – عنوانها الرومانسي لا يُلغي المضمون الثوري في الأبيات التي تُحرّض على الحب والمقاومة والفكر والنقد ، بلا شك .. إن على كل ماركسي أن يتأمل تلك القصيدة بما فيها من روائع نادرة في المزج بين الحس والعاطفة والنضال والثورة. ولا يقف نزار عند ذلك الحد ، بل يذهب ابعد من ذلك ، في نقد البرجوازية وعلاقتها مع المرأة في قصيدة ” حبلى ” التي تتوغّل في مشاعر امرأة فقيرة ومُعدمة تحمل معها ابنها أمام قصر ، فأمر الرجل باعطائها المال ، فرفضت ذلك – لأن تلك الابوّة المشوّهة لا تنسجم مع نسويّة نزار. وعنما استفسروا منه عن أجمل قصيدة كتبها برأيه اختار قصيدة حبلى. ويصف أيضاً أوصاف حادة ، مثل وصف تجّار النفط في قصيدة ” يا تونس الخضراء ” ، عندما وصفهم: ” ويخزن النفط في خصيتيه وربّك الوهّابُ ” ، وكل ذلك يعبّر عن زفرة الإنسان المضطهد ، في تلك الابيات المليئة بالشاعرية الرومانسية ونبض الثورة الذي لا يمكن تهميشه ولا يمكن اختزاله في روائع الشعر النزاري. إن التغيير الجذري في البنية التحتيّة: (العالم المادي وسُبل العيش) – جعل من الطرح النزاري منهجاً تقدمياً ضد الطبقيّة و القبليّة والانماط الكلاسيكية في الأدب ، فلا نجد مثلاً الصور الكلاسيكية للجمل في التعبير الجنسي مثل التصوير الجاهلي لدى اليشكري ، بل نجد فناً مختلفاً كل الاختلاف ، و انعكاساً واقعياً لمجتمع مختلف. فالجمل ليس موجوداً في الشعر النزاري ، إلا في وصف رجعية الستالينية العربية أو وصف من تركوا اللينينية وعادوا إلى عالم الميتافيزيقيا.
  •  الفن الحقيقي ليس مختزلاً في الفن الثوري ، لكن هنالك العديد من الصور الجماليّة التي تستدعي التأمّل ، ومن الضروري مواجهة النظام الرأسمالي بشتى الوسائل ، فلم نسمع قط بأن ثورة اندلعت بسبب لوحة في الفن التشكيلي أو معزوفة موسيقية ثورية ، إلا أن قصائد محمود درويش و أغاني مارسيل خليفة ألهمت الملايين في الحراك الثوري على المقاومة والنضال ، فالفنّ هنا مكوّن من مكونات عديدة للوعي النقيض للوعي المهيمن. ولا ينتصر الوعي على الوعي في عالم مجرّد تحكمه الأفكار ، بل ان الفن هو من المكونات الفوقية في الفلسفة الماركسية ، والقاعدة هي ليست الاقتصاد المحض ، بل الحياة المادية – الرأسمالية بكل مكوناتها. و لقد تعلّمنا من كارل ماركس ، بأن نواجه الواقع بحس واعي ونقيض لأي حالة من حالات السّكر النخبوي ، لذلك من الضروري أن ننشر الوعي ، وننضال بشتى الوسائل ، ونتأمّل الجمال ، وننتج فنّاً يُلهم الكادحين ويتوغّل في أعماقهم و ينتقد تلك الظروف البائسة من الاستغلال والاغتراب البشري – إلا أن ذلك لن يُغنينا عن ضرورة العمل الميداني والحراك الفعلي عبر الاحتجاج على السلطة ورأس المال – في مراكز العمل و في الشارع ضد آلة القمع التي تسيطر عليها الطبقة الحاكمة كي تُهيمن على البنية الطبقية للمجتمع. 
  • cafeparaacordarosmortos:<br /><br />
<p>October 9th, 2011<br /><br /><br />
If alive, John Lennon would turn 71 years of age today. Exactly 44 years ago, Che Guevara was murdered by the CIA and the Bolivian Army.<br /><br /><br />
” width=”441″ height=”268″ /></li>
<li style=
  • كانت نصيحة تروتسكي للأدباء في كوادر الحزب البلشفي: ” اكتب كل ما يجول في خاطرك ، و كل ما يدور في رأسك ” ، وانتقد لينين الرقابة على الإنتاج الفني ، بل كان دائماً داعماً للتعبير الحر في مجتمع حر من قيود الرجعية واغلال رأس المال. فالصورة النمطية التي اختلقتها الرأسمالية عن الشيوعيّة ، هي صورة مفبركة ، ولا صحة لها ، بل تنطبق على الانظمة الستالينية – التي وصفها توني كليف بـ ” رأسمالية الدولة ” ، وقال تروتسكي: ” ما بين الاشتراكية والستالينية نهر من الدم ” – فهو ليس خللاً تطبيقياً وحسب ، بل اختلافاً منهجياً ، بين مجتمع يحكمه عصابة دمّرت التنظيم الذاتي للطبقة الكادحة ، وانتهت على يدها كل اللجان العماليّة تحت سلطة الحزب القمعي ، وكرّست الطبقيّة لتنافس الامبريالية الغربية. لذلك قال توني كليف : ” الاتحاد السوفيتي تحت حكم ستالين .. لم يكن اتحاداً ولم يكن سوفيتياً ” ، في ظل ذلك النظام ، ازدهرت أسوأ أنماط الفنون  التي تصوّر التزييف الستاليني عبر فنون تحوّل الفقراء المستغلّين إلى أبطال نموذجيين. الاختلاف الجذري بين الماركسية والستالينية – ليست قضة فكرية او اختلافاً ايدلوجياً ، بل هو اختلاف مادي في بنية النظام وعلاقة الحزب بالطبقة والهيكل الاجتماعي – فمن يبحث أكثر عن هذا الموضوع ، سيدرك بأن الصورة الجماليّة التي طرحها تروتسكي لها ابعاد اخرى: ” نهر من الدم ” ، و ليست مجرد اختلافات في الفكر. ماركس كان ينادي بمجتمع يُدير الدولة ، وليس دولة فوق المجتمع – كما هي الستالينية. كان لينين ينادي بمجتمع خال من الطبقيّة ، و متحرر ثقافياً ، وليس مجتمع خاضع لسلطة الطبقة الحاكمة التي مارست أبشع انماط الوحشية ضد العمال والفنانون. عندما اندلعت الثورة البلشفية ، ألقى لينبكخت محاضرة عن الدراما الاغريقية ، والمسرحيات الشيكسبيرية – كان عدد الحضور عشرات الالاف ، إلى درجة أن لا قاعة تستطيع ان تحتويهم ، فكان مكان المحاضرة في الميدان الثوري. وتلك الحقبة كانت حقبة ثورية ، بعد انهيار القيصر ، وقيادة البلاشفة للمجتمع الجديد ، فكان تروتسكي ولينين في اللجنة المركزية ، وكانت الفنون مزدهرة إلى حدٍ كبير ، بعكس ما يشاع من خرافات ضد البلشفية. نحن هنا ندافع بصلابة عن موقفنا ، لأنها ضرورة ، فما حاجتنا للثورة اذا كنا سنخلق انماطاً جديدة من الاستبداد؟ وما فائدة الثورة للجماهير إذا كانت لن تُلغي الطبقية ومنظومة الاستغلال؟ – و هذا تسائل مهم ، فنحن نسعى لمجتمع حر ، يكون فيه الفنان حراً ، وليس خاضع لمعدن أو شكل مختلف من القيود ، فلا تختلف قيود الحديد عن قيود النحاس ما دام المفكر مقيداً ، فلن يًنتج بحرية و لن يُبدع بحرية. 
  • لا وجود لفن حر خارج السياق الطبقي ، ولا ضير من التعبير المباشر عن ذلك والاعتراض المباشر على الطبقيّة برغم القيود الصارمة التي تتحكّم بالإنتاج الفني عالمياً ، فتحرر الفن لن يحدث بدون تحرر المجتمع ، والتعبير الفني المباشر هو مسألة ضرورية على شرط: اتقان العمل الفني بمعاييره ، واستخدام شتى الوسائل للتحايل على الرقابة الصارمة في العالم العربي. « إن الفن الضعيف ليس فناً ، ولا يخدم الجماهير » كما قال تروتسكي ، فلن تُدهشنا قصيدة ثورية مكسورة الوزن ، أو مسرحية ثورية مُفككة ولغتها ضعيفة ، بل الجودة الفنية أمر في غاية الاهمية ، والتعبير الصارخ ضد الظلم هو أمر مفيد و يُثري عالم الفن ولا يُلغيه ، ولا يُضعف الإنتاج الفني الشامل الذي يعكس متطلبّات وآمال و الالام الإنسانية بمختلف أشكالها.
  • أخيرا، لم يعد لدي ما أقوله ، لهذا ، أترككم مع رسالة ماركس لزوجته: يا حبيبة قلبي . . ها أنا اكتب إليكِ ثانية لأنني وحيد ولأنني يخجلني أن أحاوركِ دائماً في الخيال دون أن تعرفي أو تسمعي شيئا مما أحاوركِ لأجله ، ولا تستطيعين الرد عليّ. إنني أراكِ أمامي . .  أحملكِ بيدي وأقبلكِ من الرأس حتى القدمين، وأركع أمامكِ وأتنهد. مدام . . إنني أحبكِ. إنني في الحقيقة أحبكِ أكثر من حب مغربي البندقية. – (يقصد عطيل) – إن الشخص الخبيث والفاسد يعتبر كل الصفات خبيثة وفاسدة. أحد مشوهي سمعتي وأعدائي ذوي لسان الثعابين قد اتهمني مرة أنني مؤهل لان أؤدي دور العاشق الأول في مسرح من الدرجة الثانية! ولكن هذا هو الواقع، ولو كان عند الأوغاد ذرة من النكتة لرسموا ” علاقات الإنتاج والتبادل ” في جانب ، وفي الجانب الآخر رسموني وأنا عند قدميكِ ، وكتبوا في قصاصة: انظروا إلى هذه الصورة ، ثم إلى الصورة الأخرى، غير أنهم أوغاد أغبياء، وسيظلون أغبياء إلى أبد الآبدين. الفراق الآني جيد للتمييز بين الأشياء التي تتشابه أثناء الحضور، حتى الأبراج تبدو قميئة عن قرب، بينما الزهيد واليومي يأخذ بالتنامي لدى مراقبته عن كثب. وهكذا الأمر مع العواطف. فالعواطف الكبيرة التي تأخذ عند قربها شكل عادات صغيرة تنمو وتأخذ حجمها الطبيعي ثانية بتأثير سحر الفراق، وهكذا هو حال حبي . . يكفي أن تبتعدي فقط في المكان فأعلم أن الزمن قد خدمه مثلما تخدم الشمس والمطر النبات، أي للنمو. إن حبي إليكِ يبدو ، حالما تبتعدين ، على حقيقته: عملاقا تركزت فيه كل طاقات فكري ، وكل خواص قلبي ، وإني لأحس ثانية بأنني رجل، لأنني أحس بالعواطف الكبيرة. ستبتسمين يا قلبي الحلو  وتتساءلين من أين لي فجأة كل هذه الفصاحة؟ ولكني لو استطعت ان أضم قلبكِ الناصع الحلو إلى قلبي لصمت وما تفوهت بكلمة. ولما كنت لا أستطيع أن أقبلكِ , وجب عليّ الكلام. في الواقع يوجد عدد كبير من بنات الهوى في الدنيا والبعض منهن جميلات، ولكن أين ألقى وجها حيث كل قسمة، وكل طيه فيه تبعث فيّ أحلى وأروع ذكريات حياتي؟ حتى أوجاعي التي لا حد لها وخسارتي التي لا تعوض اقرأها في محياك الحلو وأبعد الألم عني بالقبل عندما أقبل وجهك الحلو. وداعاَ يا قلبي. ألف قبلة لكِ وللأطفال.
  • إما نموت  . . أو ننتصر . . لا مفر.

 

Written by حليمْ

20 يونيو 2014 at 11:41 ص

- فائض

with 2 comments


  1. يقول ” بيار هاسنير ” : علينا أن نميز بين الدول الشمولية والحركات الشمولية والانفعالات الشمولية.
  2. أن تعيش في دولة شمولية, في مجتمع شمولي, تتحرك بشمولية, وتنفعل بشمولية. لا أفهم: لأجل ماذا توجد الشمولية؟
  3. الشاعر الفرنسي, ماري جوزيف دوشينيه ( 1811 – 1764 ) , عندما أسره الفانديون أمروه بأن يهتف ” عاش الملك ” فهتف: عاشت الجمهورية , فقتلوه, وأصبح بطلاً من أبطال الشعب.
  4. تخيل معي ……….. . . . . . . تخيلت؟ إنها البداية فقط!
  5. يطرح ” ريجيس ديبراي ” سؤالاً مهماً : ” ما الشيء الذي يستطيع تحويل جمعاً من الأنانيات إلى ( نحن ) فريدة ؟
  6. أساساً: كيف يمكن لنا أن نكون جمعاً, وما الذي يسمح لشخصية معنوية مستقلة أن تندثر مع الأشخاص؟
  7. أذكر أنني كنت فرداً . .
  8. أساساً: ما الغاية من الفردانية؟ وعلى ماذا يقوم التركيب النفسي للفرد؟
  9. إلغاء الأخلاقيات القمعية . .
  10. قبول الرفض, رفض القبول . .
  11. أعتقد أن النزهة الممتدة بين المعنى والوجود . . . . . . .
  12. يقول ميريجكوفسكي: عند بوشكين تطمحُ الحياةُ إلى الشعر، والفعلُ إلى التأمل، وعند ليرمونتوف يطمحُ الشعرُ إلى الحياة، والتأمل إلى الفعل.
  13. هل يحق لنا أن نسأل عن الشكل إذا تمكنا من معرفة المضمون؟
  14. يرى فيورباخ أن الحب هو جوهر الحياة الإنسانية وهدفها.
  15. هل يحق لنا أن نطالب جميع البشر بالتحضر الشامل؟ هل نحن الفئة التي لا تزال خارج إطار التحضر؟ هل الأذى الواقع علينا هو السبب؟
  16.  يرى ” لوك فوري ” , أستاذ الفلسفة في جامعة باريس, أن السؤال المطروح بحدة في نهايات القرن الـ 20 ومطلع القرن الـ 21 هو: هل بإمكاننا أن نظل مؤمنين بفكرة الرقي؟
  17.  أحط أفعال الإنسان بالنسبة لهيغل, أرقى من أعقد دورات الأجرام.
  18.  كان هيغل, في أيام شبابه, يقول أن من شأن الروح أن تكون أرقى من الطبيعة. لقد كان يعتقد أن الطبيعة ليست إلا الفكرة خارجة عن ذاتها لا الفكرة من أجل ذاتها, ويقول انها – يقصد الطبيعة – مجال سقوط الفكرة, بل إنها جثة الفكرة ومقبرة الروح. أن الكون الذي تحكمه الطبيعة إنما هو مملكة الموت ونعش الإله.
  19. يقصد, على سبيل المثال: فكرة الوردة بعيداً عن الوردة ذاتها.
  20. من هي الوردة لو لم تكن وردة؟ وهل من الممكن أن تسبق فكرة الشيء, الشيء نفسه؟ هل لديك فكرة عن هذه الفكرة؟
  21. ( لكن الزمن مفتوح , ليس كجرحٍ أبدي, بل كوردةٍ تتأرجحُ باشتهاءاتِ الخاسرين )
  22. الماركيز دو ساد, أحد أدباء فرنسا الملاقيف, دعا بكل بساطة إلى التخلص من الطبيعة وتحطيم ” هذه العجوز الشمطاء ” كما كان يسميها.
  23. لم أقابل إلى الآن شخص يكره الطبيعة. كما أنني لا أعرف شخص يحبها. أغلبهم يقولون:” صلالة؟ أوووه, طبيعتها فتاكة! ” وفي اليوم التالي تجدهم في مدينة دبي النذلة. يتسكعون بخمول, ويصرفون أموالهم بطريقة مصطنعة. لا أريد أن أقضي حياتي في تفسير مثل هذه الظواهر.
  24.  ” الشيء الوحيد الذي جاءت به الفلسفة هو فكرة بسيطة تقول أن العقل يحكم العالم, وبناء عليه, فإن التاريخ البشري عقلاني تماماً ” هذا ما قاله هيغل.
  25.  ميشيل فوكو: العقل الذي خلق الحريات هو الذي خلق السلاسل والأغلال أيضاً.
  26.  لماذا هذا التناقض؟
  27.  .. ويعتقد لوك فوري أن السؤال عن التناقض بين عقولنا ووحشيتنا سؤال مشروع نسبة للكوارث التي شهدها القرن العشرين ( الحرب العالمية 1 – 2 ) والتي هشمت واحدة بعد الأخرى كل نظريات التفاؤل بالتقدم والرقي التي قامت عليها فلسفة الأنوار في القرن الثامن عشر. ويرى أيضاً, أن المهمة الأساسية للفلسفة السياسية الراهنة هي البحث في أسباب سقوط الأوهام والأحلام المتعلقة بالرقي والتقدم.
  28. غريزة الموت؟ تستحق الصفع.
  29.  الناس يبحثون في المتاجر عن سبب للحياة. ففي مثل هذه المجتمعات المقهورة, المتجر هو المكوث بعيداً عن الموت.
  30.   يقال أن همنغواي كان يكره شراء الملابس الجديد, ويرفض تماماً ارتداء ملابسه الداخلية.
  31.   راؤول فانيجيم يؤكد في كتابه ” تأملات حول حرية التعبير ” على عدم وجود أي استعمال قبيح أو مضر لحرية التعبير وإنما استعمال غير كاف فقط.
  32.   أيّها العذاب: هل أنت جاهز؟
  33.  في الأخير, من وقت إلى آخر, حاولوا أن تتحرروا. لا تدعوا لهم الحياة هكذا.

Written by حليمْ

24 أغسطس 2013 at 8:04 م

- بعد مئة عام من العزلة.

leave a comment »


مئة عام من العزلة القاسية المتعمَّدة بدت كافية لحجب مذكرات الكاتب الأميركي الكبير، مارك تواين، عن العالم. كان ذلك بقرار شخصي منه أوصى فيه بألا تُنشر سيرته الذاتية إلا بعد قرن كامل من وفاته. وهكذا كان. وتنفيذًا لهذه الرغبة التي قبعت في الأدراج عقودًا عشرة من دون أن تفقد شيئًا من توهجها، آلت “مطبوعات جامعة كاليفورنيا” في الولايات المتحدة على نفسها أن تخرج هذه المذكرات من الظلال القاتمة إلى الضوء الساطع في شهر تشرين الثاني/نوفمبر المقبل. وتشتمل على أجزاء ثلاثة تصدر تباعًا في تواريخ متباعدة. وكانت مقتطفات متفرقة من هذه السيرة الذاتية قد أفرج عنها في الأعوام 1924، 1940 و1959. وما زاد في الطين بلة، أنها أبصرت النور على نحو يسيء إلى هذا الروائي الكبير، إذ اقتطع منها ما اعتبر في تلك الأثناء أنه لا يليق بسمعة الولايات المتحدة. من بين ما تجرأ مقص “الرقيب” على حذفه موقف مارك تواين مما يسميه الامبريالية الأميركية الجائرة وتدخلها العسكري المروِّع في كوبا والفيليبين، والسجل المشبوه للجنرال الأميركي ليونارد وود الذي عُيِّن حاكمًا عامًا على هافانا أثناء حياة الكاتب، ولحسن حظ المذكرات، فقد ازدادت غموضًا بنشر هذه المقتطفات التي لم تنتقص شيئًا من قيمتها الفعلية.

بدا مارك تواين (توفي في العام 1910) في مذكراته الشخصية ناقدًا موضوعيًا، إذا جاز التعبير، قادرًا بسهولة على التملص من بوتقة الذات الضيقة إلى محيطها الأوسع. غالبًا ما كان يتحرك، في سيرته الذاتية، في نطاق هذه المعادلة من دون حرج. بدت نزعته الإنسانية جزءًا لا يتجزأ من الكيفية التي كان يدير من خلالها الأحداث التي كوَّنت سيرته الذاتية. وقد حدت به هذه النزعة المتحررة من التقاليد السياسية الراسخة والمعتقدات المتوارثة والمسبقة على وصم الجنود الأميركيين، على سبيل المثال، بـ”القتلة الذين يتسترون ببزاتهم العسكرية”. وقد حملته جرأته واستقامته السياسية والأخلاقية والفكرية على وصف إبادة “ستمئة من الهمجيين العزل والضعفاء” على أيدي العسكر الأميركي، بـ”الرحلة الطويلة والمرحة التي لا يقدم فيها هؤلاء الأخيرون على فعل أي شيء أبدًا ما عدا الاسترخاء والاستدفاء بالنار وتسطير الرسائل إلى الأهل والأقارب وتكديس نصر فوق الآخر”. وفي السياق عينه، اعتبر أن الطغمة المالية التي تحكم سيطرتها على بورصة وول ستريت في نيويورك، قد دمرت الطيبة المتأصلة في الأميركيين، وأحلت مكانها الجشع والأنانية. ما أشبه اليوم بالأمس. بدا تواين في سيرته الذاتية روائيًا كذلك، بالدرجة الأولى، ومعنيًا، على نحو لا يقبل الشك، بكل من الشخصيات التي أثارها في مذكراته وكأنه يتحدث عن نفسه. لا يفرط بأي منها أبدًا. يعطيها حقها في التعبير عن أحوالها وظروفها وقلقها وهواجسها. والأرجح أن كلاً من الوجوه التي يستدرجها هو مارك تواين الآخر الذي يسعى إلى تحريرها من اختناقاتها الثقيلة، بالرؤيا والكلمات والأدوار التي يخترعها لها.

ومع ذلك، يصعب تجنُّب اغراءات السؤال عن الأسباب التي حملت الروائي الكبير على أن يشترط في وصيته تأجيل نشر مذكراته قرنًا من الزمن بالتمام والكمال. لا إجابة محتملة أو قاطعة عن هذا السؤال الغامض. قد يرى البعض أن في هذا الأمر ضربًا من الذكاء الخارق، بحيث أن مماطلة طويلة الأمد كهذه من شأنها أن تطيل عمره ردحًا إضافيًا من عمر الزمن. أو أن من شأنها أن تضعه من جديد رقمًا صعبًا في معادلة الكتابة المعاصرة والحديثة. توقعات فقط لا طائل منها، كما لا طائل أبدًا من هذا التساؤل الذي يبدو مبتذلاً أو سخيفًا أو عقيمًا إذا ما أريد الاستدلال به على شخصية مارك تواين. المهم، على الأغلب، أنه كان له ما أراد. نفذت وصيته بالحرف الواحد. وها هو يقوم من جديد، ليس من تحت الأنقاض، بل من قلب الحياة، بعمل ضخم قد يتجاوز سائر مؤلفاته أهمية وقدرة على الصمود الطويل.

الآتي تعريب لمقتطفات متنوعة من السيرة الذاتية…

ج. ت

*

حلقة 1

العام 1866

الأول من تشرين الأول/اكتوبر 1898. في تلك الأيام المبكرة، سبق لي ونشرت شيئًا صغيرًا (الضفدع الواثب 1866) في جريدة شرقية، غير أني لم أعتبر أن هذا أمر يُعتد به. في رأيي، إن شخصًا ينشر كتاباته في صحيفة فقط، لن يكون بمقدوره أن ينتزع اعترافًا بكونه كاتبًا أدبيًا. ينبغي له أن يتجاوز ذلك بأن يظهر في مجلة. عندئذ قد يصبح شخصًا أدبيًا. وقد يصبح أيضًا مشهورًا فورًا. كان هذان الطموحان يرخيان بثقلهما عليَّ. كان ذلك في العام 1866. أعددت مساهمتي، ثم نظرت من حولي إلى أفضل مجلة تتيح لي تسلق سلم المجد. وقع اختياري على “هاربر” وهي مجلة شهرية. قُبلت مساهمتي. وذيلتها بتوقيع (مارك تواين)، نظرًا إلى أن هذا الاسم يلقى رواجًا ملحوظًا في الساحل الباسيفيكي. إضافة إلى أن هذه كانت فكرتي لأحقق انتشارًا على مستوى العالم، الآن، بقفزة واحدة، ظهر المقال في عدد كانون الأول/ديسمبر، وقبعت انتظر شهرًا مترقبًا عدد كانون الثاني/يناير، بسبب أن هذه النسخة ستشتمل على القائمة السنوية بأسماء المساهمين، ومن بينهم اسمي، وسأصبح مشهورًا وأحظى بما كنت أتطلع إليه.

لم يحصل ذلك. ذلك أنني لم أكتب اسم (مارك تواين) بوضوح. بدا اسمًا حديثًا بالنسبة إلى ناشري مجلة “هاربر”، وقد استبدلوه باسم آخر هو (مايك سواين، أو ماك سواين)، لم أعد أتذكر أيهما. وفي أي حال، لم أنل الشهرة التي كنت أتوقعها. كنت شخصًا أدبيًا، ولكن لا يعدو كونه مدفونًا، دُفن حيًا.

كانت مقالتي تتناول الحريق الذي طاول السفينة الشراعية (هورنت) وهي تبحر في خطها المعتاد في الثالث من أيار/مايو 1866. كان على متنها، في تلك الحادثة، واحد وثلاثون رجلاً، كنت في هونولولو عندما وصل الناجون الخمسة عشر وقد بدا عليهم وكأنهم أشباح بعد رحلة استغرت ثلاثة وأربعين يومًا في مركب مكشوف وهم يكابدون لهب المناخ الاستوائي وليس في حوزتهم من المؤن إلا ما يكفي عشرة أيام. رحلة استثنائية للغاية، قادها قبطان بدا رجلاً استثنائيًا أيضًا، وإلا لما كان هناك ناجون.

كنت في الجزر بغية كتابة رسائل إلى الطبعة الأسبوعية لصحيفة “يونيون” الصادرة في مدينة سكرامنتو، لم تكن هذه الجريدة تحتاج إلى أي من رسائلي على الإطلاق، ومع ذلك كان بمقدورها أن تنفق عشرين دولارًا في الأسبوع من دون مقابل. كان مالكو الصحيفة أشخاصًا محببين ومحبوبين، توفوا منذ زمن طويل. ولا يزال شخص واحد من بينهم، على الأقل، يشدُّهم إليَّ على نحو من الذكرى المشوبة بالعرفان بالجميل. ذلك أنني أردت بشغف أن أزور الجزر، وقد أصغوا إليَّ، ومنحوني تلك الفرصة في وقت كان ثمة احتمال ضئيل بإمكان الإفادة مني بحال من الأحوال.

مضى على وجودي في الجزر أشهر عدة عندما وصل الناجون. كنت في تلك الأثناء مستلقيًا في غرفتي عاجزًا عن المشي. وقد لاحت مناسبة عظيمة لأقدم خدمة لصحيفتي في وقت لم أكن قادرًا على اغتنامها. تملكني إحساس بالقلق العميق. ولكن لحسن الحظ كان سعادة انسون بيرلينغايم هناك في تلك الأثناء، وهو في طريقه ليتسلم منصبه في الصين حيث تمكن من إنجاز خدمات هامة للولايات المتحدة. جاء ووضعني على نقالة وتدبَّر أمر وصولي إلى المستشفى حيث كان الناجون يتلقون العلاج، ولم أكن أحتاج إلى أن أسأل سؤالاً واحدًا. قام بنفسه بكل ما يلزم على هذا الصعيد، بينما لم يتوجب عليَّ إلا أن أدوِّن الملاحظات. كان من أولئك الناس الذين يتلقون بصدورهم الأزمات، كان رجلاً عظيمًا وأميركيًا عظيمًا. كان في طبيعته الطيبة أن يخرج من إطار منصبه الرفيع وأن يبدي هذه الالتفاتة الودودة كلما أمكن له ذلك.

عندما عدت إلى كاليفورنيا بعد ذلك بوقت قصير، قصدت الصحيفة في سكرامنتو وقدمت كشفًا بالحساب حول الخدمات الخاصة المتعلقة بالسفينة (هورنت)، المتمثلة بكتابة ثلاثة أعمدة تتضمن مادة حقيقية لا نظير لها لقاء مئة دولار للعمود الواحد. لم ينخطف لون أمين الصندوق. بعث في طلب أصحاب الجريدة الذين حضروا ولم يعبِّروا عن اعتراضهم. ضحكوا فقط بأسلوبهم المحبب وقالوا إن في الأمر سرقة، ولكن لا بأس في ذلك، كان سبقًا صحافيًا كبيرًا (لست أدري ما إذا كان المقصود بذلك مقالتي أو الفاتورة التي قدمتها)، حسنًا، ادفعوا له مستحقاته. كانوا من أفضل الرجال الذين تملكوا صحيفة.

جزر ساندويتش

وصل الناجون من السفينة “هورنت” إلى جزر ساندويتش في الخامس عشر من حزيران/يونيو. بدوا، للنحول الذي أصابهم، هياكل عظمية. كانت ثيابهم تتدلى من حولهم كما يتدلى العلم من على ساريته في السكينة. ومع ذلك، فقد تلقوا عناية جيدة في المستشفى. وواظب أهالي هونولولو على تزويدهم بما لذ وطاب مما يحتاجون إليه. واستعادوا عافيتهم بسرعة وكأن شيئًا لم يحصل لهم. وخلال أسبوعين استقل معظمهم السفينة نحو سان فرنسيسكو. غادرت في السفينة عينها، وهي مركب شراعي. كان في عداد الركاب قبطان السفينة “هورنت”، ميتشل، إضافة إلى سيدين شابين من ستامفورد كونكتيكت، هما: الأخوان صاموئيل فيرغسون في الثامنة والعشرين من العمر، متخرج من كلية “ترينيتي” في مدينة هارتفورد، وهنري فيرغسون في الثامنة عشرة، تلميذ في الكلية نفسها، وقد أصبح اليوم أستاذًا فيها، وهو الموقع الذي شغله سنوات عدة. وقد بلغ هذا العام، 1898، الخمسين من عمره. كانت “هورنت” سفينة شراعية سريعة من الطراز الأول. بدت غرفتا الشابين في السفينة وسيعتين ومكدستين بالكتب، وأيضًا بمعلبات اللحم والفاكهة لمساعدة المسافرين. وعندما غادرت السفينة مرفأ نيويورك في الأسبوع الأول من كانون الثاني/يناير، كان ثمة وعد بأن تبذل مجهودًا سريعًا ومرضيًا للمسافرين طوال الأربعة عشر أو الخمسة عشر ألف ميل التي ستجتازها. وما إن خرجت السفينة من المناطق الباردة ودخلت في مجال المناخ الصيفي، حتى تحولت الرحلة نزهة لتمضية العطلة. أبحرت السفينة في اتجاه الجنوب تحت سحابة من الأشرعة التي لا تسترعي الانتباه. ولم يطرأ أي تغيير من أي نوع كان خلال الأيام اللاحقة. كان الشابان يمضيان الوقت بالقراءة، يتجولان على ظهر المركب، يسترخيان ويتكاسلان في ظلال الأشرعة، ويتناولان طعامهما مع القبطان. وعندما ينقضي النهار يلعبان الورق معه حتى حلول وقت النوم، وبعدما تبددت عواصف الثلج والجليد، امخرت السفينة شمالاً نحو مناخ صيفي من جديد، وتحولت الرحلة نزهة مرة أخرى.

حتى الصباح الباكر من الثالث من أيار/مايو، لم يكن ثمة أثر للريح، والبحر هادئ وكأن لا بحر، والسكينة سائدة كصمت الموت، وحرارة الجو استوائية مشتعلة، لا يمكن لأحد أن يتصورها ممن لم يكتو بنارها. كان هناك صرخة للحريق. وحدث أن أحد القباطنة المشكوك في نزاهتهم تمرد على الأنظمة ودخل، بنار مكشوفة، حجرة في أسفل السفينة ليأخذ قليلاً من الفرنيش من برميل خشبي، أسفر ذلك عن النتيجة المتوخاة وأصبحت ساعات السفينة معدودة.

لم يكن ثمة وقت كثير لإضاعته، ولكن القبطان استثمر الجزء الأكبر منه. فقد جُهزت القوارب الثلاثة التي كانت على متن السفينة، أحدهما ذو شكل طويل والآخران أقصر طولاً. كان الوقت يمضي بسرعة. وكان هرج ومرج ناتجان عن ثقب طرأ على أحد القوارب بسبب اصطدام على الأرجح أثناء انزالها إلى الماء، إضافة إلى أن مجذافًا قد اخترق جانبًا من قارب آخر. كان من أولويات القبطان إحضار أربعة بحارة مرضى ووضعهم على ظهر السفينة بعيدًا عن أي خطر محدق، من بينهم بحار برتغالي. انتشر الحريق في السفينة بسرعة قياسية. كانت ألسنة اللهب والدخان تدفعان الرجال إلى الخلف، بينما كانوا منشغلين في الإحجام عن نقل المؤن إلى القوارب والاكتفاء بدلاً من ذلك بما يكفي لعشرة أيام فقط.

كان كل قارب مزوَّدًا ببوصلة، وربعية (أداة تستخدم في الملاحة) وروزنامة للملاحة، واحتوى قارب القبطان على أداة لقياس الزمن. كان على متن السفينة واحد وثلاثون رجلاً. وقد أعد القبطان جردة بالمحتويات على النحو الآتي:

أربع قطع من لحم الفخذ، 15 كيلو من الملح، نصف صندوق من الزبيب، 50 كيلو من الخبز، 12 كيلو من معلبات الصدف، بطلينوس، أصناف متعددة من اللحوم، برميل يحتوي على كيلوين اثنين من الزبدة، 12 غالونًا من الماء، علب كبريت، غلايين، خمسون كيلو من التبغ، لا أدوية بين هذه المحتويات.

ابتعدت القوارب الثلاثة ثم استقرت على مسافة قريبة وتوقفت. كان ثمة رجلان ينزفان بغزارة. بعض الرجال كان منشغلاً بإفراغ القوارب من الماء، وبعضهم الآخر كان منهمكًا بسد الثقوب بالقدر المستطاع. استقل القبطان والراكبان الجريحان وأحد عشر آخرون القارب الطويل وفي حوزتهم بعض المؤن والماء وصعد على أحد القاربين الأصغر مساعد القبطان وثمانية رجال، واستقل سبعة آخرون القارب الآخر. لم يتمكن المسافرون من الحصول على شيء من ثيابهم باستثناء ما كانوا يرتدونه. بدت السفينة وهي مجللة باللهب يتصاعد منها عمود ضخم من الدخان الأسود، وكأنها صورة مهيبة في عزلة البحر. وساعة بعد ساعة جلس الركاب كالمنبوذين يرقبون السفينة من بعيد. في هذه الأثناء كان القبطان يحسب المسافة الممتدة بينه وبين أقرب أرض متوافرة، ثم راح يقسِّم المؤن لمواجهة حالات الطوارئ: نصف قطعة من البسكويت للفطور، قطعة من البسكويت وبعض اللحم المعلب للعشاء، نصف قطعة من البسكويت مع الشاي، جرعات قليلة من الماء مع كل وجبة. وهكذا راح الجوع يعض والسفينة لا تزال تحترق. في الرابع من أيار/مايو، كانت السفينة تحترق طوال الليل تحت بريق ألسنة اللهب. وكانت الآمال معلقة على أن تلحظ سفن أخرى الضوء المنبعث من الحريق فتهب للنجدة. لم يحدث شيء من هذا القبيل قبل ظهر هذا اليوم، وهكذا عقدنا العزم على أن نتوجه معًا إلى بعض الجزر الواقعة شمالاً وقليلاً إلى الغرب، مؤملين، في هذه الأثناء أن تنقذنا سفن مارة من هناك. في الخامسة صباحًا غرقت السفينة فجأة. كانت الشمس ترسل لهيبها، وقد حاول الجميع أن يتحاشاها قدر الإمكان.

*

حلقة 2

في أوروبا

عندما أصبحت مفلسًا نتيجة لجهل تشارلز ل. وبستر وسوء إدارته، في أعقاب سرقة تقدَّر قيمتها بمئة وسبعين ألف دولار قام بها جايمس و. بايج، خلال السنوات السبع الماضية، ذهبنا إلى أوروبا من أجل أن نتمكن من العيش بما تبقى من دخولنا وكان ضئيلاً بما فيه الكفاية. وخلال السنوات العشر أو الاثنتي عشرة اللاحقة، لم يكن المدخول ليتجاوز في الغالب اثني عشر ألف دولار في السنة. وأظن أنه لم يصل في أي وقت من الأوقات إلى عشرين ألف دولار في السنة. وأنا على ثقة بأنه لم يتجاوز عتبة اثني عشر ألف دولار إلا قبل سنتين من عودتنا من أوروبا، في تشرين الأول/اكتوبر من العام 1900.

ولكنه تحسَّن بعد ذلك بشكل ملحوظ، ولكن كان الأوان قد فات ليتحول هذا التحسن أمرًا ذا فائدة كبيرة للسيدة كليمنز. فقد اعتادت أن تتكبد الظروف الاقتصادية لتلك السنوات المتمادية من دون أن تتفوه بكلمة. والآن عندما أصبحت الثروة في متناول أيدينا كان الوقت قد تأخر. ابتليتْ بداء سقيم وتوفيت بعد اثنين وعشرين شهرًا من المعاناة، في فلورنسا ايطاليا في الخامس من حزيران/يونيو من العام 1904. كما ذكرت آنفًا، كانت عائلة كليمنز مفلسة. جاء اوريون لإنقاذها.

ولكنني على خطأ. لم يحضر اوريون إلى هانيبال إلا بعد سنتين أو ثلاث من وفاة والدي. ظل يمكث في سانيت لويس. في تلك الأثناء، كان اوريون ناشرًا رحالاً يتقاضى رواتبه. دأب على مساعدة أمي وأخي هنري من مدخوله الخاص. كان أخي هنري يصغرني بعامين، وقد ساهمت شقيقتي باميلا في توفير هذه المساعدة من خلال تعليم تلامذة العزف على آلة البيانو. هكذا تدبرنا أمورنا ولكن في ظروف صعبة للغاية وغير مؤاتية. لم أكن أنا جزءًا من هذا العبء لأنني كنت انتزعت من المدرسة على الفور بعد وفاة والدي، ووضعت في مكتب هانيبال كمتدرب في مجال الطباعة، وسمح لي السيد ايمنت ناشر صحيفة (كورير) ومالكها، أن أحصل على التعويض الاعتيادي الذي يتقاضاه متدرب مثلي، كمثل الطعام والثياب، من دون أن أتقاضى أجرًا ماليًا. كانت الثياب تتكون من بزتين سنويًا، أحداهما لم تكن متوافرة، ولم يتم شراء الثانية طالما أن الثياب القديمة للسيد ايمنت ظلت قادرة على الصمود. كنت بنصف حجم ايمنت تقريبًا، وبالتالي، فإن قمصانه جعلتني أحسُّ بذلك الشعور المزعج بالعيش داخل خيمة في سيرك. وكان عليَّ أن أثني سراويله إلى أذني لتصبح قصيرة بما فيه الكفاية.

كان هناك متدربان آخران. أحدهما يدعى وايلز ماكورميك في السابعة أو الثامنة عشرة وكان عملاقًا. عندما كان يضع نفسه في ثياب ايمنت، كان يعاني بشكل عام من حالة اختناق خصوصًا في أوقات الصيف. كان متهورًا، مرحًا، مخلوقًا رائعًا. لم يكن لديه مبادئ وكانت رفقته تبعث على السرور. في البدء كنا المتدربين الثلاثة، نتناول طعامنا في المطبخ مع الطاهية وهي رقيق سوداء وابنتها الشابة الخلاسية ذات الوسامة والذكاء والتهذيب. من أجل لهوه الذاتي، دأب وايلز على إقامة علاقة عاطفية بهذه الفتاة الخلاسية، على نحو دائم وثابت وعلني ومدروس، فنغص عليها حياتها وأدخل القلق الى قلب أمها حتى الموت. كانت تخاطبه قائلة: والآن يا مارس وايلز، مارس وايلز ألا تستطيع أن تكون مؤدبًا؟ ولكونه يتمتع بتلك الجرأة كان وايلز يقدم، بشكل طبيعي، على تحفيز ملاطفته والإصرار عليها. بدا هذا الأمر مضحكًا مبكيًا بالنسبة إلى كلينا رالف وأنا. والحق أقول، إن إحساس الأم العجوز بالألم من باب التظاهر فقط، كانت تدرك جيدًا أنه وفقًا لتقاليد المجتمعات التي يسود فيها الرق، كان يحق لوايلز أن يقيم علاقة مع تلك الفتاة إذا رغب هو في ذلك، ومع ذلك، كان الألم الذي يتآكل الفتاة حقيقيًا. كانت تتمتع بطبيعة مصقولة، كما كانت تتقبل علاقة وايلز المتهورة بها بامتعاض عميق.

الزحف إلى القبو

لم نكن نحظى إلا بتنوع قليل في الطعام الذي كان يقدم على طاولة المطبخ، ولم يكن ما يكفي منه في أي حال. لذا، كنا نحن المتدربين، نبقى على قيد الحياة بأساليب نبتكرها نحن. كنا مثلاً نزحف إلى القبو كل ليلة تقريبًا، من خلال ممر خاص اكتشفناه، لنسطو على البطاطا والبصل وأشياء مماثلة، ثم نحملها إلى مكتب الطباعة حيث كنا ننام على فرش من قش، وبعد ذلك نطهوها على الموقد ونستمتع بأوقات جيدة. كان لدى وايلز سر في طهو البطاطا، بدا رائعًا ومعتبرًا من مجهوده الخاص. ومنذ ذلك اليوم لم أر طريقة تطبخ بها البطاطا إلا مرة واحدة. كان ذلك عندما أمر امبراطور المانيا فيلهنم الثاني بمثولي على المائدة في مناسبة خاصة قبيل نهاية العام 1901. وعندما ظهرت تلك البطاطا على المائدة أخرجتني عن تحفظي وحملتني على ارتكاب خطأ لا يغتفر قبل أن أستعيد تحفظي من جديد. فقط حدث أنني استقبلت البطاطا بتعجب مرح متوجهًا بملاحظتي إلى الامبراطور الذي كان يجلس إلى جانبي من دون أن أنتظر إقدامه على تناول القطعة الأولى. وأعتقد أنه حاول بصدق أن يتظاهر بأنه لم يُصدم ولم يغضب. ولكنه بدا عليه ذلك بوضوح. كما بدا على وجوه نصف دزينة من النبلاء الذين كانوا يجلسون إلى المائدة. بدا عليهم الذهول جميعًا، ولم يكن بمقدور أحد أن يتفوه بكلمة لو أن الامبراطور حاول ذلك. خيم الصمت الثقيل ما يقرب من نصف دقيقة، وكان ممكنًا أن يدوم حتى اليوم بالطبع لو أن الامبراطور لم يكسره بنفسه، لأن لا أحد هناك كان مستعدًا للقيام بهذه المجازفة، كانت الساعة تشير إلى السادسة والنصف من مساء ذلك اليوم، ولم ينسحب الثلج كليًا من الجو إلا بحلول منتصف الليل عندما ذاب عن آخره أو تلاشى بفعل الفيضانات الكريمة للبيرة.

كما ذكرت آنفًا، كانت الأوضاع الحالية للسيد ايمنت على شيء كثير من الكتمان والصلابة. بمرور الوقت، حصلنا، نحن المتدربين، على ترقيته، فانتقلنا من تحت الأرض إلى الطبقة الأرضية، كما سُمح لنا بالجلوس إلى مائدة العائلة وبحضور بيت ماكوري بدت الأوضاع المالية آيلة إلى الاستمرار. كانت السيدة ايمنت عروسًا، وقد أحرزت هذا الامتياز في وقت قريب جدًا بعدما انتظرت ردحًا طويلاً من الزمن من أجل ذلك. كانت المرأة المناسبة في المكان المناسب، ووفقًا للقول الأميركي المأثور، لم تكن تثق بحصولنا على وعاء السكر، بل كانت تحلِّي قهوتنا بنفسها. وفي حقيقة الأمر لم تفعل ذلك، كان يبدو أنها تضع ملعقة ملأى بالسكر الأسمر في كل من أكوابنا، ولكنها كانت تخدعنا وفقًا لوايلز. كان يقول إنها كانت تغمس الملعقة في القهوة أولاً ليلتصق بها السكر، وبعد ذلك تغرف السكر بأن تسقط الملعقة في الوعاء رأسًا على عقب فيبدو للعين أنها امتلأت بالسكر بينما لا تحتوي منه إلا طبقة رقيقة، بدا هذا الأمر حقيقيًا بالنسبة إلي، ومع ذلك كان صعبًا تصديقه إلى الحد الذي بدا فيه أنه لم يحصل البتة، كان إحدى كذبات وايلز.

كنت ذكرت أن وايلز بدا طائشًا، وكان فعلاً كذلك. كان مرد ذلك الطيش إلى الروح الطيبة المنبعثة بشكل دائم كالفقاعة من مرح الشباب. وأعتقد أنه لم يكن بإمكان هذا الشاب أن يتدبَّر خمس دقائق يفكر فيها بنفسه. لم يكن بمقدور أحد أن يتوقع متى يتدفق، من بين خصائصه المشرقة، إحجامه الدائم عن قلة التوقير. بدا ذلك محببًا للغاية، لم يبد أنه كان لديه اهتمام بأمر جدي في حياته. لم يكن ثمة شيء يحمله على إظهار التوقير.

55 عامًا من الندم

كان خلال سنتيه الأوليين من التدرب في مكتب “كورير”، أن أقدمت على عمل سعيت إلى إبداء الأسف عليه طيلة خمسة وخمسين عامًا. كان ذلك في يوم صيفي من بعد الظهر من تلك الأيام النموذجية بطقسها لفتى يبحث عن رحلة نهرية وحفلات سمر أخرى. غير أنني كنت أسيرًا. كان الآخرون قد ذهبوا لقضاء عطلاتهم. كنت وحيدًا وحزينًا. اقترفت جريمة من نوع ما، وكان هذا عقابي الذي تلقيته. كان ينبغي لي أن أخسر عطلتي وأن أمضي فترة بعد الظهر في العزلة. كان مكتب الطباعة متوافرًا لي بكامله، هناك في الطبقة الثالثة. كان لدي راحة واحدة تتميز بالكرم، هي عبارة عن نصف بطيخة حمراء طويلة وعريضة، طازجة وناضجة. قطعتها بسكين والتهمتها بكاملها حتى كاد عصيرها أن يخرج من أُذني. لم يبق منها إلا قشرتها، قشرتها الفارغة.

كانت كبيرة على نحو يكفي ليصنع منها سريرًا هزازًا للأطفال. لم أرغب في التخلص منها، في الوقت الذي لم أكن قادرًا على التفكير بما أفعل بها لاستمتع بوقتي. كنت جالسًا إلى النافذة المفتوحة التي تشرف على جانب الطريق الرئيسي من تحت ثلاث طبقات عندما خطر لي أن اقذفها نحو رأس عابر سبيل من هناك. شككت في الغاية من ذلك وشعرت أيضًا بشيء من تأنيب الضمير، لأنني سأتحمل العاقبة الكبرى من هذا الفعل بينما يتحمل ذلك الشخص الجزء الأيسر من تلك العاقبة. ومع ذلك فكرت في أن اغتنم هذه الفرصة. أخذت أبحث عن الشخص المناسب، الشخص الآمن، غير أنه لم يظهر. وفي كل مرة كان يتراءى لي مرشح، رجلاً أو امرأة، تبيَّن أنه ليس الشخص الآمن، فأقدم على ضبط نفسي. وأخيرًا رأيت الشخص الملائم، كان شقيقي هنري. أفضل فتى في المنطقة كلها. لم يؤذ أحدًا يومًا، ولم يسئ إلى أحد أبدًا. كان طيبًا على نحو يثير الغضب. كانت الطيبة تتدفق منه، ولكن ليس إلى الحد الذي ينقذه هذه المرة. راقبت قدومه باهتمام بالغ. جاء متمهلاً وحلم الصيف الممتع يداعب خياله. لم يكن ليشك في شيء أبدًا. كانت العناية تحتضنه. ولو خطر على باله أنني كنت أرقبه لبدا أقل ثقة بتلك الخرافة. وبينما كان يقترب، كان شكله يبدو أقصر شيئًا فشيئًا. وعندما أصبح تحت نظري مباشرة، بدا قصيرًا جدًا بحيث لم يظهر منه، من موقعي المرتفع إلا طرف أنفه وقدماه المقربتان واحدة بعد الأخرى. بعد ذلك، وازنت البطيخة بين يدي، وحسبت المسافة ثم أطلقتها إلى الأسفل. كانت دقة الرماية تتجاوز الإعجاب. كان أمامه ست خطوات ليصبح تحت مرماي عندما ألقيت قشرة البطيخة التي تشبه زورقًا طويلاً ونحيفًا، وكان أمرًا محببًا وأن أرى الجسدين يقترب أحدهما من الآخر بالتدريج، ولو كان أمامه سبع خطوات أو خمس لتكللت رمايتي بالفشل. ولكن خطواته تمت بالعدد وتحطمت وتطايرت قشرة البطيخة قطعًا في كل الاتجاهات كالرذاذ الذي طاول زجاج الطبقة الثالثة. أردت أن أنزل إلى الأسفل لأطيِّب خاطره، ولكن ذلك لم يكن تصرفًا آمنًا، لأنه كان سيشك بي على الفور.

ومع ذلك توقعت أن يشتبه بي في كل الأحوال. كنت مخدوعًا عندما ظننت أنه لن يشتبه بي. كان ظني خطأ. بدا أنه يترقب الفرصة المناسبة. ثم قذفني بحصاة كبيرة أصابت جنب رأسي وأحدثت تورمًا ضخمًا حملني على ارتداء قبعتين معًا لإخفائه. حملت هذه الجريمة إلى والدتي، لأنني كنت أتحرق شوقًا، على الدوام، إلى توريط هنري بالمتاعب معها من دون أن أحقق نجاحًا في مسعاي. واعتقدت أن لدي قضية هذه المرة ما أن يقع نظرها على التورم في رأسي.

وعندما رأته قالت أن لا بأس في ذلك. لم ترَ حاجة في الاستفسار عن السبب. كانت تعلم أنني استحق ذلك وأفضل ما يحدث لي أن أتقبل ما حصل كدرس ثمين لن أنساه واستفيد منه.

ورقة الخمسين دولارًا

في يوم من منتصف شتاء العام 1856 أو 1857، أعتقد أنه كان في العام 1856، كنت أتقدم الخطى في الشارع الرئيس المسمى كيوكوك من قبل الظهر. كان الطقس سيئًا إلى درجة أن الشارع بدا مهجورًا على الأغلب. كانت زخات من الثلج الجاف تتساقط هنا فتشكل أنواعًا عدة من الصور الجميلة، ولكنها لبرودتها تبعث على القشعريرة. نفخت الريح قصاصة من الورق مرة بجانبي واصطدمت بجدار منزل. شيء ما في مظهر الورقة استرعى انتباهي. كانت ورقة من فئة الخمسين دولارًا، وهي الأولى من نوعها التي كنت رأيتها حتى ذلك الوقت، والمبلغ الأضخم من المال الذي وقع عليه نظري مرة واحدة. نشرت إعلانًا في الصحف وتكبدت ما تفوق قيمتها الألف دولار من التوسل والخوف والألم خلال الأيام القليلة اللاحقة وأنا أنتظر أن يقرأ صاحبها الإعلان في الصحف ويأتي إلي طالبًا استرداد ثروتي. مضى قرابة الأربعة أيام من دون أن يتصل بي أحد، ثم لم يعد بإمكاني أن أتحمل هذا النوع من التعاسة. وأحسست بأن أربعة أيام أخرى لن تمر على هذا النحو الآمن. تملكني شعور بأنه ينبغي لي أن أنقذ هذا الحال من خطر محدق. لذلك ابتعت تذكرة إلى مدينة سينسيناتي وتوجهت إليها.

عملت هناك بضعة أشهر في مكتب الطباعة التابع لمطبوعة “واشنطن أند كومباني”. كنت أتصحف رواية الملازم أول هيرندون حول مكتشفاته في الأمازون، ولأكثر ما شدني إليها ما كتبه عن الكاكاو. فقررت العزم على الذهاب إلى منطقة المياه العليا في القارب البخاري “بول جونز” وذهني مشبع بهذه الفكرة العظيمة. أحد قباطنة المركب المذكور كان يدعى هوراس بكسبي، أخذت أتقرب منه شيئًا فشيئًا، ولم يمض وقت طويل حتى كنت أدير دفة المركب عنه أحيانًا أثناء نوبة المراقبة النهارية. عندما وصلت إلى نيو اورلينز، استفسرت عن السفن المتوجهة إلى بارا واكتشفت أن أيًا منها لن يقصد تلك المنطقة، وعلمت أن شيئًا من هذا القبيل لن يحدث طوال ذلك القرن. لم يخطر لي أن استفسر عن هذه التفاصيل قبل قدومي إلى سينسيناتي. ومع ذلك كنت هناك. لم أستطع الذهاب إلى الأمازون. ولم يكن لدي أصدقاء في نيو اورلينز ولا مال كذلك.

قصدت هوراس بكسبي وسألته أن يعلمني قيادة السفن. أجاب بأنه قد يفعل ذلك لقاء مئة دولار يتقاضاها نقدًا وفي الحال. وهكذا درت له دفة السفينة وهي في طريقها إلى ساينت لويس، واقترضت المبلغ من صهري ووضعت حدًا لهذه المقايضة. وكنت قد استعنت بصهري هذا قبل سنوات عدة. كان يدعى السيد وليام أ. موفيت، تاجر من فيرجينيا، ورجل طيب في كل الأحوال.

تزوج شقيقتي باميلا. وخلال ثمانية عشر شهرًا أصبحت قبطانًا كفوءًا، وخدمت تلك الشركة حتى توقف الإبحار في نهر الميسيسيبي واندلاع الحرب الأهلية.

في تلك الأثناء، كان أوريون يتعرق وهو يداوم على عمله في مكتبه الطباعي الصغير في كيوكوك، وهو وزوجته كانا يقيمان مع عائلة الثانية، ظاهريًا كنزلاء بأجر. ولكن من المستبعد أن يكون أوريون قادرًا، في الأساس، على أن يسدد كلفة إقامته. لم يكن في وسعه أبدًا أن يدرك أن العمل الذي ينجز من دون مقابل، مصيره الفشل، ولا قيمة له في الوقت الراهن، وأن الزبائن، في هذه الحال، سيضطرون إلى الذهاب حيث يمكنهم الحصول على فائدة أفضل حتى ولو كانوا مجبرين على دفع أثمان أغلى، كان لديه متسع من الوقت. وقد حدث أنه رفع لافتة كتب عليها أنه يقدم خدمات إلى الناس بصفته محاميًا.

غير أنه لم يحظ بقضية واحدة، على الرغم من أنه بدا متشوقًا لتوفير خدمات مجانية في هذا المجال. كان ليبراليًا على الدوام في ذلك التوجه.

في الوقت الحاضر، ذهب إلى قرية صغيرة تدعى الكسندريا، تبعد ميلين أو ثلاثة أميال على طول النهر، ووضع اللافتة المذكورة هناك. لم يحصل على أي مردود من جراء ذلك. بدت أوضاعه صعبة في هذه الأثناء. من ناحيتي، كنت وقتئذ قد بدأت اتقاضى راتبًا يبلغ 250 دولارًا في الشهر لقاء عملي قبطانًا، وهكذا دأبت على توفير المساعدة له حتى العام 1861، عندما أقدم صديقه القديم، ادوارد بايتس (أصبح في ما بعد وزيرًا في أولى حكومة للسيد لينكولن) على تعيينه في موقع السكرتير للمقاطعة الجديدة نيفادا.

ترجمة وتقديم: جهاد الترك

Written by حليمْ

5 أبريل 2013 at 2:32 م

مذكّرة الضابط / تولستوي

with one comment


وإذا شكّك أحد هؤلاء الصغار المؤمنين بي, لو عُلَّق في عنقه حجر الرحى، وزجَّ في لجَّة البحر. الويلٌ للعالم من الشكوك! فإنها لا بدَّ أن تقع الشكوك، ولكن ويلٌ لذلك الإنسان الذي تقع الشكوك عن يده!
إنجيل متَّى: 18، 6-7

في جميع ثكنات الجنود هناك ما يسمَّى “مذكِّرة الجندي” معلَّقة على الجدار، ألَّفها الجنرال دراغوميروفي. هذه المذكِّرة عبارة عن مجموعة من الأقوال العسكرية الشعبية الهجومية الغبية المتصنِّعة، والممزوجة مع اقتباسات تجديفية من الكتاب المقدَّس. يتم إيراد آيات من الكتاب المقدَّس لتأكيد أنَّ على الجنود أن يقتلوا أعداءهم، ويفترسوهم بأسنانهم: «إذا انكسرت الحربة فاضرب بكعب البندقية، وإذا خذلك كعب البندقية فاضرب بقبضتيك، وإذا أعطبت القبضتان انهش بأسنانك». أما في ختام المذكِّرة فيُقال إنَّ الله هو جنرال الجنود: «الله جنرالكم».

ما من شيء يبرهن بجلاء أكثر من هذه “المذكِّرة” الدرجة المرعبة من الجهل والخضوع العبودي والوحشية التي بلغها الروس في وقتنا الراهن. منذ أن ظهر هذا التجديف المخيف، وتمَّ تعليقه في كافة ثكنات الجنود، وهذا منذ زمنٍ بعيد جدًا، لم يعبِّر أي آمر، أو أي قسٍّ، ممن يفترض أن يهمهم، بصورة مباشرة، تحريف معاني نصوص الكتاب المقدَّس، عن إدانته لهذا المؤلَّف المثير للاشمئزاز، وهو لا يزال يُطبع بملايين النسخ، ويُقرأ من قِبل ملايين الجنود الذين يعتبرون هذا المؤلف دليل عملهم.

هذه المذكِّرة تزعجني منذ زمنٍ بعيد، والآن، إذ أخشى أنني قد لا أجد الوقت للقيام بهذا قبل موتي، كتبتُ نداءً موجَّهًا إلى الجنود، حاولتُ فيه تذكيرهم بأنهم، كبشر وكمسيحيين، لديهم أمام الله التزامات مختلفة كليًا عن تلك المعروضة في هذه المذكرة. أعتقد أن تذكيرًا كهذا ضروري ليس للجنود فقط، وإنما هو ضروري أكثر للضباط (أقصد بكلمة “ضابط” في القيادة العسكرية، من الملازم إلى الجنرال) الذين يلتحقون بالخدمة، أو يبقون فيها، دونما إرغام مثل الجنود، وإنما بشكل طوعي.

أعتقد أنَّ هذا التذكير ضروريًا بشكل خاص في وقتنا الراهن. إذ إن الأمر كان على ما يرام قبل 100 أو 50 سنة، عندما كانت الحرب تعدُّ شرطًا لا بدَّ منه لحياة الشعوب، عندما كان ذلك الشعب الذي تُخاض الحرب ضدَّه يعتبر همجيًا أو كافرًا أو شريرًا، وعندما لم يكن يخطر في بال العسكر بأنهم ضروريين من أجل سحق وقمع شعبهم. كان حسنًا حينذاك السير ثلاثًا ثلاثًا، مرتدين بزَّات عسكرية مموهة ومخيطة بخيوط من قصب، والمهاميز تصلصل، أو تخطَّر المرء قدَّام الفوج، متخيلاً نفسه بطلاً مستعدًا للتضحية بحياته دفاعًا عن وطنه، وإن لم يفعل حتى الآن. ولكن الآن، حيث العلاقات الدولية المكثَّفة – التجارية، الاجتماعية، العلمية، الفنية- قرَّبت بين الشعوب إلى درجة أنَّ أية حرب بين الشعوب الأوروبية تُعدُّ شكلاً من أشكال الخلاف العائلي، وتخرق أقدس الروابط بين البشر، حيث مئات الجمعيات في العالم، وآلاف المقالات في الصحف العامة وليس الاختصاصية فقط، توضِّح، باستمرار وبشتى الطرق، جنون العسكرة، وإمكانية، وحتى ضرورة، القضاء على الحروب؛ الآن حيث – وهذا هو الأهم – يحدث أكثر فأكثر للعسكر أن يحاربوا، ليس ضد أعداء الخارج للدفاع في مواجهة الغزاة المهاجمين، أو لأجل زيادة مجد وجبروت وطنهم، وإنما ضدَّ العمال أو الفلاحين العزَّل – التخطُّر على حصان في بزَّةٍ رسمية مزينة بالقصب، والتبختر الغندور أمام الفوج، لم يعد يعتبر تفاخرًا فارغًا ومغفورًا له كما كان في السابق، وإنما بات شيئًا مختلفًا كليًا.

في الماضي، حتى في عهد نيكولاي الأول، لم يكن يخطر لأحد أنَّ القوات المسلحة ضرورية، على الأغلب، من أجل إطلاق النار على السكَّان العزَّل. أما الآن، ففي العواصم والمناطق الصناعية هناك قوات متموضعة بشكل دائم بهدف أن تكون مستعدة لتفريق تجمعات العمال، ونادرًا ما يمرُّ شهر دون سَوق القوات من الثكنات، مع رصاص حقيقي، ووضعها في مكان مخفي لتكون مستعدة لإطلاق النار على الناس في أية لحظة. لم يعد استخدام القوات المسلحة ضدَّ الشعب ظاهرة عادية فحسب، بل يتم تشكيل القوات المسلحة مسبقًا لتكون جاهزة لاستخدامٍ من هذا النوع. ولا تخفي الحكومة أنَّ نشر المجندين على الأقسام يتم، بشكل مقصود، بحيث لا يُفرَز الجنود أبدًا إلى المناطق التي جاؤوا منها. ويتم هذا لكي لا يضطر الجندي إلى إطلاق النار على أهله.

الإمبراطور الجرماني قال، ويقول، بصراحة، عند كل تجنيد للمجندين (خطاب 23 أيار 1901)، إنَّ الجنود الذين يؤدون له اليمين هم ملكه بالجسد والروح، وإنَّ لديهم عدو واحد – هو عدوه، وإنَّ هذا العدو هم الإشتراكيون (أي: العمال) الذين على الجنود أن يطلقوا عليهم النار إذا ما أمرهم بذلك، ولو كانوا أشقاءهم وآباءهم. عدا عن أنَّ القوات المسلحة، في الأزمنة القديمة، إذا كانت تُستخدم ضد الناس والشعب، فالذين كانت تستخدم ضدهم كانوا، أو على الأقل كانوا يعتبرون، مجرمين مستعدين لقتل وتدمير السكان المدنيين. لذا، ومن أجل المصلحة العامة، عُدَّ القضاء عليهم ضروريًا. أما الآن، فالكل يعلم أنَّ معظم الذين تُرسَل القوات المسلحة ضدهم هم أناسٌ ودعاء وكادحون، يريدون فقط الانتفاع من ثمار عملهم دون موانع. وبالتالي، فالاستخدام الرئيسي والدائم للقوات المسلحة، في وقتنا الراهن، لم يعد يكمن في دفاعٍ متخيَّلٍ ضد الكفار، أو أعداء الخارج عمومًا، ولا ضدَّ أعداء الداخل المتمردين المجرمين، بل يكمن في قتل الإخوة العزَّل غير المجرمين على الإطلاق، بل هم أناسٌ متواضعون وكادحون، يريديون فقط ألا يؤخذ منهم ما كسبوه بعرق جبينهم. وبالتالي، فالخدمة العسكرية في وقتنا الراهن، حيث تكمن مهمتها الرئيسية في التهديد بالقتل، وعن طريق القتل الإبقاء على البشر المستعبَدين ضمن الظروف الجائرة التي يعيشونها الآن – لم تعد عملاً غير فاضل فحسب، بل باتت عملاً شنيعًا. ولهذا لا بدَّ للضباط الذين يخدمون الآن أن يفكِّروا فيمن يخدمونه، وأن يتساءلوا ما إذا كان ما يفعلونه حسنًا أم سيئًا؟ أعلم أنَّ هناك الكثير من الضباط، وخاصةً في المناصب العليا، يحاولون عن طريق مختلف المبررات: الأرثوذكسية السلافية، الاستبداد، وحدة الدولة، حتمية الحرب الدائمة، ضرورة الاستقرار، بطلان الهذيانات الاشتراكية، الخ، أن يثبتوا لأنفسهم أنَّ علمهم عمل عقلاني ومفيد، وليس فيه أي شيء غير أخلاقي. وهم أنفسهم لا يصدِّقون ما يقولون في أعماقهم، وكلما كانوا أشدَّ ذكاءً وأكبر سنًا كلما قلَّ تصديقهم لذلك.

أذكر كيف أذهلني بفرح صديقي وزميلي، وهو شخص محب للرفعة كثيرًا، كرَّس كل حياته للخدمة العسكرية، وبلغ أعلى المناصب والاستحقاقات (جنرال – ياور، جنرال مدفعية)، عندما أخبرني بأنه أحرق كل ملاحظاته عن الحروب التي شارك فيها لأن وجهة نظره إلى العمل العسكري قد تغيَّرت، وبات يعتبر كل الحروب عملاً أحمقًا لا ينبغي التشجيع عليه عند ممارسته بل، على العكس، التشهير به.

الكثير من الضباط يفكرون على هذا المنوال مع أنهم لا يقولون هذا ما داموا في الخدمة. وفي الحقيقة، لا ينبغي لأي ضابط حصيف أن يفكِّر على نحو مغاير. إذ يكفي وحسب التفكير، بدءًا من أدنى المراتب إلى أقدمها وصولاً إلى قائد فيلق، في ماهية عمل الضباط جميعهم. منذ بداية خدمتهم حتى نهايتها – وأنا أتحدث عن ضباط الجبهة العاملين – يكمن عملهم، باستثناء الفترات القصيرة التي يذهبون فيها إلى الحرب ويمارسون القتل، في بلوغ هدفين: تعليم الجنود إتقان قتل البشر بأفضل السبل، وتعليم الخضوع الذي بموجبه ينفِّذون كل ما تأمرهم به القيادة بشكل آلي ودون نقاش.

قيل في القِدَم: «اجلد اثنين تعلِّم واحدًا»، وهكذا كانوا يفعلون. ورغم أنَّ نسبة الذين يتم إخضاعهم أقل الآن لكنَّ المبدأ هو ذاته. لا يمكن إيصال البشر إلى الحالة، ليست الحيوانية بل الآلية، التي يفعلون بموجبها أكثر الأعمال مناقضةً لطبيعة الإنسان ولعقيدتهم الدينية، وبالتحديد القتل تبعًا لأوامر أي رئيس كان، من دون أي يُمارَس بحقِّ هؤلاء الناس، بالإضافة إلى الأكاذيب الماكرة، أقسى أشكال العنف، وهو ما يُصنَع.

منذ مدة قريبة، في وسائل الإعلام الفرنسية، أثار ضجة إثبات الصحفيين للآلام المبرحة التي يتعرَّض لها الجنود في كتائب التأديب على جزيرة أوليرون، التي تبعد ست ساعات عن باريس. حيث يتم تقييد أيدي الجنود إلى أرجلهم من الخلف وإلقائهم على الأرض، ثم توضع صواميل في إبهام اليد المقيدة من الخلف، وتُشدُّ بحيث تسبب أية حركة ألمًا هائلاً، أو يُعلَّقون رأسًا على عقب، وهلمّ جرّا.

عندما نرى الوحوش المدرَّبة تنفِّذ حركات مناقضة لطبائعها: كلاب تسير على قدميها الأماميتين، أو فيلة تدحرج البراميل، أو نمور تلعب مع سباع… الخ، نعلم أن هذا كله قد تمَّ بلوغه عبر عذابات الجوع والسوط والحديد المحمَّى. ونعلم الشيء ذاته عندما نرى أناسًا في بزَّات عسكرية مع أسلحتهم يتجمَّدون دون حركة، أو يقومون بالحركة نفسها معًا: يركضون، يقفزون، يطلقون النار، يصرخون… الخ، ويقومون عمومًا بتلك العروض والاستعراضات الجميلة التي يتفاخر ويزهو بها الأباطرة والملوك فيما بينهم. لا يمكن استئصال كل ما هو إنساني من الإنسان، وإيصاله إلى حالة الآلة، دون تعذيبه، وليس التعذيب البسيط بل أشد الأشكال دقة وقسوة، تعذيبه والكذب عليه في الآن ذاته. هذا هو كل ما تفعلونه: أنتم الضباط. ففيما عدا الحالات الاستثنائية التي تذهبون فيها إلى الحرب، تكمن خدمتكم كلها في هذا، من أعلى الرتب إلى أدناها.

يأتيكم، منقولاً من أقصى الأرض، فتى، وقد لُقِّن أنَّ اليمين، الكاذب، الذي يُحرِّمه الكتاب المقدَّس، والذي أدَّاه، يقيِّده دون رجعة، مثل ديكٍ موضوعٍ ضمن دائرة مرسومة على الأرض، يعتقد أنَّ الدائرة تقيِّده. يأتيكم باستسلامٍ مطلق، وبأمل بأنكم، أنتم الأكبر سنًا، أكثر ثقافةً وذكاءً منه، وبأنكم سوف تعلِّمونه كل ما هو جيِّد. وأنتم، بدلاً من تحريره من الخرافات التي جلبها معه، تغرسون فيه خرافات جديدة هي الأكثر سخفًا وقسوةً وضررًا، عن قدسية العَلَم، وعن القيمة الإلهية تقريبًا للقيصر، وعن وجوب طاعة القيادة في كل شيء طاعةً عمياء. وعندما توصلونه، عن طريق أساليب تخدير الناس المبتكرة في عملكم، إلى حالٍ أدنى من حال الحيوان، تلك التي يكون فيها مستعدًا لقتل كل من يُؤمَر بقتله، بما فيهم إخوانه العزَّل، فإنكم تأخذونه إلى القيادة باعتزاز، وتتلقَّون على ذلك الشكر والمكافآت.

أن يصبح المرء ذاته قاتلاً لهو أمر مرعب لكنَّ إيصال إخوته الذين يثقون به إلى أن يصبح قاتلاً بأساليب خبيثة وعنيفة، لهي الجريمة الأشدُّ هولاً. وإنكم ترتكبونها، وفي هذا تكمن خدمتكم كلها. لذا، ليس غريبًا أن يزدهر في أوساطكم، أكثر من أي وسط آخر، كل ما يُميت الضمير: التدخين، لعب الورق، السُّكْر، الفحشاء، وحالات انتحار أكثر من أي مكان آخر.

«… لا بدَّ أن تأتي العثرات [إلى العالم]، لكن ويلٌ لذلك الإنسان التي تأتي به العثرات».

غالباً ما تقولون إنكم تؤدُّون الخدمة لأنه، إذا لم تفعلوا، فسوف ينهار النظام القائم، وتحدث الفتن وشتى أنواع الكوارث. ولكن، أولاً، ليس صحيحًا أنكم معنيون بالنظام القائم بل أنتم معنيون بمصالحكم فقط. ثانيًا، حتى لو أنَّ امتناعكم عن أداء الخدمة العسكرية سوف يؤدِّي إلى انهيار النظام القائم فهذا لا يبرهن مطلقًا على وجوب استمراركم بالقيام بعمل سيئ، بل يبرهن على أنَّ النظام الذي قد ينهار بسبب امتناعكم يجب أن يُباد. فلو كانت هناك أفضل المؤسسات: المستشفيات، المدارس، دور العجزة، والتي تعتاش على إيرادات بيوت الدعارة، فكل النفع الذي تجلبه مؤسسات الإحسان هذه لن يكون قادرًا أبدًا على الإبقاء على وضع المرأة التي ترجو التخلُّص من مهنتها المشينة. إذ سوف تقول المرأة: «لا ذنب لي في كونكم أنشأتم مؤسساتكم هذه على الفحشاء. لا أريد أن أبقى عاهرة، ولا تعنيني مؤسساتكم». وهو ما يجب أن يقوله كل عسكري إذا ما قيل له عن ضرورة الحفاظ على النظام القائم، القائم على استعداده للقتل. يجب على العسكري أن يقول: «أقيموا نظامًا عامًا بطريقة، بحيث لا يحتاج إلى القتل ولن أخرقه. فقط لا أريد أن أكون قاتلاً».

وأيضًا يقول كثيرون منكم: «لقد تمَّت تربيتي على هذا النحو. إنني مقيَّد إلى وضعي، وأعجز عن الخروج منه». ولكن حتى هذا غير صحيح. يمكنكم دائمًا الخروج من وضعكم، وإذا كنتم لا تخروجون منه ففقط لأنكم تُفضِّلون أن تعيشوا وتتصرَّفوا بما يناقض وجدانكم على أن تُحرَموا من بعض المنافع الدنيوية التي تقدِّمها لكم خدمتكم الشائنة. فقط انسَ أنك ضابط، وتذكَّر أنَّك إنسان، والمخرج من وضعك سوف يُفتح لك فورًا الآن. وهذا المخرج، الأفضل والأشرف، يكمن في أن تجمع الوحدة التي تقودها، فتقف أمامها وتطلب العفو من الجنود على كل الشرور التي فعلتها بهم، كاذبًا عليهم، والكفَّ عن أن تكون عسكريًا. هذا التصرُّف يبدو جريئًا ويتطلَّب شجاعة كبيرة، غير أنَّ هذا التصرُّف يتطلب شجاعة أقلَّ بكثير من الذهاب إلى الحرب أو الدعوة إلى المبارزة بسبب إهانة الشرف العسكري، وهو ما أنت مستعد كعسكري القيام به، وإنك تفعل. لكنك، إذا لم تكن قادرًا على القيام بذلك، إذا فهمت إجرامية الخدمة العسكرية، يمكنك دائمًا تركها، وتُفضِّل عليها عملاً آخر، وإن كان إيراده أقل. أما إذا لم تكن قادرًا على القيام بذلك، فإنَّ حلَّ مسألة استمرارك في الخدمة أو عدم استمرارك فيها سوف يؤجَّل إلى أن تواجه حشدًا من الفلاحين أو العمَّال، ويُعطى لك الأمر بإطلاق النار عليهم، وهو سرعان ما سيحدث. وحينذاك، إذا ما بقي فيك أي شيء إنساني فسيتوجب عليك رفض الطاعة، وبنتيجة ذلك ترك الخدمة.

أعلم أنَّ هناك الكثير من الضباط الجهلة والمخدَّرين إلى درجة أنهم لا يرون ضرورة، لا هذا المخرج ولا ذاك ولا مخرج ثالث، ويواصلون الخدمة بهدوء، وهم مستعدون في ظلِّ الظروف الراهنة لإطلاق النار على إخوانهم، وحتى يفتخرون بذلك. لكن – لحسن الحظ – الرأي العام يدين هؤلاء الناس أكثر فأكثر، وعددهم يغدو أقل فأقل. وهكذا، في وقتنا الراهن، حيث أصبحت مهمة الجيوش المتمثِّلة في قتل الأخوة جلية للعيان، لم يعد يجوز للضباط ليس فقط مواصلة التقاليد القديمة في التظاهر بالشجاعة القتالية المغترَّة بنفسها، بل لم يعد جائزًا، دون إدراك ذلِّهم وشَينهم الإنساني، مواصلة العمل الإجرامي في تعليم بسطاء الناس، الذين يثقون بهم، القتل، وأن يستعدوا بأنفسهم للمشاركة في قتل السكَّان العزَّل.

هذا ما يجب أن يدركه ويتذكَّره كل ضابط ذي فكر وضمير من ضباط زماننا.

غاسبرا

7 كانون الأول 1901

ترجمة: هڤال يوسف

Written by حليمْ

4 أبريل 2013 at 10:32 م

- المثقفون والسلطة: حوار بين ميشيل فوكو و جيل دولوز.

with one comment


- 0 -

- 1 -

فوكو: قال لي أحد المأويين, افهم جيدا لماذا سارتر يناضل معنا، ولماذا يمارس السياسة وبأي معنى واتجاه يقوم بذلك، وأنت إلى حد ما، افهم ذلك قليلاً لأنك طرحت دائما مشكلة الحجز. ولكني يا دولوز لا افهم ذلك. حقيقة, هذا السؤال فاجأني كثيرا، لان الأمر بالنسبة لي جداً واضح.

دولوز: لأنه ربما بدأنا نعيش بطريقة جديدة علاقات النظرية والممارسة. كنا مرة نعتقد أو نرى وندرك الممارسة بوصفها تطبيق للنظرية، بوصفها نتيجة، ومرة على العكس كمقدمة للنظرية، أو بوصفها هي ذاتها مبدعة لشكل من النظرية القادمة. كنا، بشكل عام ندرك علاقتهما في شكل من العملية الكلية أو من الصيرورة الشاملة، بمعنى أو بآخر. ربما بالنسبة لنا، فان المسالة أصبحت مطروحة بشكل مغاير. علاقات النظرية ـ الممارسة هي علاقات مجزأة ومقسمة اكثر. من جهة، إن النظرية هي دائما نظرية محلية، متعلقة بميدان محدد، ويمكن أن يكون لها تطبيق في ميدان آخر، بعيدا نسبيا. العلاقة مع التطبيق ليست أبدا علاقة تشابه. ومن جهة أخرى، فانه ما تباشر عملها في ميدانها الخاص، فإنها تواجه مجموعة من العقبات، من الجدران، من الصدمات التي تجعل من الضروري أن يتم رفعها بنوع ونمط آخر من الخطاب “هذا النوع الآخر هو الذي يؤدي بالفعل إلى ميدان مغاير أو مختلف”. الممارسة مجموعة من البدائل أو التنأوبات(3) لمسالة نظرية أو أخرى، والنظرية هي كذلك نوع من التنأوب بين ممارسة وممارسة أخرى. لا يمكن لأية نظرية أن تتطور أو تنمو من دون أن تواجه أو تقابل نوعا من الجدار أو العقبة، وعلى الممارسة خرق أو شق الجدار أو تجأوز العقبة. مثلا، أنت بدأت بتحليلات نظرية للعزل، كالعزل النفسي في القرن التاسع عشر في المجتمع الرأسمالي. ثم توصلت إلى ضرورة أن الأشخاص المعزولين عليهم أن يتحدثوا بأنفسهم، أن يعملوا منأوبة أو يقوموا بمنأوبة ” أو بالعكس أنت الذي كنت منأوبا لهم” وهؤلاء الأشخاص يوجدون في السجن، انهم في السجن. وعندما نظمت فريق الاستعلامات عن السجون(4)، كان يقوم على قاعدة، وهي إقامة الشروط أو الظروف التي تمكن السجناء أنفسهم من التحدث عن أنفسهم. وسيكون من الخطأ، كما يريد أن يقول المأوي، بانك انتقلت إلى الممارسة لتطبق نظرياتك. ليس هنالك لا تطبيق ولا مشروع إصلاح ولا بحث بالمعنى التقليدي. هنالك شيء مغاير تماما أو كلية: هنالك نظام من التنأويات في أجزاء وأقسام متعددة من النظرية والممارسة على السواء. بالنسبة لنا، لقد كف المنظر، أن يكون موضوعا أو وعيا ممثلا أو تمثيليا. والذين يناضلون ويتحركون ويمارسون أو يعملون لم يعودوا ممثلين، لان الحزب والنقابة هي التي تدعي بدورها أنها تمثل وعيهم. من يتحدث أو يتكلم ومن يفعل أو يتحرك ومن يعمل ؟ انه دائما تعدد وكثرة، حتى داخل الشخص الذي يتحدث أو يفعل. نحن كلنا أفواج أو فرق التدخل أو فرق التصادم والصدام. ليس هنالك تمثيل، ليس هنالك إلا الفعل، إلا فعل النظرية، فعل الممارسة في علاقات من التنأويات أو الشبكات.

فوكو: يبدو لي أن تأسيس المثقف كان تقليديا يبدأ من شيئين: وضعيته أو موقعه في المجتمع البورجوازي، في نظام الإنتاج الرأسمالي، في الأيديولوجية التي ينتجها أو يفرضها “أن يكون مستغلا، بائسا، مرفوضا، ملعونا، متهم بالبلبلة ، باللاخلاقية ..الخ” وخطابه الذي يفصح عن بعض الحقائق ويكتشف علاقات سياسية غير مدركة. هذان الشكلان من التسييس ليسا غريبين الواحد عن الآخر، ولكن لا يلتقيان بالقوة. لقد كان هنالك نوع من المثقف”الملعون أو المرفوض” ونوع من المثقف “الاشتراكي”. هذان الشكلان يتداخلان ويختلطان بسهولة ويسر في بعض الأوقات والفترات والحالات من ردود الفعل العنيفة من قبل السلطة، مثل ما حدث بعد سنة 1848 و بعد كومونة باريس و بعد 1940: حيث اصبح المثقف مرفوضا ومضطهدا في الوقت الذي ظهرت فيه “الأشياء” في “حقيقتها”في اللحظة أو في الوقت الذي لا يجب فيه القول، إن الملك كان عاريا. المثقف كان يقول الحقيقة للذين لم يكونوا يرونها وباسم الذين لا يستطيعون قولها انه: الوعي والفصاحة.والحال فان ما اكتشفه المثقفون منذ الحالة الجديدة (5)، أو منذ فترة، هو أن الجماهير لم تعد في حاجة إليهم، لتعرف، لان الجماهير تعرف تماما، و بوضوح، وحتى افضل منهم، وتقول ذلك بقوة. ولكنه يوجد نظام من السلطة يعيق ويمنع ويعرقل هذا الخطاب وهذه المعرفة. سلطة ليست فقط في الهيئات العليا للرقابة ولكنه في شبكة المجتمع بشكل عميق وحاذق ودقيق.و المثقفون أنفسهم يشكلون جزءا من نظام هذه السلطة. و دور المثقف ليس أن يتموقع “هناك إلى الأمام قليلا أو إلى الجانب شيئا ما” من اجل أن يقول الحقيقة الخرساء، عليه بالأحرى أن يصارع ويناضل ضد أشكال السلطة حيث يكون، في نفس الوقت، موضوعا وأداة: في نظام “المعرفة” و “الحقيقة ” في “الوعي” و في “الخطاب” . بهذا المعنى فان النظرية لا تعبر عن شيء، ولا تترجم شيئا، ولا تمارس تطبيقا معينا، إنها ممارسة. ولكنها ممارسة محلية وجهوية، وكما تقول: ليست كلية . الصراع أو النضال ضد السلطة، النضال من اجل إظهارها، هنالك حيث لا ترى و حيث تكون اكثر مكرا ودهاء. صراع ليس من اجل “استرجاع الوعي “ـ “فمنذ زمن بعيد أو فترة بعيدة لم يعد الوعي بوصفه معرفة مكتسبة من قبل الجماهير وبوصفه موضوعا، من اهتمام البورجوازية”ـ من اجل إسقاط واخذ السلطة، مع، جميع الذين يصارعون من اجلها وليس بمسافة أو عن قرب من اجل توضيحها “النظرية “هي النظام المحلي أو الجهوي لهذا الصراع.

دولوز: هذه هي النظرية بالتدقيق، إنها مثل علبة الأدوات. لا علاقة لها بالدال . يجب أن تستعمل وتوظف، وليست لذاتها. وإذا لم يستعملها أحد ابتداء من المنظر نفسه، الذي لا يصبح بعد ذلك منظرا، أو الذي يتوقف عن أن يكون منظرا، فانه لا قيمة لها أو أن الوقت لم يحن بعد لتوظيفها. نحن لا نعود أو نرجع إلى نظرية، وإنما نقيم نظريات أخرى، لدينا نظريات أخرى سنقيمها أو اننا سنصنع نظريات أخرى. انه لمن الغريب ان يكون كاتبا، مثل بر وست(6)، والذي يظهر كمثقف خالص، هو الذي يقول بوضوح تام: تعاملوا مع كتبي مثل النظرات المصوبة إلى الخارج فإذا لم تساعدكم استعملوا نظرات اخرى، عليكم أن تجدوا بأنفسكم أجهزتكم والتي هي بالقوة أجهزة معركة. النظرية لاتعمم و انما تتعدد و لقد تعددت. إن السلطة هي التي تجري تعميمات، و أنت تقول بالضبط وتدقيقا: النظرية بالضرورة ضد السلطة.[ وما أن تشرع النظرية في العمل في مجال من المجالات إلا وتعمل على التغيير و تكون هنالك حاجة إلى مجال آخر لتغييره.]من اجل هذا، فان مفهوم الإصلاح هو مفهوم غبي وخبيث. فهو اما، قد اعد من قبل أشخاص يزعمون انهم ممثلون، ويقومون بمهنة التحدث والكلام للآخرين، باسم الآخرين، وهذه مهمة السلطة أو من تدابير السلطة، وهو نوع من توزيع السلطة الذي يسند و يدعم و يقوى بقمع واسع. أو انه إصلاح مطلوب، وعند ذلك لم يعد اصلاحا، و انما حركة ثورية و التي هي في عمقها ذات طبيعة مؤقتة، ومصرة على إعادة النظر في السلطة في كليتها ومراتبيتها. ومن البديهي انه في السجون فان اقل وابسط مطلب للسجناء يكفي لاسقاط وانهيار” اصلاح بلوفان الكاذب” (7). واذا توصل الاطفال الصغار، إلى توصيل وتبليغ مطالبهم أو اسماع احتجاجاتهم في الحضانات بل وحتى اسئلتهم، فان ذلك يكفي لاحداث انفجار في كل منظومة التعليم. في الحقيقة فان هذا النظام الذي نعيش فيه، لايستطيع ان يحتمل أي شيء. من هنا هشاشته الجذرية، في كل نقطة ومستوى، وفي نفس الوقت، يوضح ويبين قمعه الشامل. في نظري، لقد كنت أول من علمنا شيئا اساسيا، في كتبك وفي مجال الممارسة انه: دناءة التحدث من اجل الآخرين. اننا نسخر من التمثيل، اننا نقول ان التمثيل قد انتهى، ولكننا لانستنتج من هذه المحادثة “النظرية” بان النظرية تفرض على الاشخاص المعنيين بان يتحدثوا عمليا، على حسابهم.

فوكو: وعندما بدأ السجناء يتحدثون كانوا يملكون نظرية حول السجن وحول العقوبة وحول القضاء أو العدالة. هذا النوع من الخطاب المناهض للسلطة، هذا الخطاب المضاد الذي يحمله السجناء، أو الذين نسميهم بالمنحرفين، هو ما يهم أو ما يدخل في الحسبان، وليس النظرية حول الجنوح. مشكلة السجن هذه مشكلة محلية وهامشية، لأنه لا يسجن في فرنسا اكثر من مائة آلف” 100.000” شخص في السنة. إلا أن هذا المشكل الهامشي يزعزع الناس. لقد فوجئت بالعدد الكبير الذي يهتم بمشكلة السجن والذين لم يكونوا في السجن. وفوجئت بإعداد الناس التي لم تكن معنية بالاستماع إلى خطاب حول السجن وكيف انهم يسمعونه في النهاية وكيف يشرحونه؟ اليس، بشكل عام، نظام العقوبات هو الشكل حيث السلطة كسلطة تظهر، بصورة جلية و واضحة؟ وضع شخص في السجن، الاحتفاظ به في السجن، منعه من الاكل، من التدفئة، منعه من الخروج ومن ممارسة الجنس …الخ هنا بالتاكيد يظهر الطابع الاكثر هذيانا للسلطة الذي يمكن تصوره. كنت أتحدث يوما مع امرأة كانت في السجن وكانت تقول لي : “عندما أفكر أنا صاحبة الأربعين سنة ” كنت معاقبة يوميا بالخبز الحافي الجاف”ما يثير في هذه الحادثة أو القصة ليس فقط سخف ممارسة السلطة، ولكن الوقاحة التي بها تمارس، وفي شكلها الأكثر عتاقة وسخفا وصبيانية. اختصار شخص أو إحالته أو رده وتحويله إلى مجرد الخبز والماء أو الآكل والشرب، وعلى أية حال فانهم يعلموننا هذا ونحن صغار. السجن هو المكان والوسط الوحيد الذي تظهر فيه السلطة في شكلها العاري. في بعدها الأكثر تجاوزا، وتبرر نفسها بوصفها سلطة أخلاقية.” لي الحق في العقوبة بما أنكم تعرفون انه شنيع وممنوع أن تسرق أو أن تقتل …”. هذا ما هو رائع في السجون، لأنه للمرة الأولى السلطة لا تتخفى ولا تتستر ولا تتقنع وانما تظهر بوصفها طغيان شاملا و منتشرا في أدق التفاصيل، طغيانا وقحا، في نفس الوقت، وخاصة انه “مبرر” تماما، مادام يستطيع أن يتشكل داخل اخلاق تؤطر عمله وممارسته. طغيانه البهيمي يظهر بوصفه هيمنة هادئة للخير على الشر والنظام على الفوضى.

دولوز: والعكس صحيح أيضا. ليس فقط السجناء هم وحدهم الذين يعاملون كالأطفال، ولكن الأطفال كذلك يعاملون كالسجناء. الأطفال يخضعون لطفولة ليست لهم. بهذا المعنى فان المدارس شبيهة بالسجون، والمصانع شبيهة اكثر بالسجون. يكفي ان ترى الدخول إلى مصانع “رينو”. أو في أماكن أخرى. ثلاث رخصات لقضاء الحاجة في اليوم. لقد وجدت نصا ” لـجيرمي بنتام”(8) في القرن الثامن عشر والذي يقترح فيه إصلاحا للسجون: وباسم هذا الاصطلاح الأعلى، اقام نظاما دائريا، وقد اصبح هذا السجن المجدد نموذجا، بحيث مررناه، بشكل غير محسوس، إلى المدرسة وإلى الورشة، ومن الورشة إلى السجن وبالعكس. هذا هو جوهر الاصلاحية، والتصوير المصلح. بالعكس عندما بدأ الناس في الحديث والفعل أو الحركة باسمهم، انهم لا يعارضون تمثيلا مقلوبا أو معاكسا لتمثيل آخر، انهم لا يعارضون تمثيلا في مقابل التمثيل الخاطئ للسلطة. على سبيل المثال، أنى أتتذكر انك كنت تقول انه ليس هنالك عدالة شعبية ضد العدالة ، إنها تدور أو تحدث أو تجرى على مستوى آخر.

فوكو: اعتقد انه نتيجة للكره، كان للشعب العدالة والقضاة والمحكمة والسجون ، لا يجب ان تكون لدينا فقط فكرة اخرى عن عدالة افضل، أواكثر عدالة، ولكن يجب ان يكون لنا، أولا وقبل كل شيء، ادراك النقطة الخاصة حيث السلطة تمارس في علاقة وارتباط مع الشعب. الصراع ضد العدالة هو صراع ضد السلطة، ولا اعتقد انه صراع ضد الظلم أو اللاعدل، أو ضد ظلم العدالة، أو من اجل السير الحسن للعدالة. انه لمدعاة إلى الانتباه بانه وفي كل مرة تكون فيه مظاهرات وتمرد وعصيان،تكون المؤسسة القضائية هي المستهدفة، في نفس الوقت وبنفس المستوى مع المؤسسة الضريبية، ثم الجيش وباقي اشكال السلطة. فرضيتي، ولكن ليست اكثر من فرضية ، وهي ان المحاكم الشعبية ، على سبيل المثال في وقت الثورة، كانت وسيلة للبورجوازية الصغيرة المتحالفة مع الجماهير للاستعادة والالتحاق بالحركة المناضلة المصارعة ضد السلطة. ولكي تستعيد وتلتحق اقترحت هذا النظام من المحاكم التي تستعيد وتسترجع أو تستند بالاحرى إلى هذه العدالة التي يمكن ان تكون عادلة و إلى هذا القاضي الذي يمكن ان يصدر حكما عادلا. ان شكل المحكمة ذاته ينتمي إلى ايديولوجية العدالة التي هي ايديولوجية البورجوازية.

دولوز: اذا اخذنا بعين الاعتبار الوضع الحال، فان السلطة لها رؤية شاملة وكلية. اريد ان اقول ان جميع اشكال القمع الحالية، المتعددة، يتم تعميمها بسهولة من وجهة نظر السلطة: القمع العنصري ضد المهاجرين، القمع في المصانع، القمع في التعليم، القمع ضد الشباب بشكل عام. لا يجب البحث فقط عن وحدة هذه الاشكال في رد الفعل لاحداث مايو 68 ، ولكن في استعداد وتنظيم مدبر لمستقبلنا القريب. الراسمالية الفرنسية في حاجة كبيرة إلى “احتياط” في البطالة، لتتخلي عن القناع الليبرالي و الابوي للعمل الكلي أو العمل للجميع. من وجهة النظر هذه تجد وحدتها، في : التقليل من الهجرة، عندما يقال ان نوكل للمهاجرين الاعمال الصعبة والمشينة ـ القمع في المصانع مادام الامر يقتضي اعادة اعطاء للفرنسيين”ذوق” للعمل يكون صعبا اكثر فاكثر ـ النضال ضد الشباب والقمع في التعليم، لان القمع البوليسي هو، وفي اكثر من وقت مضى، قمع ناشط، و لان حاجتنا قليلة للشباب على مستوى سوق العمل. كل انواع الحرف ستصبح تؤدي وظائف بوليسية محددة اكثر فاكثر : اساتذة، محللون نفسانيون، مربون بجميع اشكالهم، الخ. هنالك شيء اعلنت عليه منذ مدة طويلة، وهي عدم قدرتنا على اعادة الانتاج: تقوية أو تعزيز جميع بنيات العزل.اذن ، في مواجهة هذه السياسة الشاملة والعامة للسلطة، نقوم بمقأومات محلية، بنار مضادة ، بدفاعات فاعلة، وفي بعض الاحيان بمقأومات وقائية. اننا لا نعمم ما لا يعمم الا من جانب السلطة. اننا لا نستطيع ان نعمم من جهتنا من جانبنا اذا رممنا اشكال التمثيل المركزي و المراتبي. في المقابل، ما يجب علينا ان نقوم به، هو ان نصل إلى اقامة روابط جانبية ، نظام كامل من الشبكات، قواعد شعبية أو جماهيرية. وهذا ما هو صعب. وعلى اية حال، فان الواقع بالنسبة لنا لا يمر اطلاقا عبر السياسة بالمعنى التقليدي للكفاءة وتوزيع السلطة، وللهيئات التي تسمى هيئات تمثيلية، في البلديات والنقابات. الواقع هو ما يحدث فعليا اليوم في المصانع والمدارس وفي الثكنات والسجون ومراكز الشرطة. انه لجيد ان تتضمن أو ان تحمل الحركة نوعا من المعلومات المغايرة لمعلومات الصحف “ مثل نوع المعلومات التي تقدمها وكالة انباء التحرير”.

فوكو: هذه الصعوبة، وحيرتنا في ايجاد الاشكال المطابقة للنضال، الا تعود ايضا إلى ما نجهله كذلك عن ماهية السلطة ؟ فقبل كل شيء كان يجب انتظار القرن التاسع عشر لنعرف ما هو الاستغلال، ولكن من الممكن اننا لانعرف بعد ما هي السلطة. وماركس وفرويد ربما لا يكفيان لمساعدتنا على معرفة هذا الشيء الغامض جدا، هذا الشيء المريء وغير المريء في نفس الوقت، الحاضر والمستتر، المستثمر في جميع المجالات، والذي نسميه السلطة. نظرية الدولة ، والتحليل التقليدي لاجهزة الدولة لا تستوفي من دون شك مجال ممارسة ووظيفة السلطة. انها المجهول الاكبر في الوقت الحاضر: من يمارس السلطة ؟ واين يمارسها ؟ حاليا، نعرف تقريبا من يستغل، واين يذهب الربح، ومن يتصرف فيه، ويعيد استثماره، … اما السلطة فاننا نعرف بان الحكام ليسوا هم الذين يملكونها. ولكن مفهوم “ الطبقة الحاكمة “ ليست لا واضحة ولا مشكلة ومبنية جيدا. “الهيمنة”، “القيادة”، “الحكم ” ، “فريق الحكم” ، “جهاز الدولة”..الخ، هنالك لعبة من المفاهيم التي تتطلب التحليل. وفي نفس الوقت و بنفس المعنى ، يجب معرفة إلى أي حد تمارس السلطة، باي منأوبة، وإلى اية هيئة، تكون في الغالب ذات مراتبية طفيفة، ومفتشة ومراقبة ومانعة وضاغطة ومرغمة. ففي أي مكان تكون فيه السلطة، السلطة تمارس. لم يتحدث عنها احد ولم يكن حاملها، بالرغم من انها تمارس دائما في اتجاه ما، مع البعض في جانب ومع البعض في اتجاه آخر. لا نعرف من يملكها بالضبط، ولكننا نعرف من لا يملكها. انه بقراءة كتبك “ منذ “نيتشه ” إلى ما أتوقعه واستشعره من “الرأسمالية والفصام Capitalisme et Schizophrénie” “(9) كانت ذات اهمية خاصة بالنسبة لي ، لانه بدا لي انك قد ذهبت بعيدا في طرح هذا المشكل: تحت هذا الموضوع القديم للمعنى والدال والمدلول، الخ و أخيراً مسالة السلطة، ولا تساوي السلطة، وصراعها. كل مقاومة تتطور أو تنمو حول مركز خاص في السلطة. “ من هذه المراكز الصغيرة التي لا تحصى حارس عمارة، مدير سجن، قاضي، مسؤول نقابي، محرر جريدة”. وبتعيين وتحديد المراكز، ورفض الابلاغ عنها والتحدث عنها في الاماكن العمومية، انها مقأومة، لانه ليس هنالك احد على وعي بها بعد، ولكن لان اخذ الكلمة حول الموضوع أو التحدث عن الموضوع، و إرغام الشبكة الإعلامية المؤسساتية، على التسمية، على قول الفعل، على التصريح بالذي قام بالفعل، وماذا فعل، وتعيين الهدف، هو العودة الأولى للسلطة، و الخطوة الأولى لمقاومات أو نضالات أخرى ضد السلطة. إن خطابات مثل تلك الخطابات الخاصة بالمعتقلين أو أطباء السجون، على سبيل المثال، إنها مقاومات و نضالات، لأنها تحجز ولو للحظة سلطة الحديث عن السجن، و لأنها محتكرة فقط من الإدارة ومعاونوها ومساعدوها الاصلاحيون. خطاب المقاومة لا يتعارض مع اللاوعي أو اللاشعور، انه يتعارض مع السري والخفي. هنا يمكن ان تكون اكثر بقليل ولكنها قد تكون اكثر بكثير؟ هنالك سلسلة كاملة من الملابسات فيما يتعلق بـ “الخفي” أو “السري” و”المكبوت” و “ غير المقال” الذي يسمح “ بتحليل نفسي” بسعر هابط أو بقيمة هابطة عما سيكون موضوع المقاومة. من الممكن ان يكون السري اصعب على الكشف من اللاشعور. أن الموضوعين اللذين نلتقي بهما كذلك باستمرار في الماضي : “الكتابة، هي المكبوت” و “ والكتابة لها الحق الكامل في التدمير” يبدو لي انهما تخونان عددا من العمليات التي يجب رفضها بشدة.

دولوز: بالنسبة لهذه المشكلة التي تطرحها : فإننا نرى تماما من يستغل من، ومن يربح، ومن يحكم، لكن السلطة مازالت هذا الشيء الأكثر انتشارا ـ إني اقدم الفرضية التالية: حتى الماركسية أو وخاصة الماركسية أو بالأحرى حتى الماركسية قد حددت المشكلة بمفاهيم المصلحة “السلطة تحكمها طبقة مهيمنة تحدد بمصالحها”. ولكن فجأة نصطدم بهذا السؤال: كيف يحدث وان أناسا ليس لهم مصلحة يتبعون ويرتبطون بشدة بالسلطة، ويستجدون قطعة منها ؟ ربما يكون مفهوم الاستثمار بمعناه الاقتصادي واللاشعوري، أما الربح فليست هي الكلمة الاخيرة، لان هنالك استثمارات الرغبة الذي يشرح أو يفسر أننا نستطيع تلبية رغبتنا، من دون أن نكون ضد مصالحنا، لان المصلحة تتبع دائما الرغبة … يجب القبول بصرخة “رايش Reich “(10) : لا، أن الجماهير لم تخدع، لقد رغبت في الفاشية في لحظة ما؟ هنالك استثمارات الرغبة التي تنمط أو تنمذج السلطة وتنشرها، والتي تجعل من السلطة توجد على مستوى الشرطي والوزير ، وليس هنالك اختلاف مطلق في طبيعة السلطة التي يمارسها الشرطي والسلطة التي يمارسها الوزير. ان طبيعة استثمارات الرغبة على الجسد الاجتماعي هي التي تفسر لماذا هنالك أحزاب ونقابات، التي لها والتي كان يجب ان يكون لها استثمارات ثورية باسم مصالح الطبقة ، يمكن ان يكون لها استثمارات إصلاحية أو رجعية خالصة على مستوى الرغبة.

فوكو: كما تقول، العلاقات بين الرغبة والسلطة والمصلحة أو الربح اكثر تعقيدا مما نتصوره في العادة، ولكن ليس بالضرورة إن الذين يمارسون السلطة لهم مصلحة في ممارستها، وان الذين لا يمارسونها ليس لهم مصلحة فيها، والرغبة في السلطة تلعب بين السلطة والمصلحة لعبة ما تزال جد خاصة. يحدث أن الجماهير، في زمن الفاشية ترغب في أن أحداً يمارس السلطة، يمارس السلطة من دون أن يختلط معها رغم ذلك، مادامت السلطة تمارس عليهم حتى إفنائهم أو موتهم أو حتى التضحية بهم وحتى قتلهم تبقى مع ذلك راغبة في هذه السلطة، وترغب في أن تمارس عليها هذه السلطة. لعبة الرغبة والسلطة والمصلحة مازالت لم تعرف بعد. لقد كان يجب ان يكون هنالك وقت كبير لمعرفة ما هو الاستغلال. والرغبة كانت كذلك مسالة طويلة أو قضية طويلة. ومن الممكن ان يكون الآن النضالات القائمة، و كذلك هذه النظريات المحلية، والجهوية، والانفصالية التي هي في حالة التكون في هذه النضالات التي ترتبط بها بالرغبة، وستكون بداية لاكتشاف الطريقة التي تمارس بها السلطة.

دلوز: إذن سأعود إلى السؤال: الحركة الثورية الحالية لها مواقع متعددة، وليس هذا ضعف أو نقص، بما أن التعميم ينتمي اكثر إلى السلطة وإلى رد الفعل. على سبيل المثال الفيتنام، أنها رد فعل محلي رائع أو مقاومة محلية رائعة. ولكن كيف التعرف على الشبكات و الترابطات العرضية بين هذه النقاط الفاعلة المنفصلة، من بلد إلى آخر أو داخل بلد بعينه؟

فوكو: هذه الانفصالية الجغرافية التي تتحدث عنها تعني ربما هذا: في الوقت الذي نناضل فيه ضد الاستغلال، فان البروليتاريا، ليست هي التي تناضل فقط ولكن هي التي تحدد الأهداف والطرق والأماكن والوسائل، والتحالف مع البروليتاريا يعني الانضمام إلى مواقفها وإلى أيديولوجيتها واعتماد أسباب نضالها أو مبررات نضالها. أي الامتزاج بها والذوبان فيها. ولكن إذا ما كانت المعركة ضد السلطة، فان كل الذين تمارس عليهم السلطة بوصفها تجاوز وكل الذين يعترفون بها كشيء لا يطاق، يمكن أن يناضلوا حيث يوجدون وانطلاقا من نشاطهم “ أو عدم نشاطهم” الخاص. وان يعلنوا عن هذا النضال الذي هو نضالهم، والذي يعرفون تماما اهدافه، ويستطيعون تحديد طرقه، ويدخلون في الصيرورة الثورية. يدخلون بوصفهم بطبيعة الحال حلفاء البروليتاريا، بما ان السلطة التي تمارس كما تمارس أو بالطريقة التي تمارس بها، من اجل الحفاظ على الاستغلال الرأسمالي. إنها تخدم فعليا القضية الثورية البروليتارية عندما تناضل حيث يمارس القهر ضدهم. النساء والمساجين والجنود في الوحدات، والمرضى في المستشفيات، والمثليون ، كلهم قد باشروا في هذا الوقت أو المرحلة أو في هذه اللحظات نضالات خاصة ضد الشكل الخاص للسلطة كالإكراه، والرقابة التي تمارس ضدهم. مثل هذه النضالات في الوقت الحالي تشكل جزءا من الحركة الثورية، بشرط أن تكون راديكالية أو جذرية، ومن دون تسوية أو إصلاح ومن دون محأولة تغيير شكلي للسلطة. وهذه الحركات مرتبطة بالحركة الثورية للبروليتاريا ذاتها في حالة مقاومتها لمختلف أشكال الرقابة والإكراه التي تقوم بها السلطة. بمعنى أن شمولية وعمومية النضال و الصراع لا تكون بالتأكيد في هذا الشكل من الكلية والتعميم الذي تحدثت عنه قبل قليل، هذا التعميم النظري، في شكل “الحقيقة”. ما يجعل من النضال عاما وشاملا وكليا، هو نظام السلطة ذاته، كل أشكال ممارسة وتطبيق السلطة.

دلوز: وعندما لانستطيع ان نصل أو نحقق أو نلمس أي نقطة من التطبيق مهما كانت، من دون ان نكون في مواجهة هذا المجموع المنتشر، فاننا سنكون مجبرين بالاطاحة بالسلطة، انطلاقا من ابسط واصغر المطالب مهما كانت. وكل دفاع أو هجوم ثوري مؤقت ينضم بهذه الصفة إلى النضال العمالي.

ميشيل فوكو و جيل دلوز
في 4 مارس 1972.

Written by حليمْ

18 أكتوبر 2012 at 1:19 ص

- لماذا نحن ماركسيون؟

leave a comment »


- 0 -

ولد آلان وودز في سوانسي، ويلز، سنة 1944. وهو حاليا يعيش بلندن. سياسي وكاتب تروتسكي، وقائد للتيار الماركسي الأممي. حاصل على شهادة الدراسات العليا في فقه اللغة الروسية والسلافية من جامعات ساسكس (بريطانيا) وصوفيا (بلغاريا). ورئيس تحرير مجلة النداء الاشتراكي وموقع الدفاع عن الماركسية.

- 1 -

لقد مر عقدان من الزمن منذ أن نشر فرانسيس فوكوياما كتابا بعنوان “نهاية التاريخ والإنسان الأخير”، معلنا الانتصار النهائي لاقتصاد السوق والديمقراطية البرجوازية. بدا كما لو أن هذه الفكرة قد تأكدت بفعل ما يقرب من 20 سنة من ازدهار الأسواق وارتفاع النمو الاقتصادي دون انقطاع تقريبا. وصار السياسيون ومحافظو البنوك المركزية ومديرو وول ستريت على قناعة بأنهم قد تمكنوا أخيرا من القضاء على الأزمات الاقتصادية.

الآن، وبعد مرور عقدين على سقوط الاتحاد السوفييتي، لم يبق هناك حجر على حجر في صرح أوهام البورجوازية تلك. فالعالم يواجه أعمق أزمة منذ الثلاثينات. أمام هذا الوضع الكارثي على الصعيد العالمي أصيبت البرجوازية في أوربا والولايات المتحدة واليابان بحالة من الذعر. في سنوات الثلاثينات قال تروتسكي إن البرجوازية كانت “تنزلق إلى الكارثة بأعين مغلقة”. إن هذه الكلمات تنطبق تماما على الوضع الراهن، كما لو أنها كتبت بالأمس.

طيلة السنوات العشرين الماضية تفاخر الاقتصاديون البرجوازيون بأنه لن يكون هناك مزيد من دورات الازدهار والركود، وأنه تم إلغاء الدورة. ومن الحقائق المعروفة أن الاقتصاديين البرجوازيين لم يتمكنوا طيلة عقود من توقع أية دورة ازدهار أو دورة ركود. لقد فبركوا نظرية رائعة جديدة تسمى “فرضية كفاءة السوق”. في الواقع، ليس هناك أي شيء جديد في هذه النظرية. إنها تعود إلى الفكرة القديمة القائلة بأن : ” السوق إذا تركت لحالها سوف تتمكن من حل كل شيء. وسوف تحقق التوازن تلقائيا. وما دامت الحكومة لا تتدخل، فإنه عاجلا أم آجلا كل شيء سيكون على ما يرام “. وهو ما علق عليه جون ماينارد كينز قائلا:”، عاجلا أم آجلا سنكون جميعا في عداد الأموات”.

في العقد الأول من القرن 21، أصبح من الواضح بشكل متزايد أن الرأسمالية قد استنفدت كل إمكاناتها التقدمية. وبدلا من أن تطور الصناعة والعلوم والتكنولوجيا، تعمل على تقويضهم باطراد. فقوى الإنتاج راكدة، والمصانع تغلق كما لو أنها علب أعواد الثقاب، ويلقى بالملايين إلى البطالة. كل هذه الأعراض تدل على أن تطور القوى المنتجة على الصعيد العالمي قد تجاوز الحدود الضيقة للملكية الخاصة والدولة القومية.

هذا هو السبب الأساسي الجوهري للأزمة الحالية، والتي كشفت عن إفلاس الرأسمالية بالمعنى الحرفي للكلمة. وتوفر المحنة التي تعيشها ايرلندا واليونان تأكيدا واضحا للحالة المرضية للرأسمالية الأوروبية. وغدا ستنتشر العدوى إلى البرتغال واسبانيا. لكن بريطانيا وإيطاليا ليستا بعيدتان. وستتبعهما فرنسا وألمانيا والنمسا حتما على هذا المسار التنازلي.

يبذل الاقتصاديون والسياسيون البرجوازيون، وقبل كل شيء الإصلاحيون من كل نوع، قصارى جهدهم للبحث عن حل للخروج من هذه الأزمة. وهم يتطلعون إلى استعادة دورة الأعمال لنشاطها كوسيلة للخلاص. ويعتقد قادة الطبقة العاملة والقادة النقابيون والاشتراكيون الديمقراطيون أن هذه الأزمة شيء مؤقت. يتوهمون أنه يمكن حلها عن طريق إدخال بعض التعديلات على النظام القائم، وأن كل ما تحتاجه هو المزيد من الرقابة والتنظيم، وهكذا يمكن العودة إلى الأوضاع السابقة. لكن هذه الأزمة ليست أزمة عادية، كما أنها ليست مؤقتة. إنها تمثل نقطة تحول رئيسية في السيرورة، حيث وصلت الرأسمالية إلى نقطة الإفلاس التاريخية. أفضل ما يمكن توقعه هو حدوث انتعاش ضعيف، يرافقه ارتفاع معدلات البطالة وفترة طويلة من التقشف وخفض مستويات المعيشة.

أزمة الإيديولوجية البرجوازية

الماركسية في المقام الأول هي فلسفة ونظرة إلى العالم. إننا لا نجد في الكتابات الفلسفية لماركس وإنجلز نظاما فلسفيا مغلقا، بل سلسلة من الأفكار والمؤشرات الرائعة، والتي من شأنها، إذا ما تم تطويرها، أن توفر إضافة قيمة إلى الترسانة المنهجية للعلوم.

ليس هناك من مكان تظهر فيه أزمة أيديولوجية البرجوازية أكثر وضوحا مما هي عليه في عالم الفلسفة. في مراحلها الأولى عندما كانت البرجوازية تقدمية، كانت قادرة على إنتاج مفكرين كبار: هوبز ولوك، وكانط وهيغل. لكن في عهد احتضارها، لم تعد البرجوازية قادرة على إنتاج أفكار عظيمة. بل إنها، في الواقع، غير قادرة على إنتاج أي أفكار على الإطلاق.

بما أن البرجوازية الحديثة غير قادرة على إنتاج تعميمات جريئة، فإنها صارت تنفي مفهوم الإيديولوجية نفسه. هذا هو السبب الذي يجعل مفكري ما بعد الحداثة يتكلمون عن “نهاية الأيديولوجية”. إنهم ينكرون مفهوم التقدم ببساطة لأنه في ظل الرأسمالية لم يعد من الممكن تحقيق أي التقدم. كتب إنجلز ذات مرة قائلا : “بين الفلسفة ودراسة العالم الفعلي نفس العلاقة التي بين الاستمناء باليد والحب الجنسي”. إن الفلسفة البرجوازية الحديثة تفضل الأول على الأخير. وفي سياق صراعها ضد الماركسية أجبرت الفلسفة على العودة إلى أسوء فترة من ماضيها القديم، البالي والعقيم.

المادية الجدلية وجهة نظر دينامية لفهم طريقة عمل المجتمع، والطبيعة والفكر. إنها أبعد ما تكون عن فكرة بالية من القرن التاسع عشر، إنها نظرة للطبيعة والمجتمع حديثة بشكل باهر. إن الديالكتيك ينفي الطريقة الجامدة في النظر إلى الأشياء التي تميزت بها المدرسة الفيزيائية الكلاسيكية الميكانيكية القديمة. وتبين أنه في ظل ظروف معينة يمكن للأشياء أن تتحول إلى نقيضها.

لقد لاقى المفهوم الجدلي القائل بأنه يمكن لتراكم تدريجي لتغييرات صغيرة أن يتحول في لحظة حرجة إلى قفزة عملاقة، تأكيدا باهرا بفضل نظرية الفوضى الحديثة ومشتقاتها. لقد وضعت نظرية الفوضى حدا للحتمية الميكانيكية الاختزالية الضيقة التي هيمنت على العلوم لأكثر من مائة سنة. لقد عبر الديالكتيك الماركسي في القرن التاسع عشر عما تؤكده نظرية الفوضى رياضيا الآن: الترابط الداخلي بين الأشياء، الطبيعة العضوية للعلاقة بين الجزيئات.

تشكل دراسة التحولات المرحلية واحدة من أهم مجالات الفيزياء المعاصرة. وهناك عدد لا حصر له من الأمثلة على الظاهرة نفسها. التحول من الكم إلى النوع هو قانون عام. وقد أوضح مارك بوكانان في كتابه الوجود المطلق (Ubiquity) هذه الظواهر على أنها تغييرات متنوعة مثل النوبات القلبية والانهيارات الثلجية وحرائق الغابات، وازدياد ونقصان قطعان الحيوانات، وأزمات البورصة، والحروب، وحتى التغييرات في الموضة والمدارس الفنية. والمدهش أكثر هو أنه يمكن التعبير عن هذه الأحداث بصيغة رياضية معروفة باسم قانون القوة.

لقد سبق لماركس وإنجلز، اللذان وضعا فلسفة هيغل الجدلية على أسس علمية (أي مادية)، أن توقعا هذه الاكتشافات الهامة منذ فترة طويلة. في كتابه المنطق (1813) كتب هيغل : “لقد أصبح من المسلم به في التاريخ أن الآثار الكبيرة تنشأ عن أسباب صغيرة”. كان هذا قبل وقت طويل من ظهور “نظرية تأثير الفراشة”. إن الثورات هي، مثلها مثل الانفجارات البركانية والزلازل، تأتي نتيجة لتراكم بطيء للتناقضات على مدى فترة طويلة. تصل السيرورة في نهاية المطاف إلى نقطة حرجة تحدث خلالها طفرة مفاجئة.

المادية التاريخية

كل نظام اجتماعي يعتقد أنه يمثل النموذج الوحيد الممكن لوجود الجنس البشري، وأن مؤسساته، ودينه، وأخلاقه هي أسمى ما يمكن أن يوجد. هذا ما كان أكلة لحوم البشر، والكهنة المصريون، وماري انطوانيت والقيصر نيكولاس يعتقدونه بشدة. وهذا ما كان فرانسيس فوكوياما يرغب في إظهاره عندما أكد لنا، دون أي أساس، أن نظام ما يسمى بـ “المقاولة الحرة” هو النظام الوحيد الممكن- بالضبط عندما بدأ يغرق.

ومثلما شرح تشارلز داروين أن الأنواع ليست ثابتة، وأنها تمتلك ماض وحاضر ومستقبل، وأنها تتغير وتتطور، شرح ماركس وإنجلز أن كل نظام اجتماعي معين ليس شيئا ثابتا إلى الأبد. إن التشابه بين المجتمع والطبيعة هو، بطبيعة الحال، تقريبي فقط، لكن حتى أكثر الدراسات التاريخية سطحية تبين أن التفسير التدريجي للتاريخ ليس له أي أساس. إن المجتمع، مثله مثل الطبيعة، يعرف فترات طويلة من التحول البطيء والتدريجي، لكنه يشهد أيضا انقطاع الخط بفعل التطورات المتفجرة – الحروب والثورات، التي تتسارع خلالها عملية التغيير بشكل كبير. في الواقع هذه الأحداث هي التي تشكل القوة المحركة الرئيسية للتطور التاريخي.

السبب الجذري للتغيرات الثورية هو واقع أن نظاما اجتماعيا واقتصاديا قد وصل إلى حدوده القصوى وصار غير قادر على تطوير القوى المنتجة كما كان يفعل من قبل. تحلل الماركسية العوامل الرئيسية الخفية التي تكمن وراء تطور المجتمع البشري منذ المجتمعات القبلية حتى العصر الحديث. إن المفهوم المادي للتاريخ يمكننا من فهم التاريخ، ليس كسلسلة من الحوادث الغير مترابطة والغير متوقعة، وإنما كجزء من عملية مترابطة ومفهومة بشكل واضح. إنه سلسلة من الأفعال وردود الأفعال التي تشمل السياسة والاقتصاد ومجموعة كاملة من التطورات الاجتماعية.

إن العلاقة بين كل هذه الظواهر هي علاقة جدلية معقدة. كثيرا ما تبذل محاولات لتشويه الماركسية عن طريق اللجوء إلى وصف منهجها في التحليل التاريخي بصورة كاريكاتورية. والتشويه المعتاد هو القول بأن ماركس وإنجلز “اختزلا كل شيء إلى الاقتصاد”. لقد رد ماركس وإنجلز عدة مرات على هذه السخافة، كما هو واضح في المقتطف التالي من رسالة لإنجلز إلى بلوخ :

“وفقا للمفهوم المادي للتاريخ، يعتبر العنصر الحاسم في التاريخ هو، في نهاية المطاف، إنتاج وإعادة إنتاج الحياة. ولم نؤكد لا أنا ولا ماركس على أكثر من هذا. وبالتالي، فإذا ما قام شخص بتحويل هذا إلى القول بأن العنصر الاقتصادي هو العنصر المحدد الوحيد، فإنه يحول هذا الموقف إلى عبارة لا معنى لها ومجردة وفارغة”.

البيان الشيوعي

أكثر الكتب التي يمكن للمرء أن يقرأها اليوم راهنية هو البيان الشيوعي، الذي كتب سنة 1848. صحيح أنه من الممكن إدخال التغييرات على هذا التفصيل أو ذاك، لكن من حيث الجوهر ما تزال أفكار البيان الشيوعي راهنية وصحيحة مثلما كان عليه الحال عندما كتبت لأول مرة. وعلى النقيض من ذلك، فإن الغالبية الساحقة من المؤلفات التي كتبت منذ قرن ونصف من الزمان لم يعد لديها اليوم سوى أهمية تاريخية.

الشيء الأكثر لفتا للنظر في البيان هي الطريقة التي يتوقع بها أكثر الظواهر الأساسية التي تشغل اهتمامنا على الصعيد العالم في الوقت الحاضر. دعونا نتأمل مثالا واحدا: في الوقت الذي كان ماركس وإنجلز يكتبان فيه البيان، كان عالم الشركات المتعددة الجنسيات ما يزال لحنا من المستقبل البعيد جدا. لكنهما على الرغم من هذا، أوضحا كيف أن “التجارة الحرة” والمنافسة ستقودان حتما إلى تركز رأس المال واحتكار القوى المنتجة.

من المضحك قراءة البيانات التي أدلى بها المدافعون عن “السوق” بخصوص خطأ ماركس المزعوم بشأن هذه المسألة، بينما هي في واقع الأمر واحدة من أكثر توقعاته براعة ودقة. والحقيقة التي لا جدال فيها اليوم هي أن عملية تركز رأس المال التي توقعها ماركس قد حدثت وتحدث، بل في الواقع وصلت إلى مستويات لم يسبق لها مثيل في غضون السنوات العشر الماضية.

على مدى عقود طويلة حاول علماء الاجتماع البرجوازي دحض هذا التأكيد و”إثبات” أن المجتمع أصبح أكثر مساواة، وأن الصراع الطبقي، نتيجة لذلك، صار مسألة بالية مثل النول والمحراث الخشبي. قالوا إن الطبقة العاملة اختفت وإننا صرنا جميعا من الطبقة المتوسطة. أما بالنسبة لتركيز رأس المال، فإن المستقبل للشركات الصغيرة، و”كل صغير جميل”.

كم تبدو هذه المزاعم مضحكة اليوم! الاقتصاد العالمي بأسره يوجد تحث سيطرة ما لا يزيد عن 200 شركة عملاقة، أغلبها في الولايات المتحدة. وقد وصلت سيرورة الاحتكار أبعادا غير مسبوقة. في الربع الأول من عام 2006 بلغت عمليات الدمج والتملك في الولايات المتحدة عشرة مليارات دولار في اليوم. لكن هذا النشاط المحموم لا يعني تطويرا حقيقيا للقوى المنتجة، بل العكس. ووتيرة الاحتكار لا تقل بل تزداد. في 19، 20 نوفمبر2006 بلغت قيمة عمليات الدمج والتملك في الولايات المتحدة مستوى قياسيا بلغ 75 مليار دولار – في غضون 24 ساعة فقط! عمليات الاستيلاء [التي تقوم بها الشركات على بعضها البعض] هي نوع من أكل لحوم البشر يتبعها حتما نزع الأصول وإغلاق المصانع والتسريحات، أي أنه بواسطة هذا التدمير المتعمد لوسائل الإنتاج تتم التضحية بآلاف مناصب الشغل على مذبح الربح.

وفي الوقت نفسه هناك زيادة مستمرة في عدم المساواة. في جميع البلدان تسجل حصة الأرباح من الدخل القومي أعلى مستوى، في حين أن حصة الأجور هي عند مستوى منخفض بشكل قياسي. السر الحقيقي وراء النمو الحالي هو أن الرأسماليين يستخرجون كميات قياسية من فائض القيمة من الطبقة العاملة. ففي الولايات المتحدة الأمريكية ينتج العمال في المتوسط أكثر بنسبة الثلث مما كانوا ينتجون قبل عشر سنوات مضت، ورغم ذلك فإن الأجور الحقيقية جامدة أو أنها تنخفض بالأرقام الحقيقية. الأرباح تتصاعد والأثرياء يزدادون ثراء أكثر من أي وقت مضى على حساب الطبقة العاملة.

دعونا نأخذ مثالا آخر أكثر إثارة للانتباه : العولمة. إن الهيمنة الساحقة للسوق العالمية هي المظهر الأكثر أهمية في عصرنا، وهذا يفترض أن يكون اكتشافا حصل مؤخرا. في الواقع إن العولمة قد تم توقعها وشرحها من قبل ماركس وإنجلز منذ أكثر من 150 عاما مضت. لكن عندما كتب البيان، لم تكن هناك عمليا أية معطيات ملموسة لدعم هذه الفرضية. كان الاقتصاد الرأسمالي الوحيد المتقدم حقا هو الاقتصاد الانجليزي. كانت الصناعات الناشئة في فرنسا وألمانيا (التي لم تكن موجودة حتى ككيان متحد) ما زالت محمية وراء حواجز جمركية مرتفعة- الأمر الذي تنساه الحكومات الغربية والاقتصاديون البرجوازيون بسهولة اليوم، في الوقت الذي تقدم فيه المحاضرات لبقية العالم بشأن الحاجة إلى فتح اقتصاداتها.

نتائج عولمة “اقتصاد السوق” على الصعيد العالمي مرعبة. في عام 2000 كان أغنى 200 شخص في العالم يمتلكون ثروة تساوي ما يملكه 2 مليار من الأشخاص الأكثر فقرا. ووفقا لأرقام الأمم المتحدة، يعيش 1. 2 مليار شخص بأقل من دولارين في اليوم. ومن بين هؤلاء يموت ثمانية ملايين من الرجال والنساء والأطفال كل عام لأنهم لا يملكون ما يكفي من المال من أجل البقاء. يتفق الجميع على أن قتل ستة ملايين شخص في المحرقة النازية جريمة فظيعة ضد الإنسانية، لكن لدينا هنا هولوكوست صامت يقتل ثمانية ملايين من الأبرياء كل عام ولا أحد يقول أي شيء عن هذا الموضوع.

جنبا إلى جنب مع أبشع أشكال البؤس والمعاناة الإنسانية هناك فورة في الأرباح والثروات الفاحشة. هناك في العالم اليوم 945 مليارديرا يمتلكون ثروة إجمالية قدرها 3. 5 تريليون دولار. كثير منهم مواطنون أمريكيون. بيل غيتس يمتلك ثروة شخصية تقدر بنحو 56 مليار دولار، ولا يبتعد عنه وارين بوفيت كثيرا بثروة تبلغ 52 مليار دولار. وهم يتباهون الآن بالقول بأن هذه الثروات تمتد إلى “الدول الفقيرة”. من بين أكبر الأثرياء هناك 13 مواطن صيني، 14 مواطن هندي و19 مواطن روسي. ومن المفترض أن يكون هذا سببا للاحتفال!

الصراع الطبقي

تعلمنا المادية التاريخية أن الظروف المادية تحدد الوعي. والمشكلة هي أن الوعي ما يزال متخلفا عن تطور الشروط الموضوعية، والمنظمات الجماهيرية ما تزال متخلفة خلفهما، وفوق كل شيء ما تزال قيادة الطبقة العاملة متأخرة أبعد من ذلك. هذا هو التناقض الرئيسي في الفترة الحالية. يجب أن يحل هذا التناقض، وسوف يحل.

دائما ما يقدم المثاليون الوعي باعتباره القوة المحركة لكل التقدم البشري. لكن حتى الدراسة الأكثر سطحية للتاريخ تظهر أن الوعي البشري يميل دائما إلى التخلف عن الأحداث. إن الوعي أبعد ما يكون عن الثورية، إنه بالفطرة محافظ للغاية. معظم الناس لا يحبون فكرة التغيير، ناهيك عن الاضطرابات العنيفة التي تغير الظروف القائمة. إنهم يميلون إلى التشبث بالأفكار المألوفة، والمؤسسات المعروفة، والأخلاق التقليدية ودين النظام الاجتماعي القائم وقيمه. لكن جدليا، تتغير الأمور إلى نقيضها. عاجلا أو آجلا، سوف يصير الوعي متماشيا مع الواقع بطريقة متفجرة. وهذا هو بالضبط ما تعنيه الثورة.

توضح الماركسية ان مفتاح كل التطور الاجتماعي، في آخر التحليل، هو تطوير القوى المنتجة. فما دام المجتمع يسير إلى الأمام، أي طالما أنه قادر على تطوير الصناعة والزراعة والعلوم والتكنولوجيا، فإن الغالبية العظمى من الناس ينظرون إليه باعتباره يستحق البقاء. في ظل هذه الظروف، لا يميل الرجال والنساء عموما إلى التشكيك في المجتمع القائم، والأخلاق والقوانين السائدة، بل على العكس من ذلك، ينظرون إليها على أنها أمر طبيعي وحتمي مثل شروق الشمس وغروبها.

الأحداث العظيمة ضرورية لتمكين الجماهير من التخلص من عبء التقاليد والعادة والروتين الثقيل، وتبني أفكار جديدة. هذا هو الموقف الذي يتبناه المفهوم المادي للتاريخ، والذي أعرب عنه كارل ماركس ببراعة في العبارة الشهيرة “الواقع الاجتماعي يحدد الوعي”. لا بد من أحداث عظيمة لفضح اختلال النظام القديم وإقناع الجماهير بضرورة القضاء عليه بشكل نهائي. هذه العملية ليست تلقائية وتستغرق وقتا.

في الفترة الماضية بدا كما لو أن الصراع الطبقي في أوروبا صار شيئا من الماضي. لكن الآن كل التناقضات المتراكمة بدأت تصعد إلى السطح، ممهدة الطريق لانفجار الصراع الطبقي في كل مكان. حتى في بلدان مثل النمسا، حيث تمكنت الطبقة الحاكمة لعقود من شراء السلام الاجتماعي بواسطة الإصلاحات، ها هي الأحداث العاصفة بدأت تتحضر. إن الوضع يتضمن تغيرات حادة مفاجئة.

عندما كتب ماركس وإنجلز البيان، كانا شابان في التاسعة والعشرين والسابعة والعشرين من عمرهما على التوالي. كانا يكتبان في ظل فترة ردة رجعية هائلة. وكانت الطبقة العاملة تبدو جامدة. البيان نفسه كتب في بروكسل، حيث اضطر كاتباه إلى الفرار كلاجئين سياسيين. لكن وفي اللحظة التي رأى البيان الشيوعي فيها النور، فبراير 1848، كانت الثورة قد اندلعت بالفعل في شوارع باريس، وانتشرت على مدى الأشهر التالية كالنار في الهشيم في كل أوروبا تقريبا.

إننا ندخل مرحلة انفجارات قوية ستستمر لعدة سنوات، مشابهة للمرحلة التي عاشتها اسبانيا من سنة 1930 حتى 1937. ستكون هناك هزائم ونكسات، لكن في ظل هذه الظروف سوف تتعلم الجماهير بسرعة كبيرة. بالطبع يجب علينا ألا نبالغ، فما زلنا في البدايات المبكرة لعملية التجدر. لكن من الواضح جدا هنا أننا نشهد بداية تغيير في وعي الجماهير. عدد متزايد من الناس صاروا يشككون في الرأسمالية، وهم منفتحون على الأفكار الماركسية بطريقة لم تشهد من قبل. وفي المرحلة المقبلة ستصير الأفكار التي كانت مقتصرة على مجموعات صغيرة من الثوار راية لملايين الأشخاص.

يمكننا بالتالي أن نجيب السيد فوكوياما على النحو التالي : إن التاريخ لم ينته. إنه في الواقع، بالكاد بدأ. وعندما ستنظر أجيال المستقبل إلى الوراء إلى “الحضارة” الحالية، سيكون لديهم تقريبا نفس الموقف الذي لدينا من مجتمع آكلي لحوم البشر. إن الشرط المسبق لتحقيق مستوى أعلى من التطور البشري هو إنهاء الفوضى الرأسمالية ووضع خطة إنتاج عقلانية وديمقراطية يمكن بواسطتها للرجال والنساء أن يأخذوا حياتهم ومصائرهم بأيديهم.

سيقول لنا “الواقعيون” المزعومون “هذه يوتوبيا مستحيلة!”. لكن الأمر الغير واقعي تماما هو أن نتصور أنه يمكن حل المشاكل التي تواجه البشرية على أساس النظام الحالي الذي دفع العالم إلى حالته المزرية هذه. إن القول بأن البشرية غير قادرة على إيجاد بديل أفضل لقوانين الغاب هو تشهير بشع بالجنس البشري.

من خلال تسخير الإمكانات الهائلة للعلوم والتكنولوجيا، وتحريرها من قيود الملكية الخاصة والدولة القومية الخانقة، سوف يصبح من الممكن حل جميع المشاكل التي تنهك عالمنا وتهدده بالدمار. سوف يبدأ التاريخ البشري الحقيقي فقط عندما سيقضي الرجال والنساء على العبودية الرأسمالية ويقطعون الخطوات الأولى نحو عالم الحرية.

Written by حليمْ

15 أكتوبر 2012 at 1:10 ص

الإنتهازيّة بين النخب الليبرالية و الاحزاب الثورية / نون.

leave a comment »


- 0 -

- 1 -

إنّ العلاقة الطرديّة بين النخبة الليبرالية و مسألة التحزّب الثوري هي ليست بظاهرة حديثة ، بل لها تاريخ طويل. و يرى الكثير ممن ينتمون للتيارات الليبراليّة بأن التحزّب الثوري ماهو الا انعكاس لفئة انتهازيّة تريد ان تستأثر بالسلطة على حساب الجماهير التي اشعلت الثورات بأرادتها العفويّة. و هذا يعود للتنظير البحت من دون العودة الى تاريخ الممارسة الثورية و علاقتها الجذريّة بالطبقة ، فالانتهازيّة هي في الاساس ممارسة متجذّرة في الاحزاب الليبراليّة مع كل حملة انتخابيّة تروّج للأحلام و الوعود الكاذبة و تؤثّر سلبياً على الوعي الجماهيري. فهي اذاً ليست ظاهرة ثوريّة ، بل الانتهازيّة هي ممارسة اعتياديّة لدى احزاب تمثّل طبقة انتهازيّة – استحوذت على رأس المال و على السلطة السياسية و في نفس الوقت تنادي بالديمقراطية مع انها هي الطبقة الوحيدة المستفيدة من الحروب و الأفقار – الا وهي الطبقة البرجوازية. و مع ذلك ، لقد تم تشويه الحراك الثوري الحقيقي على يد انتهازيون ثوريون من امثال كاسترو و عبدالناصر و ماو ، و هذا لا يؤثّر سلبياً على المنهج الثوري بمجمله ، بل يجعلنا نتسائل جدياً عن علاقة تلك الاحزاب بالطبقة العاملة ، لأن كاسترو و ماو و عبدالناصر لم يمثّلو الطبقة العاملة – فكانت الانتهازيّة هي الطريقة الوحيدة لتلبية مصالحهم الطبقيّة. بينما الاحزاب الاشتراكية تؤمن بأن التنظيم هو مسألة حتميّة لنجاح اي ثورة حتى و لو بدأت بعفويّة ، لأن التطوّر من الوعي الإصلاحي الى الوعي الثوري يحتاج الى تنظيم والتطور من الوعي النقابي الى الوعي الإشتراكي ايضاً يحتاج الى تنظيم، وكل الاسئلة المهمة بخصوص علاقة السلطة بالفرد و الفرق بين الديمقراطية البرجوازية و الديمقراطية العمالية لا يتم العثور عليها عن طريق الفضفضة بعفويّة. ان دور الاحزاب الاشتراكية في الصراع هو استقطاب اكثر الفئات التقدميّة من الطبقة العاملة و توظيف جهودهم الثوريّة لقيادة الطبقة العاملة بمجملها ، نظراً لأن الوعي الجماهيري متفاوت و متباين ، و لو كان الامر غير ذلك: لبصقوا عمّال العالم على الطبقة البرجوازية و جعلوهم يموتون غرقاً – و انتهى الامر ، لكن الحقيقة هي ان التنظيم هو مهم لتوحيد جهود الطبقة المضطهدة ضد الطبقة التي تسبب لها الاضطهاد ، و في حفظ ذاكرة الصراع و تعميم التجربة الثوريّة لدى كل العمال. ان الانتهازيّة هي سمة نخبويّة ايضاً ، فتجاهل القضايا الاساسية التي تعاني منها الطبقة العاملة كمسألة العدالة الاجتماعية هي في قمّة الانتهازية التي اصبحت مسألة متجذّرة في الطرح الليبرالي المحلي. الطريقة التي يفهمون فيها الصراع – كما لو هو مختزل بين الخرافة و العلم – هو ايضاً نظريّة في قمة الانتهازية ، نظرتهم للمرأة كما لو انها كائن مجرّد من العلاقات الاجتماعية سواء كانت تسكن القصور او تسكن العشش – فالطبيعة واحدة ، و منهج التحرر هو واحد ، هذا ايضاً انتهازيّة. التعامل مع مؤسسات السلطة كما لو هي فقط بحاجة الى القليل من الاصلاح هو فعلاً انتهازيّة ، فمن الغريب ان ينتقد تيّار بأكمله الانتهازية و هو كل مافيه انتهازي !!

هناك انقسام واضح في صفوف المثقّفين و فهمهم للحراك الثوري ، فهناك من يتعامل مع “رجل الشارع” كما لو هو مجرّد كائن يستقبل الخرافة و الدجل و الكذب السياسي و يطبّق كل شيء من دون نقض او رفض ، وهناك من يؤمن بأن الجماهير الغفيرة من “رجال الشوارع” – و لاحظ ان لا يوجد امرأة شارع في لغتهم العنصريّة – سوف تستطيع بجدارة ان تغيّر المجتمع بشكل حتمي و عفوي و لا يحتاجون الى اي تنظيم او قيادة او حزب. و كلى الرؤيتين لا تخلوا من المغالطات ، لأنهم كما اسلفنا ، لا يعتمدون على التجربة العمليّة و التاريخ الثوري. ان الحزب الثوري هو ليس مجرد حفنة من البيروقراطيين الذين يبحثون عن مكاسب سياسية ، بل ينشأ الحزب الثوري كنقيض للسياسات الانتهازية التي تقودها احزاب تعتاش على هذا النمط من السياسة ، بينما سياسة الحزب الثوري مغايرة تماماً: هو طليعة الطبقة العاملة ، كما وصفها لينين. لقد وصف تروتسكي الحزب الثوري بمقولة رائعة مشبهاً الحراك الثوري مثل محرّك البخار ، فالجماهير هي مثل البخار و الحزب مثل المكبس ، فالبخار من دون مكبس سيكون غير قابل للعمل بشكل سليم ، و المكبس من دون بخار سيكون غير فعّال و لا فائدة منه. اذن لا فائدة من حزب من دون طاقة و حراك جماهيري ، و ستكون حركة الجماهير غير منظمة مما قد يؤدي الى فشلها اذا لم يكون هناك حزب يدير طاقتها بشكل فعّال. ان الكثير من المثقفين الذي يحاولون الوقوف على الحياد في الحقبة الثورية ، هم في الحقيقة لا يقفون ابداً على الحياد ، بل ان الثورة ما هي الا نتيجة عكسيّة ضد المؤسسات الحكومية و الاقتصادية المتحيّزة ضد الجماهير. و المثقّف لا يعيش خارج المجتمع ، بل له موقع و دور اجتماعي في ضمن العلاقات الاجتماعيّة الموجودة. لذلك يخفق الكثير من المثقفين في فهمهم للثورة ، فيقولون لو حدث تغييراً استثنائياً في السعودية على سبيل المثال ، فلربما تحولنا مثل دولة الكويت بنظامها البرلماني الديمقراطي. و الديمقراطية لم تمنع البرلمان الكويتي من سنّ اكثر القوانين عنصرية و قمعية و التي اتت بمباركة جماهيرية سواء في تعاملهم مع قضية البدون او القوانين التي تنتهك حرية التعبير. مع ذلك ، يجب ان نفهم بأن الديمقراطية الشكليّة في النظام الكويتي هي ليست ديمقراطية حقيقية ، وأن النظام السياسي المستنسخ لديهم ليس نظام مبني على العدالة الاجتماعية. بل يمكن للأمير ان يحلّ الحكومة و يطلب منها ان تذهب للجحيم متى ما أراد ، و كل الاعضاء المنتخبين لا يمثّلوا الشعب الكويتي ، بل هم منشغلين تماما لإدارة شؤون الطبقة البرجوازية الكويتية ، لذلك لا نسمع عن البرلمان الكويتي انه قام بحلّ قضية اجتماعية مهمة. هو برلمان يدير شؤون الاقليّة على حساب الاغلبيّة ، و لن تنعم الشعوب بالديمقراطيّة حتى تحصل على القوة الاقتصادية و السياسية – بل كما قال توني كليف: “مالفائدة في ان يعيش شخص نصف ساعة من الحرية و حياة بأكملها من العبودية” ، بالفعل .. إن المواطن الكويتي لا يمارس الديمقراطية الا خمس دقائق كل بضع سنوات ، و بعدها يستقيل من اللعبة السياسية و يرجع الى نمط العبودية ، فإذا أضفنا كل خمس دقائق بطريقة تراكمية على معدل حياة المواطن سنكتشف بأنه لا يمارس عملية الانتخاب الا نص ساعة من حياته ، ولا يستطيع شخص غير مدعوم من القوى البرجوازية ان يصل الى المقعد البرلماني وإن وصل بأعجوبة سيكون محاصر بشتى القوانين الصارمة و لن يستطيع التغيير او الاستمرار، خصوصاً و ان الحملات الانتخابية ليست دعايات مجانية ، بل تحتاج الى ثروة طائلة و احتراف في الترويج الكاذب كي يحصل على الاصوات. نحن نتحدّث عن ديمقراطيّة تخترق كل شؤون الحياة – الصغيرة و الكبيرة – و لا تقف عند حدّ معيّن. ديمقراطيّة في مكان العمل و في اختيار رئيسك في العمل و في اختيار القضاة و في اختيار كل القرارات الرئيسية في المجتمع ، و هذه الحرية لا تمنح على طبق من ذهب بل تؤخذ عبر سيرورة ثورية من الاحتجاجات و التنظيمات التي تحدث بإستمرار في حياتنا اليومية.

إنّ كل الثورات السابقة نجحت عبر تنظيمات ، و التي اخفقت كان اخفاقها لأسباب تنظيميّة. فلو عدنا للثورة الفرنسية في عام 1871 كانت عبر كمونة باريس التي تعتبر تنظيم سياسي ، و نجح هذا التنظيم في ادارة باريس لعدة اسابيع ، و كان للمرأة دور بارز في نجاح الثورة الفرنسية. و ايضاً لو رجعنا لثورة 1917 في روسيا لوجدنا بأن الفضل يعود الى الحزب البلشفي و السوفيت بقيادة تروتسكي و لينين ، و هذا بحدّ ذاته تنظيم ، و هناك العديد من الامثلة التاريخية مثل: اسبانيا في الثلاثينات و الميليشيات الثورية ، و هنغاريا في الخمسينات و اللجان العمالية ، و فرنسا في ال 68 ، و امثلة كثيرة اخرى و منها علاقة التنظيمات النقابيّة في تونس و مساهمتها الثورة التونسيّة ، و اضرابات الملايين من العمّال في المحلّة و السويس و حلوان و القاهرة و الاسكندرية و مساهمتهم الفاعلة في اسقاط نظام مبارك.

إنّ الانتهازيّة و النفعيّة هي ليست نظرية تحتاج المجابهة وحسب ، بل هي ايضاً مسألة تكتيكية عند بعض القياديين النقابيين و العمال الثوريين و الاشتراكيين و الشيوعيين ، حيث احياناً نجد بأن هناك شخص يتفوّه بكلمات طائفيّة في مظاهرة حقوقيّة ، اذا لم نردّ عليه كثوّار اصبحنا نفعيين و انتهازيين ، و هناك العديد من الحركيين يرون بأن السكوت هو وسيلة لتوحيد الصفوف ، لكن هذا في قمة الانتهازية. و لو تركنا المظاهرة لأن فيها عدة اشخاص طائفيين لأصبحنا متعصبين و هذا التعصّب يؤثّر على مصلحة الطبقة العاملة وتوحيد صفوفها في الصراع. بل يجب ان لا نختار لا هذا و لا ذاك ، يجب ان نواجه العنصرية و الطائفيّة و الاستغلال بكل وضوح و في نفس الوقت يجب ان نكرّس روح التضامن بين افراد الطبقة الكادحة ، لذلك علينا كـ اشتراكيين ثوريين أن نكافح و نناضل من اجل تنظيم حزب ثوري مستقل، وايضاً نكافح ضد الانتهازيّة و التعصّب في كل ميادين الصراع من اجل مستقبل أفضل للبشريّة.

                                                                                                                                             

Written by حليمْ

4 أغسطس 2012 at 6:42 ص

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 138 other followers